|
في
مقالتي السابقة ذكرت أن عنوان المقالة هو نفسه عنوان محاضرة ألقيتها أمام فريق
الأيدي المتحدة والمؤلف من ثلة من شباب وشابات كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز,
بناء على طلبهم كي يجدوا الجواب الشافي على اعتراضات من يعرقل عملهم الخيري المشترك
بين الجنسين, وقد ضربت أمثلة عن دور المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في العهد النبوي
المكي والمدني.
أكدت لدى متابعتي للمحاضرة أن منطلقات هذا الاشتراك هي
من القرآن الكريم والسنة الصحيحة, علماً بأن الإسلام
يعطي المرأة مجالات عملها الأساسية بحسب وظائفها
الطبيعية, وأما ما هو واجب على الرجل القيام به فهو
ميسر أمام المرأة ومتروك لها الخيار فيه؛ ومع ذلك فإنه
من واجب المرأة المسلمة أن تعمل على تحقيق التوازن بين
مهامها الأسرية وبين نشاطها الاجتماعي الضروري لبناء
المجتمع الصالح, لقوله تعالى:(والمؤمنون والمؤمنات
بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)
فدور المرأة لا يقتصر على البيت والأسرة, وإلا فكيف
يمكنها أن تكون ولية للرجل ومناصرة له وتأمر بالمعروف
وتنهى عن المنكر؟
من القرآن الكريم أمثلة عدة على مشاركة المرأة للرجل,
منها ما كان داخل المنزل مثل إكرام الضيف كسارة زوجة
إبراهيم عليه السلام, كما
دلت الآيات 69 - 73 من سورة هود, وقد جاء في تفسير
الطبري وابن كثير:(فلما نظرت
سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجباً
لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا
يأكلون)؛ ومنها ما كان للعمل وكسب الرزق
فنحن نتلو آيات الله
الكريمة عن ابنة النبي شعيب عليه السلام التي كانت
تخرج لرعي الغنم هي وأختها, ورغم أنهما فضلتا عدم
مزاحمة الرعاة على الماء لكن حياءها لم يمنعها من
الخروج منفردةً للقاء رجل غريب هو النبي موسى عليه
السلام لأداء واجب في حقه:(فجاءته إحداهما تمشي على
استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا),
وهذا أقوى دليل على أن عمل المرأة خارج المنزل ليس
محرماً بل إن حكمه حكم عمل الرجل عندما تخرج المرأة
لتكفي نفسها إن لم يكن لها معيل أو لتؤمَّنَ العيش
الكريم لأولادها إن كانت أرملة أو مطلقة أو لتنفقَ على
أبوين شيخين ليس لهما غيرها؛ وأما المثال الثالث من
القرآن على خروج المرأة فلقد كان من أجل رفضها لظلم
زوجها لها وللمطالبة بحقها حتى جادلت النبي عليه
الصلاة والسلام فنزل حكم الله من فوق سبع سماوات
لينصفها:(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي
إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير).
في السنة النبوية الصحيحة تعددت مجالات لقاء الرجل
والمرأة فمن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام مع المرأة
أنه كان يعود قريباته وجاراته المريضات, ففي الصحيح
أنه دَخَلَ على ضُباعَةَ
بنت الزُّبير بن عبد المطلب فقال لها:(لعلكِ أردتِ
الحجَّ) قالت: والله لا أجِدُني إلاّ وَجعةً، فقال
لها:(حُجِّي واشترِطي، قولي: اللهمَّ مَحِلِّي حيثُ
حَبَستَني), وكان يزور زوجة عمه العباس أم
الفضل ويقيل في بيتها, كما أنه عاد أم السائب وأم
العلاء في مرضهما, وأوصى الأولى فقال:(لاَ
تَسُبِّي الْحُمَّىٰ. فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا
بَنِي آدَمَ. كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ
الْحَدِيدِ) وبشّر الثانية فقال:(
أبشري يا
أم العلاء
فإن مرض المسلم يذهب الله به
خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة) ودخل بيت أم
العلاء لدى وفاة عثمان بن مظعون الذي طار لهم في قرعة
سكنى المهاجرين؛ وكان إذا مر في المسجد والنساء قعود
ألوى يده بالسلام عليهن, وروى أنس أن النبي عليه
الصلاة والسلام جاءته امرأة أنصارية فقام لها واقفا
وخلا بها أي بحيث يرى الناس شخوصهما ولا يسمعان
حديثهما وأخرجه البخاري في باب ما يجوز أن يخلو
الرجل بالمرأة عند الناس, وروت ابنة خباب أن النبي
عليه الصلاة والسلام كان يتعاهدهم في غياب أبيها ويحلب
لهم عنزاً, كما كان يزور أم سليم فتبسط له نطعاً ليقيل
عندها, كما كان يقيل في بيت أختها أم حرام ويزور أم
ورقة التي سماها الشهيدة كبشارة لها وسمح لها أن تتخذ
مسجداً ومؤذناً وأن تؤم أهل بيتها, وروت الربيع بنت
معوذ فقالت:(جاء
النبي عليه الصلاة والسلام فدخل حين بُنِي عليَّ فجلس
على فراشي كمجلسك مني
فجعلت جويريات لنا يضربن
بالدف) وفي الصحيح أيضا أنه
لما عرَّسَ أبو أُسَيد الساعِدِيُّ
دعا النبيّ عليه الصلاة والسلام وأصحابَهُ فما صنَع
لهم طعاماً ولا قرَّبَه إليهم إلا امرأتُهُ أمُّ
أُسيد، بَلَّتْ تَمَراتٍ في تَوْر من حجارةٍ منَ
الليل، فلما فَرَغَ النبي من الطعام أماثَتْه له
فسقَتْهُ تتْحِفُه بذلك, وأخرجه البخاري في باب قيام
المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس, كما أنه
عليه الصلاة والسلام عرض على أسماء بنت أبي بكر أن
يردفها خلفه شفقة عليها من حملها نوى التمر على رأسها؛
وكل هذه الأفعال لم يذكر أحد من الفقهاء السابقين أنها
خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام, وهي مجالات
عديدة للاشتراك بين الجنسين إذا أردنا الاقتداء بها
شرط أن يكون الهدف من اللقاء هو رضا الله والتقوى وليس
إشباع الهوى والغرائز.
ومثل هدي الرسول عليه الصلاة والسلام كان هدي أمهات
المؤمنين والصحابة فقد شاركت عائشة رضي الله عنها في
رؤية الأحباش وهم يلعبون في باحة المسجد, كما اشترط
الرسول عليه الصلاة والسلام على جارهم الفارسي الذي
دعاه إلى الطعام أن تأتي معه عائشة ليقبل الدعوة؛
وعندما دخل عمر بن الخطاب على ابنته حفصة وسألها عن
المرأة التي عندها فقالت له إنها أسماء بنت عميس علق
على ذلك قائلا:(الحبشية هذه.. البحرية هذه) كنوع من
المزاح معها ثم استفز أسماء بأن أخبرها أن كونها من
أهل السفينة فلا هجرة لهم, فغضبت وذهبت إلى الرسول
عليه الصلاة والسلام وسألته عما يقوله عمر فطمأنها
النبي الكريم أن لهم هجرة واحدة ولأصحاب السفينة
هجرتان, فأخذ الذين هاجروا معها إلى الحبشة يدخلون
عليها يسألونها عن هذا الحديث مستبشرين به؛ وكقصة عمر
وأسماء هناك قصة أم الدرداء التي جاء سلمان الفارسي
يزورهم فرآها متبذلة تلبس ملابس المهنة, فسألها عن ذلك
فشكت له زوجها المتبتل فقال لزوجها:(إن لنفسك عليك حقا
ولزوجك عليك حقا ولربك عليك حقا فآت كل ذي حقه) ولما
وصل ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال:(صدق
سلمان) ولم يلمه لأنه سأل امرأة عن حالها, بل لقد
استدل الفقهاء كابن حجر عن جواز سؤال الأجنبية عن
حالها وجواز شكوى المرأة زوجها لمن تثق به من إخوانه
وأصدقائه؛ ومن ذلك أيضاً أن زوجة أبي بكر رضي الله عنه
استقبلت أضيافه في غيابه, ولما جاء متأخراً أخبرته
أنهم رفضوا أن يتعشوا من دونه, ومثلها ما حدث من عمرو
بن العاص الذي جاء يقصد بيت علي بن أبي طالب ولم يدخل,
فلما علم علي بذلك قال له: أما استطعت إن كانت حاجتك
إليها أن تدخل؟ قال: نهينا أن ندخل عليهن إلا بإذن
أزواجهن, وذلك لحديث: (لا يدخلن رجل على مغيبة إلا
ومعه رجل أو رجلان).
ولقد شاركت المرأة المسلمة في كثير من المناسبات,
فأهدت إحدى الصحابيات للنبي عليه الصلاة والسلام شملة
نسجتها بيده, وأخرج البخاري ذلك في باب النساج, وكذلك
أخرج في باب النجار أن امرأة أمرت غلاما لها بصنع
المنبر لرسول الله عليه الصلاة والسلام, وكانت المرأة
تعمل في التجارة والرعي والزراعة كخالة جابر بن عبد
الله التي طُلقت فخرجت لتجدّ نخلها فاعترض عليها رجل
بأنه لا يحق لها الخروج فسألت الرسول عليه الصلاة
والسلام فقال لها:(بل جدّي نخلك عسى أن تصدقي أو تفعلي
معروفا), وقبل أن أختم مقالتي على وعد بمتابعتها يوم
الاثنين القادم, ألفت النظر إلى حديث خالة جابر
ودلالته على تمكين الإسلام للمرأة, وهو الأمر الذي
يرفضه بعض الفقهاء إلى الآن فيحرمون على المرأة كل شيء
حتى الدعوة إلى الله, فيعتبر صوت الداعيات في شريط
الكاسيت حراماً لأنه قد يؤدي إلى الفتنة!
الوطن
السعودية 17/9/2007 |