|
أول مقالة كتبتها خصيصاً لصحيفة الوطن منذ أكثر من أربع سنوات كانت بعنوان "قضية
المرأة هي قضية المجتمع" وإلى الآن ما زال بعضهم يتساءل عن اهتمامي بقضية المرأة,
رغم أني – من وجهة نظرهم – لا أعاني من مشكلة؛ وكأنه من المفترض بالكاتب ألا يعبّر
إلا عن همومه اليومية, وكأن المطلوب من الكاتبة أن تقتصر بمقالاتها على شؤونها
الشخصية, ولهؤلاء أقول: إن تعاملي مع المرأة كأخصائية نساء وولادة يجعلني على تماس
مباشر مع قضايا المرأة مدة 8 ساعات يومياً على الأقل, على مدى سنين طويلة؛ ودقيقة
وحيدة أشعر خلالها بمرارة عيش امرأة واحدة تكفي لإلهاب شعوري بالظلم الواقع عليها,
وكيف ينعكس هذا الظلم على أولادها, ومن ثم على المجتمع؛ ناهيك أني مساهمة
بالاستشارات الاجتماعية على موقع إسلامي على النت منذ 6 سنوات, وأكثر الاستشارات من
النساء, عدا موقعي الشخصي الذي تصلني عبره مشكلات من كل أنحاء العالم, وللمرأة
السعودية النصيب الأكبر منها.
اليوم سأكتب عن مشكلة امرأة, وأرجو أن يقتنع بعض
القراء بانعكاس مشكلة المرأة على أسرتها ومن ثم على
المجتمع, والعكس بالعكس, لأن المجتمع السوي لا يحلّق
إلا بجناحَي الرجل والمرأة معاً, وبما أن المرأة هي
الجناح الأضعف في المعادلة فمن السهل كسره دون أن يشعر
سواها بذلك الانكسار وبشكل فوري؛ وذوو النفوس المرهفة
هم من يستطيعون الشعور بمعاناة الآخرين سواء كانوا
رجالا أو نساء, لكن خاصية الحساسية أقوى عند المرأة
خاصة أن المكسور أنثى مثلها, وحتى أصحاب النفوس غير
الحساسة يستطيعون أن يدركوا نتائج انكسار المرأة على
المدى البعيد إذا تحلّوا بالبصيرة والوعي, أما من فقد
الحساسية الإنسانية والإدراك السليم فلا داعي لأن يتعب
نفسه بقراءة هذه المقالة – ولا غيرها – لأن مهمتي
ككاتبة أن أكشف خللا انتبهت له ليس بسبب حساسيتي ولا
نباهتي ولا غيرهما, بل بحكم شعوري بالمسؤولية الذي
أمرني الله بها كمسلمة, لقوله تعالى:(أنجينا الذي
ينهون عن السوء), والمأساة التي سأكتب عنها الآن لا
أجد اسماً لها غير ذلك أي (السوء).
تبدأ القصة عندما دخلت سيدة إلى عيادتي, وهي مريضة
سابقة عندي وعند غيري من أطباء المركز الذي أعمل به,
وكانت شكواها من ألم شديد في الجانب الأيسر من الجسم
بدءاً من الصدر حيث القلب إلى الكتف أعلاه, امتداداً
إلى الذراع الأيسر, نزولا إلى البطن حيث منطقة القولون
ومنه انتشاراً إلى الظهر في الخلف وإلى الساق في
الأسفل.
سألتها الأسئلة المعتادة بالنسبة للمرأة وعن وجود أي
شكاوى مرافقة, لعلّي أرجع هذا الألم إلى جهاز معين,
لكني لم أجد إلا حزمة من الأعراض لا ينطبق عليها مرض
واحد؛ ولما قمت بالكشف عليها لم أكتشف أي شيء عضوي سوى
أني استطعت جسّ القولون الأيسر تحت يدي كعقد مؤلمة مما
جعلني أشخّص مبدئيا "القولون العصبي", وذكرت للسيدة أن
حالتها قد تكون ناجمة عن أمر نفسي, واكتفيت بما ذكرته
لأني لا أحبّ أن أخلط بين مهنتي كطبيبة وبين هوايتي
للمساعدة في حل المشكلات الاجتماعية, خاصة مع فهمي
للبيئة التي تميل للتكتم ومع إدراكي لحقّ كل منا أن
يحتفظ بأسراره؛ لكن ما لفت نظري هو موافقة السيدة على
وجود أمر نفسي, فطلبت منها أن نقوم بعمل أشعة فوق
صوتية للبطن للتأكد من التشخيص وخلوّ البطن من أي آفة
معينة, بما أن طبيب القلب أكدّ لها أن كل شيء سليم,
وبعد عمل الأشعة عادت السيدة ومعها تقرير يؤكّد تشخيص
القولون العصبي, فأخبرتها بذلك, فإذا بها تسألني: هل
يمكن للأمر النفسي أن يجعل كل هذه الآلام تتراكم في
جسدي؟ وبدا من سؤالها أنها تودّ البوح بما يثقل
كاهلها, فتعاطفت معها مشجعة إياها على الكلام,
فأخبرتني بما يلي:
كفل زوجها زميلا له في قرض بنكي لشراء سيارة بثمن 85
ألف ريال, الذي ما إن استلم المبلغ من البنك حتى شَمّع
الخيط وهرب, فطالب البنكُ زوجَها بالمال, وبما أنه لا
يملك سوى راتبه ولديه سبعة أطفال وزوجة, فقد وضعه
البنك في السجن, وهو يقبع هناك من شهر المحرم أي منذ
ما يزيد على عشرة شهور, وأخبرتني أن العمل هدّد بوقف
راتب زوجها لأنه لا يداوم, وهي تخشى أن تُخرَج
وأطفالها من البيت الذي هو تابع لعمل الزوج أيضاً,
ولما سألتها: من يوصل الأولاد إلى مدارسهم؟ أخبرتني
أنهم يذهبون سيراً على الأقدام بمشوار يستغرق ساعة
ذهاباً وساعة إياباً, وعندما ذكرت لي أين تقطن وأين
موقع المدارس شعرت بشفقتها على أولادها خشية تعرضّهم
للسير في شوارع غير آمنة؛ وبينما هي تحدثني كنت أتأمل
في قسمات وجهها فلا أرى إلا كتلة من الهمّ والغمّ
والحزَن.
