ه

  

الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) لا أطعمونا ولا تركونا نأكل من خشاش الأرض
 
 
 

كان في ذهني مواضيع متعددة لمقالة اليوم, لكن رسالة من فتاة حمّلتني عبئا ثقيلا إن لم أنشر مشكلتها على الملأ, فهي ليست مشكلتها وحدها بل مشكلة فتيات كثيرات, خاصة أنها طلبت مني الحل لمشكلتها منذ أربع سنوات عندما أرسلت لي أول مرة, وكنت في مقالات سابقة عرضت مشكلات لفتيات ونساء منها مشكلات العرف السائد في عدم تزويج الفتاة إلا من شخص ينتمي إلى نفس القبيلة, وإحدى هذه الفتيات اتصلت بي منذ عدة أيام ولما سألتها عن حالها وإن كانت قد تزوجت, أخبرتني أن الوضع على ما هو عليه وأنها بلغت الأربعين من العمر الآن دون أن تنعم بأبسط حقوق المرأة في الزواج, وإذا كان من الصعب على الأنثى تعويض الشعور بالنقص لعدم وجود رجل يحبها ويهتم بها, وإذا كان من الأصعب دفن مشاعر الأمومة الراسخة داخل كل أنثى, فإن مما يخفف من معاناة الفتاة المتصلة أنها تعمل في مهنة التدريس وبذلك تستطيع الهرب من سجن البيت إلى القيام بعمل يشغلها ويعود عليها بمردود مادي, أما الفتاة التي وصلتني منها الرسالة المؤرقة فهي لا تنعم بأي حق, اللهم إلا حق الحياة التي هي أقرب إلى الموت البطيء, وهي ما زالت تسألني أن أشير عليها بالحل, وبما أنني لا أستطيع أن أحرر من السجن المقيت أحدا إلا بإلقاء الضوء على مشكلة هنا ومأساة هناك, فقد رأيت أن أهب رسالتها مساحة المقالة بعد تصرف بسيط:

أنا واحدة من خمس بنات، أمي تعاملنا كخمس مصائب، وأبي لا يسمح لنا بأي وظيفة بل يتدخل ويتشرط في اختيار الوظيفة لنا, ممنوع وظيفة بمكتب لا حارس له، ممنوع وظيفة مواصلاتها السائق بدون محرم، ممنوع.. ممنوع..ممنوع، وأمي... تشن حربا علينا لتجبرنا على أن ندفع لها رواتبنا، وأقسم لك أن الوضع مضحك مبكي! لأنه علاوة على كل هذا تحاربنا أمي لنتزوج ونقبل بأي رجل ولكن أبي يرفض أي رجل مادام ليس قبيليا (أي ليس من مستوانا القبيلي)، هذا علاوة على منعنا من الدراسة الجامعية ومنعنا من زيارة صديقة ومنعنا من ومن ومن ومن......والله العظيم إننا نشعر بأننا في سجن حقيقي وليس مجرد تشبيه! لقد كنت أحلم بإكمال دراستي وعندي طموح كبير وتفكير واسع بحمد الله، وكنت أحلم بأعمال إبداعية دعوية، وكثيرا ما ناقشت أشخاص غربيين عن الإسلام وبعضهم غير نظرته عن الإسلام وصار إيجابيا، أنا لست فتاة تافهة، إنني مبدعة وطموحة ومتعددة الهوايات والمواهب بفضل الله وكرمه، كان لدي حتى بعض الابتكارات النافعة، لكن كله تم دفنه! لدرجة أنني والله مرت علي أيام كنت أحسد فيها الفتيات الغبيات على غبائهن لأن ذو العقل يشقى! فأنا متعتي في الفكر والتعلم والإبداع والإنتاج، لكنني محرومة من هذه المتعة بسبب أهلي.. نحن جميلات جدا ومثقفات جدا ومتدينات ولله الحمد لكن ما قيمة كل هذا في السجن؟ باختصار نحن نموت كل يوم!

تقدم لي عدة رجال من جنسيات مختلفة وتم رفضهم بالطبع في انتظار "القبيلي العظيم" تقول أمي أن أبي يقبل بـ"قبيلي" سكران ولا يقبل بغيره ولو كان من أحسن الرجال أدباً وخلقاً! وقد أكد والدي أن على كل واحدة منا أن تتزوج قبيليا أو تبقى حتى تمشي على العكاز!!!

