|
لا
يستطيع من يقرأ خبر صحيفة الوطن في عددها ليوم الجمعة الماضي عن الدراسة التي قامت
بها وزارة الشؤون الاجتماعية حول "الطلاق في المجتمع السعودي" إلا أن يشدّ على يد
الوزارة لقيامها بهذه الدراسة المهمة وذلك لتلافي كل ما يؤدي إلى الطلاق وتفكيك
الأسرة.
مع ذلك لا بد أن أركز على بداية الخبر كي أصل إلى ما
أريد, وهو كشف النقاب عن العامل الأهم في بذر الشقاق
بين الزوجين, فالعبارة التي وردت في بداية الخير هي:
(عدم الاستعداد المسبق من قبل الزوجة للمعاشرة
الزوجية من أهم أسباب الطلاق في المجتمع السعودي
بالنسبة للرجال، فيما سهر الزوج خارج المنزل وسوء
ألفاظه من أهم مبررات الطلاق لدى النساء), وهي عبارة
واضحة وإن كان من الممكن
اعتبار الجزء الثاني منها مكمّل للجزء الأول, أي أن
فعل الزوج قد يكون ردّ فعل على إهمال الزوجة, والعكس
بالعكس.
كلّ من يتابع مقالاتي – واستشاراتي - يعلم أني كتبت
الكثير عن ضرورة وجود الحب بين الزوجين, بل دعوت إلى
أن يتأسّس الزواج على الحب العفيف قبله من خلال فترة
تعارف سابقة للزواج تسمى الخطبة, وكذلك أن يقوم اختيار
شريك الحياة على جملة من المعايير أهمها ما جمعه
الحديث الشريف:(إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته
فزوجوه... إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
وإذا كانت كلمة الدين مفهومة وتشمل الأخلاق بالضرورة,
فإن كلمة الأمانة هي التي ما زالت تحتاج إلى توضيح
أكبر؛ وباجتهاد شخصي أستطيع أن أقول أن الأمانة هي
المقصودة في الآيات الخاتمة لسورة الأحزاب, وهي التي
عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها
وأشفقن منها وحملها الإنسان, وكلّنا يعلم أن ما يفرّق
الإنسان عن سائر المخلوقات ليس سوى العقل الذي هو مناط
التكليف, لذلك يُفهم معنى كلمة الأمانة الواردة في
الحديث السابق بأنه العقل, فإذا ارتضى الأب دين الخاطب
وعقله وجب أن يزوجه, طبعاً إذا نال موافقة ابنته غير
القاصر؛ وإلا فإذا كان عمرها لم يتجاوز سن الرشد -
الذي هو الثامنة عشر على أرجح الأقوال - فإنه يمكن أن
يتمّ العقد عليها ولا يحصل الدخول إلا بعد الرشد, أما
من اعتبر البلوغ هو المؤشر على الإذن بالدخول,
استناداً إلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لدى
زواجه من عائشة فأرجو أن يعود إلى مقالتي "ثقافتنا نحو
المرأة سبب لكراهيتهم للإسلام.. زواج الصغيرات مثالا"
حيث بيّنت أن زواج الرسول عليه الصلاة والسلام من
عائشة تم على إثر رؤيا مفادها أن جبريل يحمل عائشة وهي
طفلة في سراقة من حرير ويخبره فيها أن هذه زوجته,
ورؤيا النبي جزء من النبوة, ولا يحقّ لأحد أن يقيس
نفسه على ما خُصّ به رسول الله عليه الصلاة والسلام.
لماذا يجب أن نسعى للحد من زواج الصغيرات؟ لأنه بالفعل
مشكلة صحية واجتماعية واقتصادية كبيرة, فالفتاة التي
تتزوج وهي بعمر 14 سنة غالباً ما تكون بالغة, لكنها
بالتأكيد أبعد ما تكون عن النضج, لأنها مراهقة, وسن
المراهقة تتميز بعدم التوازن الانفعالي, فكيف نطلب من
فتاة غير مستقرة وجدانياً أن تؤسس لأسرة جيدة؟ هذا من
الناحية الاجتماعية يزيد العبء على الزوج الذي سيجد
فرقاً كبيراً بين عقله ووعيه وبين عقل مراهقة؛ والخلل
غالباً يبدأ من الأهل الذين يفضّلون الصغيرة ليضمنوا
سيطرته عليها أحياناً حسب القول السائد:"يربّيها على
يده"!
أما من الناحية الصحية فالحمل قبل سن العشرين يدخل تحت
مسمى "الحمل عالي الخطورة" لأنه يزيد من تعرّض الأم
الصغيرة إلى الانسمام الحملي الناجم عن ارتفاع الضغط,
ناهيك عن ضيق الحوض بسبب عدم نمو العظام بشكل جيد, مما
يزيد من احتمال الولادة القيصرية, وإذا كانت الولادة
الأولى كذلك فمعنى ذلك زيادة احتمال الولادات التالية
بالطريق غير الطبيعي أي عن طريق الجراحة مما يشكِّل
مخاطر على حياة الأم الصغيرة ويرفع نسبة وفاتها.
السؤال الذي لا يقلّ أهمية هو: ما هي وسيلة منع الحمل
الأفضل الذي يمكن أن تلتزم بها المرأة خلال 30 سنة من
قدرتها على الحمل إذا تزوجت بسن صغير؟ غالبية النساء
لا يبدأ عندهن سن اليأس قبل 45 سنة, وهذا يعني أنها
أمام سنوات طويلة ومضنية من الحمل ومنعه, فإذا فكرنا
بالوسيلة الطبيعية لمنع الحمل وهي الإرضاع, فهو لا
يقوم بالمهمة أكثر من نسبة 10% تقريباً, ويبقى نسبة
90% من النساء يمكن أن يحملن مع الإرضاع, والوسيلة
المتاحة أمام المرأة هي إما الحبوب أو اللولب, وكلاهما
ليس بدون مساوئ, لذلك فأمام المرأة معاناة الحمل
المتكرر وهو ما يعرّضها لأسوأ العواقب الصحية, أو
استخدام وسائل منع أخرى غير آمنة, وأستطيع أن أقول أن
المرأة التي تزوجت بعمر 15 عاما أمامها احتمال كبير
ألا تنهي حياتها التناسلية إلا ولديها عشر أطفال على
الأقل, فأي جسم يمكن أن يحملهم ويلدهم ويربيهم دون أن
يهترئ؟! وأي جيب يمكن أن ينفق عليهم دون أن يُخرق؟!
أمثلة من عيادتي: امرأة بعمر 25 سنة بطاقتها العائلية
تظهر أن لديها ولدين, الكبير بعمر 10 سنوات, معنى ذلك
أنها ولدته وهي بعمر 15 سنة, ومع أنه لم تنجب الكثير
فهي تدخل عيادتي وترتمي على الكرسي بسبب إجهادها من
الحمل الثالث, ويستنكر زوجها عليها هذا التعب, فأخبره
أن أجسام النساء والرجال لم تعد كأجسام الآباء
السابقين والأمهات السابقات, و"البَركة" في الحياة
الصناعية الملوثة التي نحياها في الغذاء والماء
والهواء!
أما المثال الآخر فهي إحدى النساء اللواتي جاءتني بعد
طول غياب, ولما سألتها عن السبب أخبرتني أنه تم
تعيينها كمعلمة في الجنوب, فسألتها عن وضع زوجها
الموظف في جدة, فصارحتني أنه يأتيها حيث تقيم وأولادها
مع أهلها مرة كل عدة شهور إذا حصل على انتداب من
وظيفته, وعقبتْ: الوظيفة هذه الأيام لا يمكن تركها
بسهولة!
المثال الثالث: امرأة أتتني مع زوجها وأولادها
المشاغبين الثلاثة, وهي تطلب مني تقريراً يثبت أنها
حامل كي تقلّل مديرتها في العمل من حجم العمل الملقى
عليها, ولما سألتها عن عملها أخبرتني أنه يبدأ من
الساعة الرابعة عصراً, ساعة حضور زوجها إلى المنزل,
وهو من يعتني بالأولاد في غيابها, ففهمت عندها لماذا
بدا هؤلاء الأولاد غير مُسيطَرٍ عليهم, ولكن لم أسألها
عن ضرورة قبولها بهذا العمل الذي يمنعها من الاجتماع
بعائلتها, لأن جوابها سيكون كجواب السيدة السابقة!
المكان الذي أعمل به يقدم الخدمات الصحية لموظفين
حكوميين يعتبرون من ذوي الرواتب المعقولة, والسيدتان
الأخيرتان لا يقلّ راتب زوج كل منهما عن عشرة آلاف
ريال, ولكنهما مضطرتان إلى التضحية بلمّ شمل العائلة
من أجل كسب لقمة العيش, فالمرأة لم تعد تُقبل على
العمل كي تثبت ذاتها بل لتساهم في رفع مستوى عائلتها
المادي, خاصة مع الغلاء الذي يجتاح البلاد ويكاد يكمّم
الأفواه لتقتصر على الضروريات!
لكن من أين تشعر السيدة التي تعمل 8 ساعات يومياً -
بظروف ليست جيدة دائماً- بحالة نفسية إيجابية, وهي
تعود إلى البيت على عجل لتلاقي 3 أطفال - على الأقل -
ينتظرونها, فهذا الولد الأكبر يريد من يساعده في
المذاكرة والأوسط يريد من يحضنه ويلاعبه وأما الثالث
فيريد من يضمّه ويؤويه إلى سريره؟ طبعاً هذا في حال
وجود مساعدة لها في البيت تقوم بأعمال التنظيف وتتقي
الله في الأولاد في غياب سيدة المنزل, أما الرجل فمن
حقّه أن يأكل لقمة من يد أم الأولاد لا من يد الشغالة,
فأين ستجد السيدة وقتاً للطبخ حتى تجد وقتاً للاستعداد
لدخول حلبة المعاشرة الزوجية التي تتكلم عنها دراسة
وزارة الشؤون الاجتماعية؟!
الوطن السعودية 7/1/2008 |