الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) اشتراك الجنسين بين الرقابة الاجتماعية والتربية الذاتية
 
 
 

تناولت في مقالاتي الثلاثة الماضية موضوع اشتراك الجنسين في بناء المجتمع, وقد وصلتني بعض الرسائل بهذا الخصوص كما اطلعت على التعليقات التي سجلها القراء في موقع "الوطن", وبعض هذه الرسائل والتعليقات مؤيد لمشاركة الجنسين وبعضها رافض لهذه المشاركة.

ما يلفت النظر في الآراء الرافضة هو اعتمادها على وجهة نظر أحادية تنتمي إلى مدرسة متشددة في الفقه, ديدنها الرفض المطلق لكل رأي آخر مختلف, علما بأن كل ما أوردته في المقالات الثلاثة لم يكن سوى خلاصة عصارة فكر ورأي الفقهاء المعتدلين؛ ومن قرأ كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" بأجزائه الستة للأستاذ عبد الحليم أبو شقة, الذي كان مصاحبا للشيخ الألباني إبان فترة تصحيحه للأحاديث النبوية, أدركَ أن ما أتيت به مستند إلى آراء وحجج المدققين في العلم الشرعي والذين لا يتبعون الأمزجة الشخصية والأهواء النفسية بل يبحثون في الأدلة القرآنية ونصوص السنة الصحيحة عما يؤكد على أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان وأنه دين رفع الحرج عن الناس وأعطى المرأة حقها في المشاركة ببناء المجتمع, وهذا الحق هو واجب عليها مثلها في ذلك مثل أخيها الرجل.

إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية المصالح والمفاسد, وبطريقة موضوعية وبعيدة عن الأفكار المسبقة التي تدين هذه المشاركة, لاستنتجنا أن الفصل الشديد بين الجنسين مسيء لنفسية كل منهما وقد يؤدي باتجاه الشذوذ أحيانا, كما أنه قاصم لظهر العلاقات الاجتماعية ومعول هدم للصلات العائلية, مثله في ذلك مثل الاختلاط الخالي من الضوابط, فالمشكلة الحقيقية ليست في اشتراك الجنسين بل في تحول هذا الاشتراك إلى التسيّب, فهنا تظهر إشكالية الحرية غير المنضبطة, مثلها في ذلك مثل السير في الشارع بدون قواعد, حيث يقود السيارات في الشوارع أناس متهورون ولا يوجد فيها ما ينظم السير فلا شرطي مرور ولا إشارات ولا علامات, فكيف ستكون حالة المدينة إذاً؟

ضبط الشرع الحكيم اشتراك الجنسين بقواعد وقوانين, وكما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته ليس محرمًا بل هو جائز أو مطلوب إذا كان القصـد منه المشاركـة في هدف نبيل، من علـم نافع أو عمل صالـح، أو مشـروع خـير، أو جهاد لازم، أو غير ذلك مما يتطلب جهودًا متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاونا مشتركًا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ. ولا يعني ذلك أن تذوب الحدود بينهما، وتنسى القيود الشرعية الضابطة لكل لقاء بين الطرفين، ويزعم قوم أنهم ملائكة مطهرون لا يخشى منهم ولا عليهم، يريدون أن ينقلوا مجتمع الغرب إلينا.. إنما الواجب في ذلك هو الاشتراك في الخير، والتعاون على البر والتقوى، في إطار الحدود التي رسمها الإسلام، ويبين الدكتور القرضاوي هذه الحدود كما يلي:

1- الالتزام بغض البصر من الفريقين: فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يطيل النظر في غير حاجة.

2- الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم: الذي يغطي البدن ما عدا الوجه والكفين، ولا يشف ولا يصف، قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولْـيَـضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ على جيُوبهن). (النور/31). وقال تعالى في تعليل الأمر بالاحتشام:(ذلك أدنى أن يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب/ 59). أي أن هذا الزيَّ يميز المرأة الحرة العفيفة الجادة من المرأة اللعوب المستهترة، فلا يتعرض أحد للعفيفة بأذى؛ لأن زيها وأدبها يفرض على كل من يراها احترامها.

3- الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء: وخصوصاً في التعامل مع الرجال:

أ - في الكـلام: بحـيث يكـون بعيداً عن الإغـراء والإثارة، وقد قال تعالى: (فلا تَخْـضَعْنَ بالقول فيطمع الذي في قلبه مَرَضٌ وقلن قولاً معروفًا). (الأحزاب: 32)

ب - في المشي: كما قال تعالى: (ولا يـضربن بأرجلهن ليُعْلَمَ ما يُخْفِين من زينتهن) (النور/31)، وأن تكـون كالتي وصفها الله بقوله: (فجـاءته إحداهما تمشي على استحياء)(القصص: 25).

جـ - في الحـركة: فلا تتكسر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشـريف بـ "المميـلات المائـلات" ولا يـصدر عنهـا ما يجعلهـا من صنف المتبرجات تبرج الجاهلية الأولى.
4- أن تتجنب كل ما شأنه أن يثير ويغري، من الروائح العطرية، وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق ولا للقاء مع الرجال.

 5- الحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم: فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت :" إن ثالثهما الشيطان " إذ لا يجوز أن يُخَلَّي بين النار والحطب.

 6-  أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة: وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يعرضها للقيل والقال، أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال.

إذا أطلقنا على هذه الحدود تسمية الرقابة الاجتماعية حيث يمكن أن يرى المؤمن – أو المؤمنة - أي تجاوز بمجرد حدوثه وينبّه له ويمنع تكراره, فإن التربية لها دور لا يقل أهمية عن دور الرقابة الاجتماعية, والتربية تبدأ من الأسرة وقد بينت في مقالتي "تربية الذكر والأنثى بين العرف والشرع" التي نشرتها الوطن بتاريخ 23/1/2006 أهمية مراعاة الفطرة في اختلاف الجنسين من الناحية الجسدية الجنسية وذلك لتهيئة كل منهما لدوره المستقبلي في الأمومة والأبوة ومن أجل ألا نقع في إشكالات الهوية الجنسية المؤدية إلى الشذوذ عن الفطرة, لكن في نفس الوقت يجب مراعاة تنشئة كل من الذكر والأنثى على أنه ذو شخصية مستقلة كي يتحول إلى كائن اجتماعي سوي فلا ينشأ لدينا جنس مذكّر منفوخ بعقدة القوة والاستعلاء ولا جنس أنثوي مُفرَغ من الثقة بالنفس أو عديم الحياء.

في المقالة المشار إليها وفي مقالة أخرى بعنوان "هل يمنع التعليم المختلط النظرة الدونية للمرأة" بتاريخ 7/5/2005 أكدت على دور المدرسة المتمم لدور الأسرة, فلا يكفي أن يكون الأبوان قدوة جيدة للأولاد والبنات بل يجب أن يجد الأطفال في المدرسة المحضن المناسب الذي يشترك فيه الطفل مع الطفلة بالدراسة في فصل واحد, مع الانتباه لفصل الأطفال والطفلات بلطف في حصص الألعاب الرياضية, فالولد بطبيعته أخشن من البنت, والطبع يسرق من الطبع شيئاً فشيئاً, واعتياد الفتاة والفتى على رؤية بعضهما منذ الصغر هو بقصد إزالة هالة الخوف أو بالأحرى هالة الاستغراب من وجود كائن مختلف, ومن الأفضل أن يكون هذه الاشتراك في المرحلة الابتدائية الأولى قبل سن عشر سنوات, حيث يكون الشعور الجنسي غائباً, ما لم يوجد ما يحفزه من خلل أسري أو تحرش جنسي أو إعلام منحط, وهو ما يجعل الغريزة الجنسية تنتعش قبل أوانها.

من هنا نأتي إلى أهمية الإعلام في تقديمه ما يسمو بعقل الفتى والفتاة نحو المعالي وليس نحو الإيقاع بالعدد الأكبر من الضحايا من الجنس الآخر, وللأسف فإن تأثير الأسرة قد ضعف إلى حد كبير على الأطفال ناهيك عن المراهقين, وأصبحت القدوة هي ما يراه الناشئ على شاشة التلفاز, والملام الأول هنا هم ملاك تلك القنوات إضافة إلى تقصير المربين في حماية الفطرة الخيرة وتكوين العقلية الناقدة لدى النشء تجاه ما يراه ويسمعه, فالفطرة السليمة هي السلاح الأول والمحافظة عليها يعني المحافظة على جيل سليم وواثق بنفسه ومقتنع بدينه ومتعاون مع غيره ضمن الحدود الشرعية.

الوطن السعودية 1/10/2007

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |