|
«
اصبر شوي.. لا تتزوج هالحين.. بعد فترة البنت بتصير هي اللي تخطب الرجّال.. لا..
وتعطيه المهر بعد.. العنوسة في زيادة مستمرة
».
كلمات صعبة تنطق بها شخصية رسام الكاريكاتير الأستاذ
"يزيد" في صحيفة الوطن, هذه الشخصية التي تلقي الحقائق
بشكل صريح لدرجة يكاد يكون معها التصريح فجاً دونما
اعتبار لمشاعر الآخرين, ففم هذا الشخص دائماً مفتوح
إما لكبر أسنانه أو لطول لسانه, ولا بد من بعض اللعاب
المتطاير في وجه المصغي، وكأنما الحقيقة القاسية وحدها
لا تكفي، فلا بد من إضافة شيء من "بهارات" البصاق
إليها لتكون أشد إثارةً للسخرية, فهل من الممكن أن
يتحقق هذا التوقع، ونرى مجتمعاتنا تتحول هذا التحول
الخطير بحيث تصبح المرأة هي التي تعطي الرجل المهر؟
هذا العرف هو السائد في الهند مهما كانت ديانة
الراغبين في الزواج مسلمين أو مسيحيين أو هندوساً,
وعندما تمنح الأعراف الساذجة أو البالية أهميةً فوق
تشريعات الدين الحكيمة فإنها إحكام لقبضة الفوضى على
رقبة المجتمع, والاتجاه الجديد في التعامل مع البنات
في الهند هو التخلي عن المولود بمجرد معرفة أنه أنثى
ببيعها أو التخلص منها حية أو ميتة!
المهر حماية للمرأة من ظلم الرجل على الرغم من أنه حماية مادية فقط,
فالرجل هو الأقوى بينما في الهند يبقى هو الأقوى أي
يقبض على خناق الزوجة وفي نفس الوقت يقبض المهر أو (الدوطة)،
وهذه الكلمة معروفة في بعض الأديان الأخرى كالمسيحية,
لكن كما اتجهت الكنيسة لإباحة الطلاق الذي كان ممنوعاً
في السابق، فقد ألغت القوانين الحديثة مهر الرجل (
الدوطة) وأصبحت التشريعات أكثر حمايةً للمرأة الغربية؛
ولكن أليس في أعرافنا نحن أيضاً ما هو بحاجة إلى
الإلغاء أو التصحيح؟ أغلبنا يدرك أن المغالاة في مهر
الفتاة سبب لعنوستها والمثل يقول:«
إذا أردت أن لا تزوج ابنتك فارفع مهرها», ولقد زارني في عيادتي
منذ أيام "مسفر" وهو شاب سعودي متخرج من الجامعة
باختصاص علمي, متدين حييّ, عرفته منذ أربع سنوات عندما
كان يعمل معي في نفس المكان, ثم غادرنا إلى مدينة أخرى
طلباً لدخل أكبر ومرتّب أوفر, فقد كان خاطباً لابنة
عمه, ولا بد من مهر قدره خمسون ألف ريال ليحقق حلمه
بالسعادة مع من اختارها قلبه منذ الطفولة, لكن كان من
الصعب تحقيق ذلك بمرتّب شهري لا يزيد عن ألفي ريال,
وهو مسؤول عن عائلته بعد وفاة أبيه, فما الذي يمكن
توفيره من مرتّب كهذا من قبل شاب ذي ظروف كهذه؟ سافر
مسفر إلى مدينة أخرى بعيدة عن مسقط رأسه وإقامة أهله,
واستطاع بعد أربع سنوات أن يجمع مهر العروس ويتزوج
و"يترحرح" وجاء يزورنا، وقد بدا في وجهه نعيم الزواج،
وظهرت في جسده راحة الرفقة, فامتلأ عوده وتنضّر محياه,
ولما باركت له وعدني أن يحضر زوجته إلى عيادتي، لأنه
سيصبح أباً عما قريب, فما أجملها من سعادة أن يجد
المرء نفسه في نفس أخرى, فيعلو درجةً في سلم الإنسانية
عبر الزواج ثم يصعد درجة أخرى عندما يرى فلذات أكباده
متمتعين بحياة كريمة, ومهما ضحى الوالدان في سبيل
الأطفال فإنها تبقى التضحية التي لا تقاضى بثمن
والعطاء الذي لا حدود له.
إذن لماذا نحرم شبابنا وبناتنا من هذه السعادة؟ بالطبع ليست الحياة
الزوجية سعادةً كلها، لكن من حق الشباب أن يخوض تجربة
كهذه, ولا عبرة بقول ذلك الفيلسوف الذي سأله تلميذه:« أيهما أفعل: هل أتزوج أم
أبقى عزبا؟»
فقال له:«
افعل ما بدا لك فمهما فعلت فلا بد ستندم!».
هذا الفيلسوف يبدو أن زوجته قد جعلته فيلسوفاً على رأي
الحكيم سقراط, لكن المرأة الصالحة هي خير ما يكنز
المرء بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام, فما السبب
لزيادة نسبة العنوسة بين الإناث، وكثير منهن صالحات
وجميلات؟
لا أعتقد أني خلال مقالة محدودة المساحة أستطيع حصر كل
الأسباب, لكن إذا كان السبب الأول هو ارتفاع مهور
النساء, فالسبب الثاني قد يكون نتيجةً له، وهو تطلع
الشاب الخليجي عموماً إلى نساء من جنسيات أخرى سواء
كنّ عربيات أو غير عربيات, وهنا لا يكون السبب قلة
المهر فقط, بل لا بد من الصراحة، ولو كانت مؤلمة, فمما
هو مؤكد أن الشباب تغيرت نظرتهم للجمال في عصر
الفضائيات, فهذا شاب يريد زوجة بجمال وجه الممثلة
فلانة, وذاك آخر يريدها بقوام المطربة علاّنة, وثالث
مثاله المطلوب مشابه لمن قامت بعمليات تجميل متتالية
لتكون شفاهها بسماكة معينة، وأنفها بدقة متناهية,
ناهيك عن الصفات الجسدية الأخرى التي أربأ عن كتابتها
في مقال بصحيفة محترمة, وإن كان اللهاث وراء الصرعات
بما فيها التقليعات الجسدية لا يخفى على أحد, لكن ألم
تجن هؤلاء الغانيات على حظوظ العفيفات الشريفات بغض
النظر عن جنسياتهن؟!
قد يكون لاستمرار الفتاة في الدراسة دور في رفع سن الزواج عما كان
سابقاً, ومما يحثّ الفتاة على ذلك ما تراه من مآسي
ناجمة عن الطلاق التعسفي لرجال لا يخافون الله, فتصبح
المرأة دون معيل, وإذا عادت إلى بيت أهلها فكثيراً ما
يكون شرط الأهل أن ترمي المرأة بفلذات أكبادها لأبيهم
كي تستطيع أن تبدأ حياتها من جديد مع رجل آخر, وكم في
هذا الشرط من خسف بمعاني الأمومة، فليس أصعب من وأد
عاطفة أمّ تجاه طفلها, لكنها العادات والتقاليد التي
تجعل النظرة للمطلقة أدنى من النظرة لغيرها من النساء,
وكأن المطلقة تحمل عارها حيثما حلّت, وهنا يجب أن أذكر
أن هذه العادة غير موجودة في المجتمعات التي لا زالت
على الفطرة, أو البيئات التي تفهم الدين بشكله الصحيح,
ولا يعني الظلم الواقع على النساء والذي نبهت إلى
وجوده في بعض مقالاتي - مما أثار حفيظة بعض الإخوة
القراء الذين لم يفهموا منها إلا تهجماً عليهم على
الرغم من أني بينت لمن هي موجهة حصراً - أن كل النساء
مظلومات, بل أدرك أن هناك كثيرين من ذوي الفطرة الخيرة
بين الرجال أزواجاً كانوا أم أبناءً, وإخوةً كانوا أم
آباء, وقد شاهدت بعض حالات يبحث فيها الأب لابنته
المطلقة عن زوج صالح ليساعدها في تربية أطفالها, ووجدت
رجالاً لا يتأففون من ذلك. لكن بالمقابل نرى بعض
العائلات تدفع بناتها إلى العمل ليس من أجل اهتمامهم
بمستقبلها بقدر ما هو رغبة دفينة في حب المال, فلا
يرغب ولي الأمر في تزويج ابنته أو أخته لأنه يرى أنه
أحق من الزوج بمالها, وقد نهى القرآن عن منع المرأة من
الزواج ليفوز وليها بما قد متعها الله به من حقوق
مالية فقال عز وجل:}يا
أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً{[النساء4/19]؛
وهذه العادة السيئة تذكرنا أيضاً بطقوس هندوسية آيلة
إلى الزوال، حيث تجبر المرأة على حرق نفسها بعد وفاة
زوجها, وما ذاك إلا ليضع كهنة المعابد أيديهم على مال
الزوج المتوفى دون أن يوجد من يطالب بحقه فيه.
من أسباب العنوسة أيضاً بعض العادات البالية التي تحرّم على الشاب أو
الفتاة الزواج من غير القبيلة أو العائلة, وهي عادة
يجب التنبيه إلى ضررها لتشوهات الذرية الناجمة عن
الزواج بين الأقرباء, مما يؤدي إلى الإجهاضات
المتكررة، أو وفيات المواليد، أو العيوب الخَلْقية
الكبيرة، كالإعاقة العقلية أو الجسدية, ناهيك عن حرمان
الشاب - أو الفتاة - من الزواج ممن يرغب, فالحب أمر
معيب في ثقافتنا العربية, وربما يكون الجاني عليه بعض
المجانين في تراثنا، وعلى رأسهم قيس بن الملوح الذي
رفض والد محبوبته أن يزوجه إياها بعد تشبيبه بها, أو
أن السبب يكمن في المفهوم الغربي عن الحب، وأنه مرادف
للجنس, هذا المفهوم الذي انتقل إلينا قبل هجمة العولمة
فكيف مع حلولها ضيفة ثقيلة علينا لم نحسن بعد التعامل
معها أو إيقافها عند حدها؟ ولقد أورد ابن القيم رحمه
الله في كتابه (نزهة المشتاقين وروضة المحبين) ما رواه
ابن عباس رضي الله عنهما من أن رجلاً جاء إلى رسول
الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله في حجري
يتيمة وهي تُنكح إلي, وقد خطبها موسر ومعدم, ونحن نحب
الموسر وهي تحب المعدم, فقال عليه الصلاة والسلام:
«لم
يُرَ للمتحابين مثل النكاح».
إذن العنوسة ليست مقتصرة على الفتيات, بل هناك عدد من
الشباب يكاد يفوق عدد الفتيات في هذا الأمر, ونتمنى
ألا يكون السبب هو ما جاء في بعض استطلاعات الرأي عن
توافر أنماط أخرى للزواج في المجتمعات العربية كالزواج
العرفي والمسيار أو غير ذلك من العلاقات المحرمة؛ ومن
الملاحظ أن نمط الحياة الحديثة وتعقد مظاهرها أدى إلى
اختلاف كبير في الاتجاهات الثقافية, وظاهرة عزوف
المثقفين عن الزواج ليست جديدة, وربما يعود السبب إلى
أن المثقف الحقيقي يشعر بثقل مهمته، فيخشى أن تصرفه
الزوجة ومطالبها ومسؤوليات البيت والأطفال عما نذر
نفسه له, عدا عن غربة المثقف في زمن لا يفهمه فيه أحد,
ومن ثمّ بحثه عن امرأة تفهمه دون أن يتكلم، لأنه يظن
أن كلامه يحمل درراً يجب نثرها في كل مكان إلا في
البيت، مما يشعل غيرة الزوجة لانشغال زوجها بغيرها,
كامرأة أحد الفقهاء السابقين التي صارحت زوجها بأن
كتبه أشدّ عليها من ثلاث ضرائر, أو كامرأة تولستوي
التي قلبت حياته جحيماً بعد أن نال الشهرة التي ساعدته
هي في الوصول إليها، فهام على وجهه هرباً منها،
ووُجِدَ ميتاً في الغابات بسبب الصقيع.
الوطن السعودية
14/2/2004 |