|
نالت مقالتي السابقة (دية المرأة.. هل هي نصف دية الرجل؟) نصيباً كبيراً من تعليقات
القراء في موقع الوطن الالكتروني, فتذكرت زميلنا الغائب عن زاويته (لكن) عندما
استشهد بعدد المعلقين على كتاباته على أنها الأهم في الصحيفة, وقد أخطأ زميلنا
العزيزُ القياسَ مع احترامي لشعبيته, لأن قراء الأعمدة في أي صحيفة يربو عددهم على
قراء مقالات الرأي, بسبب قصر الأولى وطول الثانية, وأخطأ إذ جعل الكمّ مقدَّما على
الكيف, كما أخطأ إذ عمّم صفة التنظير على كتاب الرأي, وأخطأ عندما قلّل من جهد
الآخرين؛ وعدم ذكري اسمه ليس للتصغير لكنه من باب الاقتداء بسنة النبي عليه الصلاة
والسلام الذي كان كثيراً ما يستخدم صيغة:(ما بال أقوام يعملون كذا وكذا.. ؟) وذلك
عندما لا يكون ثمة مصلحة من ذكر الاسم.
وفي مقالتي (البراءة المزعومة للجاهلية من وأد الأنثى)
تعمّدت لنفس السبب ألا أذكر اسم الزميلة العزيزة التي
نقلت عن الدكتور مرزوق بن تنباك نفيه لعادة الوأد عند
العرب قبل الإسلام, والذي يجب أن أشكره على تفاعله مع
المقالة وإرساله كتابه لي؛ وقد تبين لي بعد قراءة
الكتاب أني لم أكن مخطئة في اعتراضي لأن الدكتور أعجبه
تفسير الجاحظ للآية التي استشهدت بها من سورة النحل,
على أنه تصوير مجازي لحال الأب الجاهلي, وأنه لم يكن
يئد ابنته حقيقة, وقد غاب عن ذهن الدكتور أن من قواعد
تفسير القرآن عدم الأخذ بالمجاز في التفسير إلا إذا
كان النص غير واضح الدلالة, وعلى كل حال فإن الجاحظ
معروف بأنه رجل أدب وليس فقيهاً أو مفسراً للقرآن
ناهيك عن أنه معتزلي, ولن أبحث وراء النوايا كما فعل
القارئ الكريم الذي علّق على المقالة في صفحة نقاشات,
وأرجو أن يكفيه هذا الرد القصير لأن ورائي مهمة أخرى
في الرد على أحد القراء المعلّقين على مقالتي السابقة
والذي استحثّني كي أبحث وراء اختلاف شهادة الرجل
والمرأة, معبراً عن خشيته من أن أطلب إلغاء كل الفروق
الشخصية بين الذكر والأنثى.
يبدو أن القارئ الكريم فاتته مقالاتي التي أكّدت فيها
على الفروق الفردية بين الأنثى والذكر والتي تتسّق مع
الواجب المستقبلي لكل منهما في الأمومة والأبوة, فأنا
لست من دعاة المساواة على المستوى الأسري, ويكفي أن
الأب وهو المكلف بالإنفاق لا يصل إلى مقام الأم في
القرآن والسنة ليكون ذلك دلالة على إلغاء هذه المساواة
في الأسرة, أما خارجها فإن لكل منهما مهاماً وواجبات
لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة, بل هي تتبع المكانة
التي يشغلها المرء في عمله أو نشاطه, وهذا يختلف بحسب
الأعراف السائدة في المجتمع, وإذا كانت أعرافاً تقضي
لزوم المرأة بيتها بشكل عام فهي أعراف ما أنزل الله
بها من سلطان, لأن الله أمر النساء المؤمنات كما أمر
الرجال المؤمنين بواجب اجتماعي هو الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وذلك في الآية (71) من سورة التوبة.
إضافة إلى أننا في عصر طغت عليه قيم العولمة
الاقتصادية والتي تستدعي خروج المرأة للعمل وما يتبع
ذلك من مكانة مادية لها ناهيك عن قيمتها المعنوية,
لذلك تعرضت لموضوع الدية, وإذا كانت إحدى القارئات
علّقت بطلبها أن أتناول حقوق المرأة الحية وليس
الميتة, فإني أذكّرها بقصة الطفلة عبير والتي قتلت
صعقاً بالكهرباء في مهرجان مكة خير, إذا افترضنا أنه
قتل خطأ ككثير من الإناث اللواتي يمتن في أي حادث عرضي
مشابه, أما إذا تذكرنا أعداد الأمهات اللواتي تنتهي
حياتهن بسبب خطأ طبي سواء كان جراحياً أو ولادياً,
فهذا وحده يكفي ليكون حافزاً لكل كاتب تنويري حريص على
دينه من التشويه كي يطالب بإعلاء قيمة الإنسان سواء
كان رجلا أو امرأة دون أن يأبه لمن يحب الصيد في الماء
العكر فيرمي التهم في وجه الكاتب على أنه طابور خامس
أو يسخر من الكاتبة بأنها تحولت إلى مفتية للبلاد, أو
يتمسّك بضرورة الرجوع إلى رأي العلماء؛ ولا أدري هل
قرأ بعض أولئك في مقالتي تكرار اسم العلامة القرضاوي
الذي يعتبر أحد القامات المضيئة في فقه المرأة والأسرة
أم لا؟
وفي عصر لم تعد فيه المرأة بعيدة دائماً عن التعاملات
المالية, بل أصبحت ترأس مجلس إدارة البنوك المحلية
والإقليمية, ناهيك عن وضعها العالمي العام السائر نحو
مساواتها بالرجل, خاصة ما ليس فيه نص ينقضه في القرآن
الكريم والسنة الصحيحة, فإن من واجبنا إعادة قراءة
النصوص الواردة بشأن الشهادة, وأهمها آية الدين في
سورة البقرة التي تظهر أن شهادة امرأتين تعادل شهادة
الرجل في الأموال, ومع أن الآية خاصة بالعقود المالية
الموثقة فإن هذه الحالة الخاصة عُمِّمت على كل الحالات
الأخرى, لولا شجاعة الفقيه الأول عمر بن الخطاب رضي
الله عنه الذي كان أول من عامل الشهادة على أنها وسيلة
للوصول إلى الحقيقة وإثباتها, وأن ذلك هو مقصد الحكم
الوارد في آية الدين, فقضى بأن شهادة النساء وحدهن
كافية ومقدمة على شهادة الرجال في الشؤون الخاصة
بالنسوة كالحيض والحمل والنفاس والرضاعة, وتبعه ذلك
كثير من الفقهاء وفي مقدمتهم أبو حنيفة.
ومما ذكره ابن القيم في كتابه "الطرق
الحكمية":(والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة
والديانة إلا أنها لَمّا خيف عليها السهو والنسيان
قُوِّيت بمثلها, وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد
أو مثله, ولا ريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل أم
الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد
دونهما ودون أمثالهما), ونقل عن أستاذه ابن تيمية:(القرآن
لم يذكر الشاهدين, الرجل والمرأتين من طرق الحكم التي
يحكم بها الحاكم – أو القاضي – وإنما ذكر النوعين في
البينات والطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه, وما تحفظ
به الحقوق شيء, وما يحكم به القاضي شيء, فإن طرق الحكم
أوسع من الشاهدين والشاهد والمرأتين), وفي هذا يقول
شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت:(وليس معنى هذا
أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتي ليس
معهن رجل لا يثبت لها الحق, ولا يحكم بها القاضي, فإن
أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة, وقد حقق العلامة ابن
القيم أن البينة في الشرع أهم من الشهادة, وأن كل ما
يتبين به الحق ويظهر هو بينة يقضي بها القاضي ويحكم,
ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية, ويحكم بشهادة
غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها).
ويقول الدكتور البوطي:(مما يغيب عن بال كثيرين أن
الشهادة التي توافرت شرائطها تُعدُّ في حكم الشريعة
الإسلامية بينة كاملة؛ أما ما يسمى بقرائن الأحوال وهي
القرائن التي تعين القضاء في مجال التحقيق دون أن
يعتمد عليها وحدها في الحكم والقضاء, فإن شهادة المرأة
داخلة فيها دون تفريق؛
وعموماً فإن الشروط التي تراعى في الشهادة ليست
عائدةً إلى وصف الذكورة أو الأنوثة في الشاهد،
ولكنها عائدةٌ في مجموعها إلى أمرين اثنين؛
أولهما: عدالة الشاهد وضبطه, وثانيهما: أن تكون
بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها صلةٌ تجعله مؤهّلاً
للدراية بها والشهادة فيها).
لذلك أفتى بعض الفقهاء بقبول شهادة المرأة في الدماء
إذا كان لا بد منه لثبوت الحق, وذلك فيما إذا وقعت
الجريمة في مكان ليس به إلا النساء, أما الدكتور محمد
سليم العوا فقد رأى أن الفقه الإسلامي هو الذي اجتهد
في هذا الحكم – أي في حكم اعتبار شهادة المرأة بنصف
شهادة الرجل في كل القضايا وعموم الأحوال - لأن النص
القرآني وارد في الشهادة المعدة سلفاً, أي الشهادة على
الحقوق التي تثبت في وثائق, لا في الشهادة على
الوقائع, فالأصل في هذه أن يشهد من حضر؛ وكل ما سبق
يساهم في وضع قوانين جديدة
للشهادة خاصة أن بعض النساء يستطعن الثبات في مواقف
يعجز عنها بعض الرجال وذلك عندما تمتلك المرأة القدرة
بسبب التربية أو المهنة.
الوطن السعودية 30/7/2007 |