الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء)  عمل المرأة بين الضرورات والمعوقات
 
 
 

 وصلتني رسالة من طبيبة أسنان تشكرني فيها على مقالتي الأخيرة عن حقوق الإنسان, وتضيف ما يلي:(نحن طبيبات الأسنان ننتظر وننتظر.. وتعرض علينا وظائف خارج منطقتنا. طبعا من المعروف أن الأمر يتعلق بميزانية الدولة المخصصة وطبيب الأسنان مكلف أكثر من غيره من ناحية تجهيزات العيادات والمواد.. الخ. لست محللة اقتصادية لكني أعرف أن الدولة تستطيع أن توفر وظائف لنا خصوصا حينما نعرف ميزانية الدولة المخصصة لوزارة الصحة. 25 فتاة من دفعتي تنتظر وظيفة بعد مضي 6 أشهر على التخرج.. إلى متى الانتظار؟ الكثير يقولون: لم لا تقبلن بوظائف القرى المعروضة عليكن؟ وغيرهم يقول: لم لا تقبلن وظائف الإعادة بكلية طب الأسنان؟ الجواب بكل بساطة هو أن منطقة الرياض ما زالت تحمل وظائف شاغرة كثيرة ولم تحقق الاكتفاء الذاتي بعد حتى ننتقل لوظيفة خارج الرياض ونعرض حياتنا للخطر ونقلق راحة آبائنا وأمهاتنا! والمتزوجات لا يستطعن ببساطة ترك بيت الزوجية لوظيفة خارج الرياض؛ وليس الجميع مهيأ ليكون أكاديميا مسؤولا عن طلبة وطالبات وفي تخصصات معينة قد لا تناسب ميوله. زملاؤنا الذكور من دفعتنا توظفوا جميعا, والدولة تنفق ما يقارب مليون ريال على كل طالب وطالبة ويقبلون سنويا 50 طالبة و70 طالب طب أسنان, ومع وجود الكلية الأهلية لطب الأسنان, كيف سيتم إيجاد وظائف للجميع؟).

انتهت رسالة طبيبة الأسنان وأنا أشكرها لثقتها بي وقد عرضت رسالتها لأني أريد أن أبحث عن عوامل الخلل في عمل المرأة على جميع المستويات الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية, قدر ما تسمح به المساحة, وبدون مجاملة لأحد حتى ولا لصاحبة الرسالة نفسها.

مدلول العنوان الذي اخترته للمقالة يظهر أن عمل المرأة أضحى ضرورة, وبرأيي لم يعد عمل المرأة ترفاً أو لإثبات الذات, بل هو قيمة للمرأة نفسها, لأن العمل كرامة, وما دام الإنسان معتمداً على غيره فليس له مكانة كما لو كان هو المنفق, وفي الحديث الشريف:(اليد العليا خير من اليد السفلى)؛ مع الاعتراف بما فرضه الشرع على الرجل من واجب الإنفاق على زوجته عملا بالآية الكريمة:(وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وكذلك آية القوامة:(وبما أنفقوا من أموالهم)؛ وأما نفقة الوالد - أو من يقوم مقامه في حال غيابه كوفاة أو ما شابه -  على ابنته حتى بعد وصولها لسنّ الرشد وقدرتها على العمل وتمكينها منه, فهو واجب أخلاقي وليس حقوقي, والأخلاق - في جزء كبير منها - تعود إلى الأعراف السائدة في مجتمع ما؛ إذ لا يوجد نص قطعي وصريح من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة يفرض على الأب الإنفاق على ابنته أكثر مما ينفق على ابنه, إلا أن السبب يُعزى لتفسير فقهاء كثيرين لآية الميراث التي تجعل نصيب الابن الذكر ضعفي نصيب أخته وأنها تدل على أن واجبه الإنفاق عليها لأنه يحل محل الأب بعد وفاته, وهذا التفسير لا يوجد اعتراض عليه لولا أن الذي يحصل غير هذا, إن لم يكن لسوء في الأب أو الأخ, فإنه بسبب غلاء المعيشة وزيادة متطلبات الحياة, وهو الأمر الذي جعل كثيراً من الشبان يرغبون في الزواج من امرأة عاملة, فكيف سينفق الأخ على أخته في هذا الزمن الذي يعجز فيه كثير من الرجال عن الإنفاق على زوجاتهم رغم تكليفهم الشرعي بذلك؟!

إذاً الضرورة المادية لعمل المرأة لها الأولوية في حديث الضرورات, لكن هناك ضرورة نفسية أيضاً من حيث أنه من الصعب جداً على فتاة درست أكثر من 16 سنة بين مدرسة وجامعة ثم لا تجد نفسها إلا في انتظار العريس الذي قد يأتي وقد لا يأتي, أما الضرورة التي لا تقل أهمية عن الضرورة الفردية سواء كانت مادية أو نفسية, فهي ضرورة المساهمة في تحديث المجتمع وتطوره.

رسالة طبيبة الأسنان تعرض إمكانية العمل في القرى, وكذلك تعرض إمكانية العمل في الجامعة كمعيدة حسبما فهمت, وإن كانت لا تحبّذ أي من الحلين هي أو زميلاتها الخريجات, فما السبب؟

بالنسبة لعملها في القرية تتساءل عن الدافع الذي يجعلها تعرّض نفسها لمخاطر الطرق وكأنه لا يكفي حوادث موت المعلمات في الطرقات, ولكن السؤال هنا: من الذي سيساهم في رفع المستوى الصحي لسكان الأرياف إن لم يقم بهذا العمل أهل المدن ريثما تصبح هناك كفاءات ريفية مؤهلة لذلك؟ إن لم تذهب طبيبة الأسنان السعودية إلى القرية فستأتي طبيبة أسنان غير سعودية, تاركة وراءها أحياناً زوجاً وأطفالا مما يشتت الأسرة, وهو ما لا ترغب به الطبيبة السعودية, ومعها كامل الحق في ذلك؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه بالنسبة للمرأة السعودية سواء كانت طبيبة أو معلمة أو ممرضة أو صيدلانية أو أي امرأة تقوم بمهنة يحتاجها الريف من النساء: هل تعتقد أنها تستطيع أن تنال كل ما ترغب به نفسها من زوج ووظيفة دون أي عناء؟

يجب أن تعرف الفتاة السعودية – وهو ما ينطبق على الشاب السعودي أيضاً – أن عصر الدلال الذي تمتّعت به الأمهات العاملات سابقاً لم يعد موجوداً كالسابق, فلا الرواتب كما كانت منذ عشرين أو ثلاثين سنة, ولا الريال بنفس القيمة, لذلك عليها أن تقبل بأية فرصة عمل تساعدها على الاستقلال والاعتماد على النفس, وأما أن تقول: هذا العمل لا أهواه حتى لو معيدة في جامعة, رغم أنه عمل تحلم به كثيرات, فهذا غير مقبول, ومع ذلك لا تحبّذه صاحبة الرسالة, فلماذا؟

الجواب ربما يكمن في الخوف من تسلط المسؤولة عن هذه الموظفة المستجدة عندها, وما زلت أذكر فتاة راجعتني في عيادتي كانت تعمل موظفة في الجامعة, ومشكلتها نفسية تكمن في عدم رضا مديرتها عنها حتى لو حرقت لها أصابعها العشرة, وأنا لا أعني أن جميع النساء اللواتي يتبوأن سلم المسؤولية سيكنّ بهذا الشكل المتعالي, لكنها ثقافة التعامل مع الموظفة المستجدة تفرض شكلا استعلائياً ينفّر الفتاة من خوض معترك وظيفة الإعادة.

خوف صاحبة الرسالة من مخاطر العمل في الريف أيضاً له ما يبرره, كالذهاب والإياب كل يوم لمسافة 150 كيلومترا في طريق وعرة مصحوباً بكثرة الحوادث, ولكن لماذا لا تسكن الطبيبة أو المعلمة في الريف؟

قرأت مقالة لإحدى الكاتبات تدين قراراً صدر من وزارة التربية والتعليم يعتبر المعلمة المستنكفة عن السكن في الريف بمثابة مستقيلة عن التعليم, إذ تتساءل الكاتبة عن المعلمات المتزوجات وأمهات الأولاد كيف يمكن أن يتركن بيوتهن وأسرهن؛ لكن الوزارة ما أصدرت هذا القرار إلا للتقليل من حوادث وفيات المعلمات على الطرقات, فكيف نحلّ هذه الإشكالية؟

الحل بسيط برأيي وهو يتمثل في بناء سكن خاص للمعلمات ملحق بالمدرسة مثلما يلحق سكن الطبيبات وطبيبات الأسنان ومنسوبات وزارة الصحة بالمستشفى في الريف, بشكل يضمن سلامة النساء في مجتمع غريب عنهن, ولكن يبقى سؤالان متعلقان برسالة الطبيبة وكلاهما يحتاج تخطيطاً وتغييراً لثقافة المجتمع:

الأول: وجود شواغر في منطقة الرياض كما تقول, فإذا كان الأمر كذلك فالسبب إما سوء في التخطيط أو وضع المحسوبية و"الفزعة" فوق كل اعتبار, والثاني: وجود المتزوجات اللواتي يجب أن يعملن حيث تقطن أسرهن ويعمل أزواجهن, ولكن كيف يمكن لأي وزارة أن تنظّم ذلك, وعدد المعلمات المتزوجات أكثر من العازبات نتيجة لثقافة تزويج الصغيرات التي تأخذ حيزاً كبيراً في المجتمع لدرجة أن بعض طالبات الإعدادية يسربّن صورهن مع أزواجهن في أوضاع مثيرة إلى صديقاتهن؟! 

الوطن السعودية 28/1/2008

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |