الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء)  الزواج بين الاستمتاع والمسؤولية.. وحاجتنا إلى فقه جديد
 
 
 

منذ أسبوع استلمت رسالتين عبر بريدي الالكتروني الخاص بموقع صحيفة الوطن, ومع أن كلا من الرسالتين كانت تعزف على نفس الوتر, ألا وهو الزواج السياحي أو زواج المسفار, فإن الرسالة الأولى كانت من مدير الإخراج بتلفزيون جدة السيد صالح الأحمدي, وأما الثانية فسأتركها لخاتمة المقالة.

قبل أن يساء فهمي – كما يحصل أحياناً – أؤكد أني لا أذكر رسالة السيد الأحمدي إلا بغاية الشكر الجزيل له, فرسالته كانت تدعوني لمتابعة حلقة من برنامج (لها وما عليها), وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على اهتمامه برأي من يثق بهم, كما يشير إلى إدراكه مدى انشغال الكاتب بكثير من الأمور وعدم استطاعته متابعة كل ما تعرضه القنوات الفضائية, لذا فإن دعوة المخرج - أو المعدّ - لكاتب مثلا من أجل متابعة برنامجه ليس عيباً بل هو دليل واضح على اهتمامه بعمله وشعوره بضرورة تكاتف الإعلام المرئي والمقروء والمسموع للتمكن من معالجة الأزمة قبل استفحالها.

والأزمة التي عرضت لها حلقة البرنامج كانت الزواج السياحي, والآثار السلبية التي يتركها هذا الزواج على كل من الأسرة والمجتمع والأبناء الذين يعانون لإثبات نسبهم وتحديد هويتهم, وقد سُعدت برؤية المذيعة نشوى السكري على قدر من اللباقة بحيث استطاعت أن توفي الضيوف حقهم بما فيهم الفتاة التي تحدثت من مصر كأنموذج على هذه الفاجعة, فهي بدون هوية لأن والدها توفي ولم يسجّلها رسمياً؛ ولكن ضيق الوقت – برأيي – ساهم في عدم وضوح قصتها, خاصة أن الحديث على الهاتف ليس كما لو كانت موجودة في الأستوديو مظهرة ما لديها من مستندات مثلا, ناهيك أن الصوت مهما عبر عن الأزمة فلن يكون مثل ما لو اجتمع مع إيماءات الوجه ولغة الجسد.

وددت لو أن مدة البرنامج أطول, خاصة أنه أسبوعي؛ فمدة الحلقة نصف ساعة لا تكفي لمناقشة أمر خطير مع استضافة خمسة أشخاص, منهم سيدة باحثة اجتماعية في الأستوديو, واثنان على الهاتف, وأخيرا رئيس جمعية (أواصر) من أستوديو آخر, ولا أدري لماذا لم يكن موجوداً في الأستوديو نفسه حيث أن ذلك أفضل, وهو ما يحصل في كثير من برامج قناة الإخبارية, وقد رأينا بعض المشايخ الذين يرفضون الاختلاط قولا يجلسون فعلياً مع مذيعة في قناة الإخبارية, والفعل أقوى من القول, بمعنى أن الاختلاط المنضبط بالأخلاق والحشمة لا مانع منه.

أوضحت الضيفة المقيمة في مصر أن بعض السعوديين يذهبون إلى مصر أو غيرها من البلاد العربية - أو الإسلامية - فيتزوج أربع نساء خلال إجازته التي لا تتعدى شهراً, بحيث يطلّق واحدة قبل أن يتزوج أخرى, وربما حملت النساء الأربع منه, وهو لا يدري, وطالبت هذه السيدة بأن تقوم جمعية من النساء السعوديات بتوعية المصريات – والعربيات في البلاد الأخرى – كي يرفضن القبول بهذا الزواج, وأما رئيس جمعية أواصر فقد بدا كمن تلبّسه الحزن لحال الفتاة المتحدثة من مصر وأمثالها, ولفت نظري تساؤله المشروع عن حكم زواج الرجل من امرأة وعلى ذمته أربع نساء إحداهن مطلقة معتدة.

لا أعتقد بوجود جواب موحّد لدى الفقهاء لهذا السؤال, فالمعتاد أن الاختلاف رحمة, وبرأيي أنه كذلك ما لم يمسّ جوهر الدين الذي جاءت أحكامه بهدف الحفاظ على الضروريات الخمس – أو الست على بعض الأقوال - ومنها العرض والنسل, فالمفهوم العام عن المطلقة المعتدة أنها ليست على ذمة الرجل, خاصة أنها لا تبقى في بيتها كما أمر الله سبحانه:(لا تخرجوهن من بيوتهن) إذ الآية تأمر بقضاء المرأة المطلقة  - طلاقا بائنا بينونة صغرى – عدتها في بيت زوجها ليراها أمامه ويستشعر شيئاً من الحنان تجاهها فيعيدها إلى عصمته, وهذه الغاية من العدة لا يتكلم عنها الفقهاء بقدر ما يؤكدون على أن العدة ثلاثة قروء – أي حيضات - للتأكد من خلوّ رحم المطلقة من الحمل, ولذلك يتصاعد حديثاً سؤال طبي مفاده أن الشهور الثلاثة كانت ضرورية لنفي وجود الحمل عندما لم يكن ممكناً معرفة وجود الحمل إلا بشعور الحامل بحركة الجنين, وأما الآن فهناك تحليل مخبري, وهناك الأشعة فوق الصوتية التي تظهر الحمل بدقة تقريباً, ولذلك لم يعد ثمة داع للعدة إذا لم تكن المرأة حاملا!

العجز عن الإجابة على هذا السؤال هو مثال على عجز الفقه التقليدي عن ربط الأحكام الدينية بمصالح العباد, أما عندما نبحث عن الغاية من عدة ثلاثة شهور, نجد أنه من الناحية النفسية هي فترة أمام المطلقة لاستجماع شتات ذاتها التي تبعثرت بسبب أزمة الطلاق, ومن الناحية الزوجية هي فرصة لعودة المياه لمجاريها بين الزوجين, ومن الناحية الأسرية نجد المجال مفتوحاً أمام الأولاد ليقولوا كلمتهم أيضاً عندما يعبّرون عن رغبتهم بالعيش في أسرة مستقرة, علماً بأن الطفل الذي لا يستطيع التعبير بالكلام قد تكون حركة احتياج منه أقوى من ألف كلمة بالنسبة للأب إذا كان رجلاً حي الضمير.

أما السؤال الذي أثاره في ذهني البرنامج كله فهو حول مفاهيم الزواج من المودة والرحمة والسكينة التي لا يتحدث عنها إلا القليل من الفقهاء أما الأكثرية فمشغولون بالحضّ على الزواج من الأبكار, وعندما يعود المرء للقرآن لا يجد شيئاً من ذلك, وسنة النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يتزوج بكراً سوى عائشة, وقد ذكرت في مقالة سابقة أن زواجه منها مع فارق السن الكبير كان عملا برؤيا أراه إياها الله؛ ولا يحقّ لأحد أن يقتدي بهذا الزواج إلا إذا ادّعى لنفسه النبوة والوحي, أما الحديث الشريف:(ألا بكراً تلاعبها وتلاعبك) فقد كان في موضع سؤاله لجابر بن عبد الله عن سبب زواجه من ثيب, ونهاية الحديث تدلّ على أن جابر بعد استشهاد والده فضّل الزواج بامرأة تجمع أخواته وتساعده في تربيتهن.

من المعلوم أن السنة الفعلية أقوى من السنة القولية, ومن أراد أن يقتدي بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام بالتعدد فليكن بالزواج من ثيبات سواء كن مطلقات أو أرامل, وإذا عدنا إلى سورة النساء وقرأنا الآيات في الصفحة الأولى بتمعن نجد أنها تدل على ارتباط تعدد الزوجات باليتامى والأرامل, وذلك بغاية العدل مع اليتامى ومعاملتهم كالأولاد تقريباً في مجتمع كان – ولا زال – ينظر إلى اليتيم نظرة دونية, والسؤال: لماذا نجد أن السائد هو البحث عن المتعة من خلال الزواج الثاني, لا الدفع باتجاه إشعار طفل بوجود رجل مسؤول عنه, ولو معنوياً, يعوضّه عن فقد الوالد الحقيقي؟ لماذا فهمنا الزواج أنه للاستمتاع ونسينا أنه مسؤولية قبل كل شيء ؟

لا يطالب عاقل متدين بمنع تعدد الزوجات فهناك حالات لا حلّ لها إلا بالتعدد لكن يجب التخفيف من مساوئ التعدد والذي أصبح المجتمع بأسره يدفع ثمناً له, بدءاً من الأطفال مروراً بالمرأة وانتهاء بسمعة المجتمع, وكانت حلقة البرنامج المشار إليه أكبر شاهد على ذلك, عدا أن تطبيق اقتراح السيدة الضيفة مثلا بتكوين لجنة من النساء السعوديات تنبّه المرأة المصرية مثلا بعدم الموافقة على الزواج من سعودي  - لا يحمل موافقة حكومية - ليس حلا عملياً للمشكلة لأن كثيرين من المصريين وغيرهم يزوجون بناتهم بدافع التخلص من الفقر, وصاحب الحاجة أرعن.

أختم المقالة بالرسالة الثانية, فقد جاءت من شاب لم تشمله البعثة الدراسية لأن معدله كان أقل من المطلوب فأرسل لي يطلب مني البحث عن فتاة مبتعثة يتزوجها ويكون مرافقاً لها فيناله من الحب – أقصد من البعثة – جانب, والمشكلة أني فعلا أطمح أن يكون عندي مكتب لمساعدة الشباب على الزواج ولكن الظروف غير مواتية حالياً, ولذا فها أنذا أدوّن رغبة هذا الشاب لعلّه يجد صدى وإن كنت لست مسؤولة عما بعد الصدى!

الوطن السعودية 10/3/2008

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |