|
في جلسة نسائية دار حوار بين (جميلة) وبعض قريبات زوجها فسألتها إحداهن لم لا تغطي
وجهها؟ فأجابتها
(جميلة) بصراحتها المعهودة أنها سئمت من التناقض الذي يعتريها بسبب كشفها لوجهها
عندما تغادر المملكة بينما تغطيه بمجرد عودتها, مما يجعلها تشعر أنها تغطي وجهها
ليس خضوعاً لأمر الله بل إرضاء للناس وكأنها منافقة, فما كان من إحدى الجالسات إلا
أن تذمّرت مما تقوله جميلة معلنة أنهن نشأن على ذلك!
لعل السيدة المتذمرة من كلام (جميلة) لم تكن تعرف أن
كلامها يدينها بأنها اعتادت على التناقض والتلون, فهذه
السيدة تصحب زوجها خارج المملكة بهدف السياحة, وقد
يرافقا أسرة (جميلة) التي تفضّل قضاء بعض الصيف في
بلدها الأصلي الذي غادرته منذ ربع قرن للزواج في
السعودية وذلك بغية تخفيف مصاريف السياحة على زوجها
وأيضاً كي تكسب الأجر ببر والديها اللذين لا تراهما
إلا مرة في العام؛ وبينما تلبس (جميلة) الجلابية
الطويلة - أو "الجيب" الطويل وفوقه قميص طويل حسب
البلد العربي أو الغربي الذي تقضي فيه عطلتها - وتغطي
شعرها بالكامل دون أن تضع على وجهها أيّاً من مساحيق
التجميل, فإن قريبتها – أو نسيبتها بالأحرى - تلبس
الزي الباكستاني لأنها تفضل البنطال الذي تُحرم من
لبسه عندما تكون في بلدها, لكنها أيضاً تضع على وجهها
أرطالا من المكياج مما يجعلها تبدو كالمهرجة!
الطرفة التي قصّتها علي جميلة حدثت في الصيف الماضي
عندما كان الأربعة – جميلة وزوجها ونسيبتها وزوجها -
في زيارة عائلة من معارف (جميلة), وهناك تجاذب الجميع
- بما فيهم صاحب البيت وزوجته – أطراف الحديث, وانتهى
بهم الكلام إلى لباس المرأة المسلمة, فأبدى صاحب البيت
المثقف والمتدين باعتدال اقتناعه برأي الإمام مالك في
لباس المرأة المسلمة والذي يتضمّن الخمار الذي يغطي
الشعر ويكشف كامل الوجه, لكن قريب جميلة - من طرف
زوجها - أصرّ على أن وجه المرأة عورة ويجب تغطيته,
وأقسم أيماناً مغلظة على أن هذا الرأي هو الرأي الشرعي
الوحيد, وأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أمام غير
محارمها, ومع ذلك فقد استمر صاحب البيت مصرّاً على
رأيه وأخبر صاحبنا السعودي أن هذا ليس مذهب الإمام
مالك فحسب بل إنه رأي أغلب المذاهب الفقهية وأتى له
بكتاب فقيه حنبلي – هو ابن قتيبة غالباً - أوضح فيه أن
وجه المرأة يجب كشفه من أجل البيع والشراء وأن الكفين
يجب تعريتهما من أجل الأخذ والعطاء, ولكن الرجل
السعودي الذاهل عن وضع امرأته ووجهها المتبرج لم يعجبه
هذا الكلام!
أخبرتني (جميلة) أنها كادت أن تلفت نظر قريب زوجها
السعودي إلى وضع امرأته وتسأله ما رأيه بوجهها
المبهرج, لولا شعورها بكمية الحرج الذي سوف تتلبسه إن
صارحته بتناقضه بين ما يراه وبين تصرف زوجته أمامهم
جميعاً, ولذلك آثرت تخفيف حدة الموقف بتغيير دفة
الحديث إلى مجرى آخر.
في الحقيقة لم أنس ما قصته علي جميلة, خاصة أنه لا
تخلو رحلة خارج المملكة من نساء يرفعن غطاء الوجه
بمجرد صعودهن مدرج الطائرة, ولو توقّف الأمر عند رفع
غطاء الوجه لما كان ذلك بمشكلة كبيرة سوى للمرأة
الحساسة الصادقة مع نفسها كأمثال جميلة, ولكنه يتجاوز
– أحيانا أو غالبا - رفع غطاء الوجه إلى إزالة غطاء
الشعر, والسبب يكمن في قناعة سعودية تعمّم مفهوماً
خاطئاً أن من تكشف عن وجهها هي متبرجة مثلها مثل من
تكشف عن شعرها أو أكثر من شعرها, والحقيقة أن ما ينتج
عن هذه المساواة مجحف لكل المسلمين خارج المملكة, إذ
من المعلوم أن رأي غالبية الفقهاء في العالم الإسلامي
هو أن حجاب المرأة المسلمة لا يشمل وجهها وكفيها.
العالم أصبح قرية كونية واحدة, وإذا لم يجد المسلمون
حلا للاجتماع على رأي واحد في أمور معينة فإن كفة
الإسلام ستبقى أقل من قيمتها الحقيقية, ولنتذكر على
سبيل المثال عندما أصدرت فرنسا قراراً يمنع غطاء الرأس
في المدارس, كيف استنكر العالم الإسلامي ذلك إلا شيخ
الأزهر الذي قرر أنه شأن داخلي, وإلا فقهاء المملكة
الذين سكتوا عن ذلك اللهم إلا ما كان من الدكتور صالح
الحصين رئيس مركز الحوار الوطني الذي أصدر بياناً باسم
المشاركين بالحوار يعترض على قرار فرنسا, ومع أن الشيخ
الحصين فعل ذلك بحكم دراسته بفرنسا ودفاعاً عن التزام
بنات المسلمين بدينهن فإن المشاركين في الحوار عابوا
عليه عدم أخذه لرأيهم قبل أن يتكلم باسمهم, أما أنا
فقد طالبته في مقالة لي كانت بعنوان (أيهما أحق أن
يتبع: التقليد أم الشرع؟) أن يعترض على الذين يطالبون
المرأة المحرمة بتغطية وجهها في الحرم مع أن الأمر
النبوي الكريم ينهى المحرمة عن تغطية وجهها, وكان
السؤال: كيف تكشف المرأة في الحرم ما يعتبر عورة في
الحل؟ وما زال السؤال متردداً بغير جواب رغم أني أعدته
مرات كثيرة وبأشكال مختلفة في مقالات متعددة.
عدم اتحاد فقهاء المملكة تحت راية واحدة مع باقي
الفقهاء المسلمين فيما يخص لباس المرأة المسلمة يجعل
قضية حجاب المرأة المسلمة قضية خاسرة, خاصة أن المملكة
لها وزن خاص فيما يخص الإسلام لكون الحرمين الشريفين
على أرضها, فعندما يرفع علماء المسلمين أصواتهم
مندّدين بقرار دولة غربية حول غطاء الرأس, تبقى تلك
الأصوات خافتة بسبب سكوت الفقهاء في المملكة أو تصبح
مشوَّشة بسبب رأيهم التقليدي المخالف لرأي الفقهاء
الآخرين, وبما أن المرأة السعودية هي فرد في المجتمع
السعودي فهي تخضع للعقل الجمعي الصادر عن الفتوى
المحلية, وعلى ذلك لن ترى فرقاً بين من تكشف وجهها
وبين من تكشف شعرها, لذلك لن تنصر أختها في دولة غربية
كما نصرتها العربية في البلاد الأخرى كمصر وغيرها.
فكرة هذا المقال راودتني عندما رأيت صورة السيدة لورا
بوش وهي تضع الخمار على رأسها, في جريدة الوطن, ولكن
الفكرة تأكدت لدي عندما رأيت صورتها في صحيفة الشرق
الأوسط أول
من أمس مع الدكتورة سامية العمودي, وكنت قد كتبت عن
العزيزة سامية في مقالي الذي كان بعنوان (ما أحوجنا
إلى نساء شجاعات), حيث تم تكريم سامية في أمريكا كإحدى
عشر نساء وصفن بالشجاعة, وقد حازت سامية على وسام
الشجاعة لمواجهتها سرطان الثدي والتغلب عليه, ولقد
وصلني شكرها برسالة الكترونية مبدية إعجابها بقلمي
الذي رأت أنه يعالج مشكلات المجتمع باقتدار – على حد
تعبيرها – وهذه الشهادة من الدكتورة سامية أعتز بها
ولذلك سجلتها هنا, ولكني الآن أعتز بها أكثر لشجاعتها
بإظهار وجهها أمام عدسات الكاميرا, إذ إني لا أعرفها
سوى منقبة, وليس ذلك كي أشجع المنقبات على كشف وجوههن
فأنا أؤمن بحرية المرأة الشخصية في هذا الأمر وغيره,
لكن للتشجيع على الخروج من التناقض, كما فعلت الدكتورة
سامية, بأن ترتدي في بلدها ما ترتديه خارجها دون أن
تشعر بالازدواجية.
عرفتُ الدكتورة سامية وهي منقبة دون أن تعرفني, فقد
كانت تحوّل النساء اللواتي يتابعن معها حملهن إلى
المستشفى الذي كنت أعمل به, وما سمعت عنها إلا كل خير
وما لمست منها إلا كل خلق جسن, لكني عندما رأيت وجهها
المضيء في الصحيفة تمنيت لو كنت بقربها لأقبّل
وجنتيها, ليس لأني أراهما أول مرة فحسب, بل لحسن
اختيارها – وزميلاتها الناشطات في مجال مكافحة سرطان
الثدي – للهدية المناسبة والمعبرة عنهن ألا وهي
العباءة والخمار, وقد بدت لورا بوش بخمارها مفعمة
بالأنوثة, أكثر مما لو كانت كاشفة شعرها, وما ذاك
لأنها أبدت خصلة من مقدم شعرها – المسماة بالغرّة –
بقدر ما لأن خمار المرأة المسلمة يخبئ الأنوثة لكنه لا
يلغيها!
الوطن
السعودية 29/10/2007 |