بالطبع راسلت العديد من الشيوخ والمفكرين والعلماء والأدعياء وأصحاب الكلام الكبير والأفعال الصغيرة، قلت لهم بالعربي الفصيح: أخاف أن تضيع حياتي كلها مع أهل كهؤلاء لا يفهمون ولا يرحمون ولا يتركوني وشأني لأعمل وأعيل نفسي على الأقل وفي ستين داهية الزواج مش مهم خلوني عانس عانس لكن مش عانس وفاشلة وفقيرة وشحاذة, لكن لا حياة لمن تنادي، تم تطنيشي لأنني امرأة "حقيرة" تريد الزواج رغم إرادة أهلها، هذه نظرتهم، ولو كنت رجلاً لهبوا لمساعدتي بالطبع مشفقين علي من التعب النفسي والجسدي، أما وأنا امرأة فعار وشنار أن أتكلم، وهكذا فعندما وضحت أمري لأحد الشيوخ الأفاضل الذي ألف كتابا عن أهمية الزواج فأرسلت له رسالة وضحت له فيها كل شيء، فقال لي ببساطة من يلقي تحية الصباح: ولماذا تتزوجي؟ ماذا تريدين بالزواج؟ كثيرات تزوجن فوقعن في مشاكل وآلام وبعضهن قادهن الزواج للكفر، فارضي بما قسم الله واصبري واحتسبي! ما أسهل الردود الجاهزة والله! وما أسهل الحرب على المتفرجين! وكلما فتحت فمي قالوا خذي أي واحد متزوج كبير أعور أعمى.. المهم تزوجي والسلام مادمت تخافين الزنا! أما هو فيختار لنفسه ذات القوام الرشيق والوجه البهي، وكأني بهيمة لا يهمها إلا الجنس أما المشاعر والتفاهم فهذا يسمونه كلام روايات وخداع دعاة تحرير المرأة!

صدقيني حاولت الهرب لكن كيف؟ حاولت الزواج لكن .... كيف؟ حاولت وحاولت، ولست أحمل همّ نفسي ككل أولئك الأنانيين الذين قابلتهم، بل همّ كل البنات العربيات، هناك ملايين مثلي، هناك ملايين يعانون من سلطة القبيلة تلك السلطة الحقيرة التي لا تفي كل النعوت بوصفها على حقيقتها، هناك الكثيرات يعانين من قهر الأهل وعضلهم واضطهادهم!

يا أستاذتي أنا لم أذق الحب في بيت أهلي، أريد زوجاً يعوضني عن الحب ويكفيني بالحلال! أو على الأقل أن يتركوني وشأني أعمل وأصرف على نفسي وأدرس وأحقق طموحاتي الدعوية لصالح الإسلام، لكن لا هذه ولا تلك ولا تلك ولا تلك ولا شيء! والله هذا كله حرام، والله سيسأل أولئك الصامتون عنا.. وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت!!

بأي ذنب أدفن وأنا حية؟ بأي ذنب أحرم من الدراسة الجامعية؟ بأي ذنب أحرم من الزواج؟ بأي ذنب أحرم من الفسحة المباحة مع أخواتي وصديقاتي؟ بأي ذنب أحرم من العمل؟ بأي ذنب أحرم من راتبي؟ لماذا يصمت العالم عن حقوقنا؟ لماذا لا تنسف المنظومة القبائلية نسفاً؟ لماذا كلما كلمت شيخ قال لي موافقة ولي الأمر على الزواج شرط أساسي؟ أقول له والدي لا يقبل أبدا فهل أعنس؟ يقول عنسي وانفلقي واحتسبي الأجر! أبي لا يوافق.. عمي لا يوافق.. أخوتي لا يوافقون.. القاضي لا ولن يوافق!

اقترحت علي صديقتي اللجوء لمحامي, طلب مني مبلغ كبير من المال أنا ليس عندي مال.. قلت لنفسي بسيطة.. أعمل وأعطيه المال.. طيب.. أهلي لا يسمحون لي أن أعمل أي عمل، وإذا سمحوا لابد أن ندفع لهم الجزية عن يد ونحن صاغرون! فمتى أجمع أتعاب المحامي وكيف؟ أين القانون؟ أين حقوق الإنسان الوهمية الزائفة ؟ أين الحق والعدل؟ معقولة؟ معقولة أن نبقى هكذا؟ أن أنتظر المعجزات؟ معقولة أن أمد يدي لمسلم فيقول لي انفلقي لمجرد أني امرأة؟ هل أنا عبد مملوك لولي أمري يزوجني كيف يشاء ويحبسني كيف يشاء؟ إلى الله المشتكى!

أنا أصلي ولله الحمد أقوم الليل وأصوم قدر المستطاع لأدفع الشهوة ولكن إن صبرت عن الزواج فكم سأصبر عن القهر والظلم والحبس وغصب الحقوق؟ ومما زاد الطين بلة أنني تعرضت لتحرشات  جنسية عدة وأنا طفلة مما جعل الجنس حاضرا في ذهني دوما، وأضيفي إلى كل القائمة أعلاه أنواع الشتائم والإهانات والسخرية والشك والتشكيك بل والقذف وأشياء أخرى يصعب وصفها!!

والله ما يغيظنا إلا صمت العالم حولنا.. لا يغيظني إلا أولئك الذين كتبت إليهم كثيرا ولكنهم يردون علي بردود باردة تصل برودتها لحد الوقاحة، فأسألك بالله يا أستاذتي تكلمي عن حقوقنا.. تكلمي عن حق المرأة في الزواج.. أرجو الله ثم أرجوك ألا تخيبي ظني فيك وألا تصمتي مثل الصامتين، أسألك بالله الذي أعطاك نعمة الإقناع والحجة أن تشكريه بها عن طريق إنصافنا، وشني حربك على القبيلة والعرف القبلي والزوج القبيلي العظيم!!!

الوطن السعودية

27/8/2009

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |