|
أتحفنا فقهاء نابغون على مر العصور بأقوال تؤيد أن الحقوق والواجبات للرجال والنساء
هي نفسها ما لم يوجد استثناء بنص شرعي, ومن هذه الأقوال الجليلة قول للإمام ابن
القيم في كتابه "إعلام الموقعين":(قد استقر في عرف الشرع أن الأحكام المذكورة بصيغة
المذكر إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول الرجال والنساء) وكذلك قول الإمام
ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد":(الأصل أن حكمهما واحد – أي الرجل والمرأة – إلا
أن يثبت في ذلك فارق شرعي)؛ لكن فقهاء آخرين لم يكونوا بهذا الإنصاف فقاموا بتعميم
العبارة القرآنية:(للذكر مثل حظ الأنثيين), مع أنها جاءت في سياق ميراث الأولاد -
ذكورا وإناثا - من والديهم, ومن ثَمَّ بنوا أحكاما أخرى على هذه القاعدة الميراثية,
كحكم دية الأنثى إذ فرضوا لها نصف دية الذكر, مع أنه لا يوجد ما يدل على ذلك في
القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة.
سبق لبعض الكتاب تناول هذا الأمر, ولكن نبش الموضوع
مرة أخرى لا يدل على غياب المثقف عن التداولات
المختلفة للموضوع بقدر ما يدل على ضرورة تكرار الكتابة
عنه مرة أخرى لأنه ما زال يقع ضمن المسكوت عنه, ودية
الأنثى أكبر مثال على ذلك, فقد نوقشت في ندوة بين كبار
علماء الدين في قطر منذ عامين, ولم ينشر عن تلك الندوة
إلا أقل القليل في الصحف, أما وسائل الإعلام المرئية
فهي منشغلة – إجمالا – بما يسطّح الوعي ويلغي الشعور
بالمسؤولية عن التغيير, مع أن الواجب يقضي بأن ننفي عن
ديننا التهم الجائرة بظلم المرأة والنظرة الدونية لها,
لأنه بسبب تلك النظرة اعتُبرت المرأة أقل من الرجل في
القيمة المادية والمعنوية, وحتى إذا قبلنا بحجة
المطالبين بتنصيف الدية لأن المرأة ليست مسؤولة عن
الإنفاق في الأسرة, فإنّا لم نجد من يتعاطف مع المرأة
في حال كانت هي المنتجة والمنفقة والمعيلة للأسرة.
لذلك وجب إلقاء الضوء على أهم ما جرى في تلك الندوة
التي تناولت القضية من خلال عدة محاور:
المحور الأول: هل في القرآن ما يشير إلى اختلاف
دية الرجل عن المرأة؟ والجواب: فيما يخص الآية
الكريمة:(وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً
وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ
مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن
يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ
وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ
فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ
اللهُ عَلِيمًا حَكِيماً) (النساء/92) اتفق العلماء
المشاركون في الندوة أنه لا يوجد في القرآن ما يشير
إلى ذلك - أي تنصيف الدية -
والآية جعلت الدية مطلقة، وليست خاصة برجل أو امرأة.
والعلماء يقولون: هذه نكرة في سياق الشرط والنكرة في
سياق
الشرط كالنكرة في سياق النفي تعمّ،
ولذلك تعتبر من ألفاظ العموم, ويؤكد هذا المفهوم ما
جاء في حديث عمرو بن حزم (في النفس المؤمنة مائة من
الإبل) والنفس تطلق على الذكر والأنثى.
المحور الثاني: هل في السنة النبوية ما يجعل دية
المرأة نصف دية الرجل؟ والجواب: استدل
الفقهاء على تنصيف الدية بأحاديث كثيرة، ولكن هذه
الأحاديث محل دراسة ومناقشة من حيث ثبوتها وحجيتها،
فالذين ينتقدون هذه الأحاديث من أصحاب الاختصاص وأهل
العلم بالحديث ودراسة الأسانيد يقولون إن هذه الأحاديث
ضعيفة؛ فهذه الأحاديث مروية في مصنف عبد الرزاق،
والبيهقي، وابن أبي شيبة.
المحور الثالث: يتلخص في رأي الدكتور يوسف القرضاوي
الذي أوضح أن جميع الموجودين متفقون على أن دية المرأة
تقع في الدائرة الاجتهادية من الأحكام وليس الدائرة
الثابتة, ولذلك ليس هناك مانع من أن نعيد النظر ونجدد
الاجتهاد في هذا الموضوع من خلال النظر في مصادر
التشريع ومصادر الأدلة, وأكّد الشيخ القرضاوي أنه تتبع
السنة النبوية علّه يجد حديثاً يصلح للاحتجاج به في
تنصيف الدية فلم يجد, وقال: إننا لا نجد حديثا واحدا
في كتب الحديث الستة, ولقد مضى القرن الرابع الهجري
وفيه الحافظ الكبير الدارقطني والحاكم صاحب المستدرك
ولم يأتيا بحديث يدل على تنصيف دية المرأة، ثم جاء
الحافظ الكبير الإمام البيهقي (متوفى سنة 458هـ) وجاء
بحديث عن معاذ بن جبل عن رَسُولُ الله عليه الصلاة
والسلام:(دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ
دِيَة الرَّجُلِ). والبيهقي نفسه علّق على هذا الحديث
بأنه لا يثبت مثله؛ ومعلوم أن
الحديث الضعيف لا يحتج به في الأحكام.
ثم رد الشيخ القرضاوي على من أفتى بتنصيف الدية بناء
على بعض الآيات القرآنية والأحاديث بأن الاستدلال
بقوله تعالى:(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) يُردّ
بآية أخرى تدل على أن المرأة من الرجل والرجل من
المرأة فهي تكمّله وهو يكمّلها لقوله
تعالى:(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا
أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ
مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ
بَعْضٍ) والحديث الشريف:(إنما النساء شقائق الرجال)
فهذه
محكمات لا يجوز تركها إلى غيرها؛ وبخصوص حديث عمرو بن
شعيب: أن رَسُولِ الله عليه الصلاة والسلام
قَالَ:(عَقْلُ الْمَرْأَة مثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ،
حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا) أن هذا
الحديث رواه إسماعيل بن عيّاش وحديثه منكر وكثير
الخطأ.
وبين الشيخ القرضاوي خطأ من قاس موضوع
الدية على موضوع الإرث وموضوع الشهادة، بأنه قياس غير
صحيح, فحتى في الإرث ليس دائماً ترث المرأة نصف ما يرث
الرجل, ولأن الشهادة جاءت في مقام الاستيثاق في
القضايا المدنية والتجارية؛ والأَوْلى أن تقاس الدية
على القصاص فإذا قتل الرجل امرأة اقتص منه بالإجماع –
كما في حالة اليهودي الذي قتل جارية فأمر النبي عليه
الصلاة والسلام بأن يقتل قصاصاً - ولأن الدية والقصاص
في باب واحد هو التشريع الجنائي أو العقوبات, والقصاص
عقوبة والدية
عقوبة.
ثم أوضح الدكتور القرضاوي خلل الرأي القائل بالمصلحة
في
تنصيف الدية؛ إذ قالوا: إن الرجل يفوت بفقده ما لا
يفوت بفقد المرأة فهو العائل وهو الذي يتولى النفقة؛
أما الحقيقة فهي أن الشرع لم يعتبر هذا؛ لأن الشريعة
تجعل دية الطفل الصغير مثل دية أبيه الكبير، وتجعل دية
الأمي مثل دية العالم, فالاعتبار للآدمية فقط؛ وأكد
القرضاوي أنه يجب أن نتفق مع وجهة الإسلام العامة الذي
يكرم المرأة إنسانا ويكرمها أنثى، ويكرمها بنتا وزوجة
وأمّاً وعضوا في المجتمع، وهو ما يتفق مع اتجاهات
العصر خاصة مع ما يشيعه أعداء الأمة بأن المسلمين
يضطهدون المرأة ويجعلونها في مرتبة دونية؛ ثم أوضح
الشيخ القرضاوي أدلة من قال بالتسوية بين الرجل
والمرأة في الدية مثل الفخر الرازي الذي ذكر أقوال ابن
علية والأصم ولم يعلق عليها مما يدل على أنه يؤيد هذا
الرأي؛ ومن المعاصرين الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار,
والشيخ محمود شلتوت في كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة"
والشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "الجريمة والعقوبة في
الشريعة الإسلامية"، والشيخ محمد الغزالي في كتابيه:
"السنة
بين أهل الفقه وأهل الحديث"، و"تراثنا بين العقل
والشرع".
وقد اشترك مع الدكتور القرضاوي أغلب الحاضرين في
الندوة حيث رأى بعضهم أن الدية تجمع بين الأمرين: بين
العقوبة وبين التعويض، ولا ينبغي بحال إهمال كون
الديّة عقوبة. فالقاتل اعتدى على نفس واستخف بالحياة
الإنسانية؛ ثم نقل القرضاوي قول القرافي:(الجمود على
المنقولات أبداً
ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف
الماضين.
الوطن السعودية 23/7/2007 |