سألتها عن الرجل الذي اقترض من البنك وإن كانت قد بحثت
عنه, فأخبرتني أنه من منطقة أخرى, وأنها علمت أنه باع
كل شيء يملكه في مدينة جدة وذهب إلى منطقته, فقامت
بالسفر إلى بلدته مع أخيها فلم يجدا له أثراً, وعندما
سألتها إن كانت قد قدمت شكوى لأحد المسؤولين كان
الجواب أنها لم تعرف باباً إلا وطرقته دون فائدة.
هي مشكلة لامرأة واحدة, ولكنها تعكس خللا دينياً ذا
أبعاد أخلاقية واجتماعية واقتصادية, فمن الناحية
الأخلاقية تبدو واضحةً خيانةُ ذلك الرجل للعهد الذي
بينه وبين زوج هذه السيدة, وهذا يبرر قلة عدد الكافلين
لخوفهم من أولاد الحرام الذين لم يتركوا لأولاد الحلال
شيئاً, ومن هنا قامت البنوك بالمهمة, وهنا ينعكس الخلل
الديني بشكله الاقتصادي, فاللجنة الشرعية في أي بنك
تبيح له الإقراض, ولكنها لا تبحث في أبعاد هذه القروض
وتأثيرها على المقترضين, هذا إذا اعتبرناها حلالا, مع
أن كثيرين منا لا يتعاملون مع البنوك إلا على أساس
الشبهة المضطَّر إليها, أما الفوائد الكبيرة للبنوك,
والتي كثيراً ما تأخذ شكل الفوائد المتراكمة والتي
تزيد بازدياد الأعوام, فلا يتكلم عنها إلا القلة, لكن
لعلّ أزمة القروض العقارية بأمريكا توضح للبنوك الأزمة
التي سوف تعصف بها يوماً ما.
السؤال الذي يسأله كل متبصر: هل لصاحب المال أن يسجن
من لم يردّ له ماله إذا كان غير مالكٍ للدين؟ الآية
القرآنية واضحة:(فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة),
وكي تضمن البنوك حقها يجب أن تبحث عن نظام أكثر
توافقاً مع الشرع, بإنقاص الفائدة والقناعة بأرباح
أقل, والسؤال المطروح: ما الفائدة من سجن رجل وهو لا
يملك سوى قوت عياله؟ ولماذا لا يقتصر الإقراض على من
يستطيع رهن بعض ما يملكه للبنك كبيت أو محل أو شيء من
هذا القبيل؟ أليس هذا مدعاة لضمان ردّ القرض بدل
اللجوء إلى سجن المقترض أو الكافل؟
أما الأبعاد الاجتماعية للمشكلة فهي تتظاهر بفقدان
التكافل الاجتماعي, ولو حتى بعرض الجار على جارته أن
يوصل أولادها مع أولاده, ولكنهم سبعة أيضاً, فلماذا
هذا العدد الكبير من الأطفال, والحياة لم تعد هينة
لينة كما كانت؟ كما أن بعداً اجتماعياً واضحاً بسبب
عدم عمل المرأة ولذلك تجب نصيحة كل فتاة لم تتزوج بعد
ألا تفكر بالزواج قبل أن تكون شهادتها في يدها, وقادرة
على العمل والإنتاج, رغم أن سؤالا مؤلماً يطل برأسه
هنا حول البطالة والعطالة!
وأما البعد الاجتماعي الأهم الذي لا يمكن تناسيه أو
تجاهله فهو موضوع قيادة المرأة للسيارة, فلو كان
مسموحاً لهذه السيدة بذلك لأوصلت بنفسها أطفالها إلى
مدارسهم دون أن تنتظر عطفاً من أحد؛ وإن كنت شخصياً
أنتظر اتصال ذي قلب رحيم بي يكون جابر عثرات الكرام في
هذا العصر, فيجبر كسر هذه المرأة, إذ إني أرجو ألا
يُعدم الخير في بلد يزيد عدد المليونيرات فيه على 80
ألف شخص, لو تبرع كل واحد منهم لهذه السيدة بألف ريال
لجمعت المبلغ في غمضة عين.
الوطن السعودية 3/12/2007 |