الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) إشكالات اشتراك الجنسين في بناء المجتمع
 
 
 

في المقالتين السابقتين لخصت الجزء الأكبر من المحاضرة التي ألقيتها على فريق الأيدي المتحدة المؤلف من طلاب وطالبات من كلية الطب في جامعة الملك عبد العزيز, وقد تعرّضت فيهما لدور المرأة المسلمة في العهد النبوي وبيّنت اشتراكها مع الرجل في كل مجالات الحياة, وبقي أن أسرد الإشكالات التي تعيق هذا الاشتراك وكذلك الضوابط التي تنظم هذا الاشتراك كي لا يخرج عن مساره وغايته في بناء المجتمع.

إشكالات اشتراك الجنسين في بناء المجتمع أولها: الخلط بين الخلوة المحرمة والاشتراك العلني, وكثيراً ما بحثت عن سبب هذا الخلط فلم أجد له تفسيراً سوى ما يسبق إلى ذهن بعضهم من أن الأصل في الأشياء التحريم وليس الإباحة, وكذلك سوء الظن بالمسلمين, إضافة إلى سيطرة العادات على العقل الجمعي, فتصبح التقاليد والأعراف مصدراً للتشريع, وهنا قد يعترض معترض فيقول بأن العرف محكّم وأن العرف في الشرع له اعتبار وما إلى ذلك, فالجواب: إن الدين ما جاء إلا للقضاء على الأعراف الفاسدة, ولا يمكن الحكم على العرف بأنه فاسد إلا بمعرفة مآلاته ونتائجه, ولا يخفى على متبصّر أن الفصل الشديد بين الجنسين لا يتفق مع حكمة الشريعة في رفع الحرج عن الناس, على سبيل المثال الخبر الذي ذكر أن هناك من يعمل لوضع حاجز يفصل بين مكاني سير الرجال والنساء في مخطط بالمدينة المنورة فهذا أمر غير مقبول, لأن السير نوع من الرياضة, ومما يجعل الرياضة – أو أي نشاط – ألطف هو ممارستها بصحبة من نعرفه, فقد لا تجد المرأة سوى زوجها ليصحبها, وقد ينصح الطبيب امرأة مسنة بالسير لتخفيف وزنها أو لأي سبب آخر, فلن تستطيع السير بمفردها, وقد لا تكون منجبة لبنات, وليس لها إلا أولاد يتناوبون رعايتها, وبالطبع فإن زوجات الأبناء لسن مكلّفات بصحبة حماتهن, إضافة إلى أنهن قد يكنّ مشغولات بمراعاة الأبناء في البيوت, ثم إن فصل النساء عن الرجال لم يشرع في الطواف رغم أنه عبادة تحتاج خشوعاً وتركيزاً لا تحتاجه الأمور الدنيوية من سير ورياضة وعمل, ولما حاول أحد الخلفاء فرض الفصل في الطواف منعه الفقهاء في عهده, لأنه لو كان أحد شارعاً الفصل في الحج لكان النبي عليه الصلاة والسلام, فلم هذا الابتداع في الدين وبما يؤذي مصالح المؤمنات والمؤمنين؟!

وثانيها: الخلط بين وضع أمهات المؤمنين وبين النساء المسلمات العاديات, فأمهات المؤمنين فُرض عليهن الحجاب الكامل والقرار في البيوت لأنهن ممنوعات من الزواج بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, وإذا كنّ قدوات للمرأة المسلمة فذاك لا يعني حبس المرأة في بيتها ولا عدم خروجها منه حتى لمصلحة خاصة أو عامة, فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لزوجته سودة:(أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن), والاحتجاب الكامل لنساء النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجال هو خاص بهن, وإذا عدنا للآية 53 من سورة الأحزاب ففيها:(وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب, ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن, وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا), وإذا قيل إن طهارة القلب مطلوبة للمؤمن والمؤمنة فهذا صحيح, لكن الشطر الأخير من الآية يوضح أن الحكمة من حجاب أمهات المؤمنين هو عدم التعدي على مقام النبي عليه الصلاة والسلام بنكاح نسائه بعد وفاته, وأي رجال المسلمين مكانة كمكانة الرسول الكريم؟ وإذا حُرم الزواج على نسائه, فليس محرماً على أي امرأة بعد وفاة زوجها, فكيف إذا لم تكن متزوجة أصلا؟!

والإشكال الثالث هو بسبب الفهم الخاطئ لنصوص القوامة الخاصة بالزوج والخلط بينها وبين الولاية على القاصر في الأسرة, فالمرأة خارج المنزل يمكن أن تكون مديرة على الرجل, لأن آيات القوامة لها علاقة بالموضوع الجنسي بين الزوجين حيث لا وجود له خارج المنزل, وذلك واضح من آية القوامة في سورة النساء بقوله تعالى:(واهجروهن في المضاجع) فالقوامة خاصة بين الرجل وزوجته فقط, وكثيرا ما يتم الخلط بينها وبين الولاية على القاصر في الأسرة ولا علاقة لها بمشاركة المرأة في بناء المجتمع, والولاية نفسها تكون على غير الراشد سواء كان ذكراً أو أنثى, لقوله تعالى:(فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فبلوغ سن الرشد يخرج الشاب والشابة من حاجتهما لولي إلى كون كل منهما ولي لنفسه, إلا في الزواج فالفتاة بحاجة إلى ولي أمر ليحفظ لها حقوقها, علماً بأن المذهب الحنفي أسقط شرط الولي في النكاح.

الإشكال الرابع هو بعض أحاديث موضوعة كما يروى عن فاطمة الزهراء أنها سئلت: أي شيء أصلح للمرأة؟ فقالت: ألا ترى الرجال ولا يراها رجل, وما يرد هذا الكلام أن فاطمة نفسها تكرر خروجها من بيتها في أحاديث عدة, ولا أدلّ على ذلك من خروجها لبيت أبيها واستقباله لها في مناسبات كثيرة, والقرآن تفسره السنة النبوية الكريمة فبعد نزول آية المباهلة مع نصارى نجران والتي تضمّنت أن يأتي كل فريق بنسائه وأولاده, لم تخرج نساء الرسول عليه الصلاة والسلام معه, بل خرجت فاطمة وزوجها علي والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين, فهل يعقل أن تنكر فاطمة على النساء أمراً قامت هي به وكررته مرات ومرات؟!

ومن الإشكالات أيضا الفهم الخاطئ لحديث: إياكم والدخول على النساء؟ قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت! فمن الواضح أن المقصود به الدخول على النساء مع الخلوة بهن, لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدخل على النساء وقد سقت أمثلة كثيرة في مقالتيّ السابقتين على دخوله على أم سليم وأختها أم حرام وعلى أم ورقة وعلى قريباته كضباعة وأم الفضل وعلى المعروفات من النساء كأم السائب وأم العلاء والربيع بنت معوذ وغيرهن كثيرات, ناهيك عما ذكرته مما أورده البخاري في باب ما يخلو الرجل بالمرأة عند الناس, أنه خلا بامرأة أنصارية, بمعنى أن الناس يرون شخوصهما ولا يسمعان حديثهما, وهذا كثيراً ما تضطر المرأة له في عملها أو إذا أرادت أن تسأل سؤالاً دون أن يطلع عليه الناس, وقد أوردت حديث:(لا يدخل رجل على مغيّبة إلا ومعه رجل أو رجلان) والمغيّبة هي التي غاب عنها زوجها لسفر أو غيره, فليس الدخول عليها ممنوع, بل هو الخلوة بها, فلعل المرأة التي سافر زوجها بحاجة لمساعدة جار أو قريب, فيضطر للدخول عليها, ولكن لرفع الشك والريبة من نفوس الناس وجب ألا يدخل عليها وحيداً بل أن يكون معه رجل أو أكثر, فهذه لا تعتبر خلوة, وكذلك التقاء الرجل بنساء عدة, لا تعد خلوة محرمة, فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يلتقي بالمسلمات ويعلمهن بعد أن طلبن أن يكن لهن نصيب من درسه مثلهن في ذلك مثل الرجال, مع أنهن كن يحضرن مع الرجال.

ومن أسباب الإشكالات الفهم الخاطئ لما جرى بين الرسول الكريم وبين اثنتين من نسائه عندما دخل عليهما فوجد عندهما ابن أم مكتوم, فطلب منهما أن تحتجبا منه, فذكرتا أنه أعمى, فقال: أفعمياوان أنتما, أفلا تبصرانه؟! ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي أمر فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها الطلقة الثالثة وليس لها بيت أن تعتدّ في بيت ابن أم مكتوم لأنه أعمى ولا يراها, ومن هنا يتضح أن حكم نساء النبي غير حكم فاطمة بنت قيس أو غيرها من نساء المسلمين.

ربما يأخذ بعضهم من فصل النساء عن الرجال في الصلاة دليلاً أكيداً على ضرورة الفصل الدائم, ولكن فصل المرأة عن الرجل في الصلاة موجود حتى بين المحارم, فلا يعني فصلهما في الصلاة أن نفصلهما في الأمور الدنيوية وإلا كان علينا أن نفصل الأخ عن أخته أثناء الطعام مثلا, وهذا ما لا يقول به عاقل؛ وبما أن المساحة انتهت فأدع الضوابط لمقالة قادمة إن شاء الله مع الإجابة على سؤال هام وجّهه إليه أحد القراء عن كيفية تهيئة الجنسين لهذا الاشتراك من أجل ربح اجتماعي دون خسران أخلاقي.

الوطن السعودية 24/9/2007

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |