الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء)  المرأة وإشكالية المحرم
 
 
 

عندما قرأت الخبر الذي يتضمن توجيه أمير منطقة مكة المكرمة بحذف عبارة "عدم جواز الاختلاط" في نظام العمل والاستعاضة عنها بعبارة "يجب الالتزام بمقتضيات أحكام الشريعة الإسلامية" شعرت بالسعادة؛ إذ إن ثلث مقالاتي التي كتبتها لصحيفة الوطن كانت عن المرأة, ومنها مقالاتي المتتالية حول اشتراك الجنسين في بناء المجتمع, كما قد نبهت في مقالات عدة إلى ضرورة تبني مناهج تعليمية ووسائل تربوية تساهم في ردم الفجوة الموجودة بين الجنسين, فتختفي النظرة الدونية للمرأة التي تعتبرها منبع إغراء ووسيلة غواية, لتستبدلها بالنظرة المحايدة التي تراها إنساناً لا مجرد أنثى, وعندها يصبح خروجها من بيتها للعمل هو جهاد حقيقي بغاية تقوية الشخصية وتنمية الأسرة وبناء المجتمع.

هذا الخبر يحفّزني للاستمرار في الدفع باتجاه قضايا المرأة حتى تنال كافة حقوقها أسوة بأخيها الرجل, لأن المجتمع لا يمكن أن ينهض ونصف أفراده متّكلين في كل شيء على نصفه الآخر, وإذا كنت قد مررت مرور الكرام – فيما سبق - على إشكالية المحرم فإنها تستحق تناولها بمقالة خاصة, لاسيما وأن هذا النصف الآخر, وأقصد الذكور في المجتمع, على رأيين مختلفين في هذا الأمر: فبعضهم يضيق ذرعاً باتّكال المرأة عليه لأن ذلك يشغله عن أموره الخاصة والهامة, بينما يحبّذه بعضهم الآخر إذ تصبح قرارات المرأة الحياتية خاضعة لمزاجية الرجل,  سواء كانت هذه القرارات زواجاً أو سفراً أو عملا أو تصرفاً بمال, أو ما هو أخطر من ذلك, كعدم إجراء أي عملية إلا بموافقة المحرم, حتى لو كانت عملية جراحية طارئة, مع أن العملية تخصّ جسدها هي لا جسد المحرم!

تتمتع المرأة بالأهلية الكاملة بمجرد بلوغها سن الرشد, مثلها في ذلك مثل الرجل, ووجود المحرم يجب أن يقتصر على موضوع الزواج كي تضمن حقوقها أكثر, فهو يسمى في هذه الحالة ولي أمر, كالأب أو من يقوم مقامه, شرط ألا يستغل هذه الولاية ليعضلها عن الزواج, وإلا فمن حقها أن تلجأ للقضاء ليكون ولي أمرها القاضي, علماً بأن أبا حنيفة ألغى شرط وجود الولي الذي احتج به غالبية الفقهاء بناء على حديث:(لا نكاح إلا بولي), عندما فهم - رحمه الله - من القرآن أن المرأة يمكنها أن تزوّج نفسها, بحسب الآيات الكريمة التي تعيد فعل النكاح للمرأة مثل:(فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن), (حتى تنكح زوجاً غيره) فالفاعل في فعل "ينكحن" في الآية الأولى هو النساء, والفاعل في فعل "تنكح" في الآية الثانية هو المرأة.

أما المحرم فقد ورد في أحاديث عديدة, لذا لا بد من فتح ملف الاختلافات الفقهية في سفر المرأة بدون محرم, لعله ينال اهتماماً ممن بيدهم الحل والعقد, فينظرون بعين الرأفة والرحمة إلى النساء اللواتي لا يجدن محرماً, خاصة وأن الإصرار على المحرم يجعل الآخرين لا يرون في ذلك إلا التناقض, إذ يتساءل كثيرون: لماذا نصرّ على سفر بناتنا برفقة المحرم, بينما نستقدم بناتهم بدون محرم؟!

أحاديث منع سفر المرأة دون محرم معروفة, ولذلك لن أتناولها هنا, لكن ما هو غير معروف – ربما – بعض الأحاديث التي أشارت إلى جواز سفر المرأة وحيدة, ومن ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم الطائي في الحديث الذي يبشره فيه بانتشار الإسلام وبالأمان الذي سوف يعم العالم كلها بانتشاره:(فوالذي نفسي بيده ليتمّن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد..).

بناء على هذا الحديث اكتفى بعض الفقهاء بأمن الطريق, وهذا ما اختاره ابن تيمية فقد ذكر ابن مفلح في "الفروع" عنه:(تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم, وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة), ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع, وقال بعض أصحابه فيه وفي كل سفر  غير واجب كزيارة وتجارة؛ وهذا ما ذكره النووي: (وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه : لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحابنا – الشافعية - : يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نساء ثقات.. وقال بعضهم: قد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة).

والدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف, فقد اتفق على ذلك عمر وعثمان وعبد الرحمن ونساء النبي, ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك, وهذا يعتبر إجماعاً؛ ولكن الأهم من فعل عمر هو ما فعلته أم كلثوم بنت عقبة على زمن الرسول عليه الصلاة والسلام فقد أخرج البخاري عن عائشة أنها قالت:( وجاءتِ المؤمناتُ مهاجراتٍ، وكانت أمُّ كلثومٍ بنتُ عُقبة بنِ أبي مُعَيطٍ ممَّن خَرَج إِلى رسولِ الله عليه الصلاة والسلام يومَئذٍ - وهيَ عاتقٌ - فجاءَ أهلُهَا يَسألونَ النَّبيَّ أن يَرجِعَها إِليهم فلم يَرجِعْها إليهم لما أنزَلَ اللهُ فيهنَّ) وهي عاتق أي أنها شابة صغيرة وغير متزوجة, وقد ذكر ابن سعد في طبقاته أنها خرجت من مكة وحدها وصاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة في هدنة الحديبية.

أضاف الدكتور القرضاوي قاعدتين جليلتين في سفر المرأة:( الأولى: إن الأصل في أحكام المعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال, دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد, كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضّحه واستدلّ له؛ والثانية: إن ما حُرِّم لذاته لا يباح إلا للضرورة, أما ما حُرِّم لسد الذريعة فيباح للحاجة, ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حُرِّم سداً للذريعة. والسفر في عصرنا لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية محفوفاً بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات والتعرض للصوص وقطاع الطرق وغيرهم؛ بل أصبح السفر بوساطة وسائل نقل تجمع العدد الكثير من الناس في العادة, كالبواخر والطائرات والسيارات الكبيرة أو الصغيرة التي تخرج في قوافل, وهذا يجعل الثقة موفورة ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة, لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن).

لطالما طالب بعض المعلقين على مقالاتي بأن تقتصر كتاباتي على مجال تخصصي, وهي مطالبة ربما كان لها ما يبررها لو أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة على بعض الناس دون بعضهم الآخر, لكن الآية الكريمة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) تجعلني وغيري من الكتاب في موضع المسؤولية للتنبيه إلى الخطأ حيثما كان, مع محاولة طرح الحلول المستوحاة من قراءاتنا المتنوعة أو خبراتنا الحياتية المختلفة, ولذلك اعتدت على نقل أقوال الفقهاء التي هي اجتهادات مغيَّبة مع أن لها سنداً شرعياً واضحاً.

هذا من جهة قراءاتي أما من جهة مرئياتي فكثيرا ما تصلني شكاوى من فتيات حرمن من الابتعاث بسبب تعنت المحرم أو عدم وجوده, ولكن الحالة التي مرّت على عيادتي الأسبوع الماضي كانت من أغرب ما اطلعت عليه, وهي حالة فتاة تَمِّ نقلها إلى جدة من مدينة أخرى لحمايتها من والدها الذي اعتدى عليها جنسياً, حيث لا توجد في مدينتها دار لحماية الفتيات؛ وقد رافقتها امرأة تعمل في سلك الشرطة ورجال يعملون في السلك نفسه, وقد استوقفني أحد المرافقين ليطمئن على وضع الفتاة, وعلمت أنه أخ للشرطية التي لا يمكن أن تسافر إلا مع محرم, فكنت في الحقيقة أمام قصتين غريبتين: قصة فتاة قاصر اعتدى عليها أخصّ محارمها وهو الأب, وقصة امرأة بالغة راشدة تعمل على توفير الأمن للناس لكنها هي نفسها عاجزة عن الشعور بالأمن إلا بوجود محرم لها!

الوطن السعودية 7/4/2008

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |