|
قرأت ما خطته إحدى الزميلات الكاتبات في صحيفة الوطن نقلا عن الدكتور مرزوق بن
تنباك حول عادة وأد البنات وأنها لم تكن موجودة في الجاهلية, وإذ أشكر للكاتبة
نقلها وللدكتور جهده, خاصة في تبرئة الرجل العظيم عمر بن الخطاب من تهمة وأد ابنته
قبل إسلامه, فإن من الواجب أن نتوقف قليلا عند هذه المعلومات لتمحيصها.
أما براءة عمر رضي الله عنه فإذا كانت جريمة وأده
لابنته تهمة مختلقة فهذا لا يغير كثيراً في قيمته كرمز
إسلامي ذي مكانة تاريخية مميزة حيث أن الإسلام يجبّ ما
قبله, هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن تبرئة عمر من وأد
ابنته لا تبرر سحب حكم البراءة على جميع من عاشوا في
الجاهلية قبل الإسلام مع الاكتفاء بتفسير آية (وإذا
الموءودة سئلت) بأن المقصود بها قتل النفس سواء كانت
ذكرا أو أنثى وهو الأمر الذي كان دافعه الفقر فقط على
رأي ابن تنباك, والدلالة على ذلك بما يلي:
أولا: ذمّ القرآن عادة عرب
الجاهلية الذين كانوا يقومون بوأد بناتهم خشية العار,
فقال سبحانه وتعالى في سورة النحل:(وَإِذَا بُشِّرَ
أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً
وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ
مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ
يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا
يَحْكُمُونَ). فالآية واضحة تماماً بأن ولادة الأنثى
كانت تمثل سوأة للجاهلي فيبقى محتاراً بين إمساكها
وعدم قتلها ولكنه بالمقابل يحمل ذلا وهواناً خشية
العار الناجم عن تعرضها للاغتصاب أو السبي, وبين دسها
في التراب أي دفنها حية.
ثانياً: ما ذكره ابن حجر في فتح الباري بأن ذلك كان من
عادة أهل الجاهلية كراهةً في البنات، ويقال إن أول من
فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، وكان بعض أعدائه أغار
عليه فأسر ابنته فاتخذها زوجة لنفسه ثم حصل بينهم صلح
فخيّر ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا
تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك؛ وكان
من العرب فريق ثان يقتلون أولادهم مطلقاً، إما نفاسةً
منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما ينفقه
عليه.. وإنما خصّ البنات بالذِّكر لأنه كان الغالب من
فعلهم، لأن الذكور مظنة القدرة على الاكتساب، وكانوا
في صفة الوأد على طريقين: أحدهما أن يأمر امرأته إذا
قرب وضعها أن تطلق بجانب حفيرة، فإذا وضعت ذكرا أبقته
وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة.
ثالثا: ما ورد في تفسير ابن كثير
من أن قيساً بن عاصم جاء إلى رسول الله عليه الصلاة
والسلام فقال: يا رسول الله إني وأدت ثماني بنات في
الجاهلية فأمره الله بأن يقدم عن كل واحدة منهن بدنة
ينحرها تكفيراً, وفي رواية أخرى قال: يا رسول الله إني
وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية – أو ثلاث عشرة –
قال:(فأعتق عددهن نسماً) فأعتق عددهن نسماً, فلما كان
العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه
صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين, قال علي بن أبي
طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية, وهذا يدل على أن
عاصم بن قيس أدرك الإسلام وكان من الذين نوّر الله
قلوبهم بالإيمان وأدركوا فداحة ما أقدموا عليه في
جاهليتهم من وأد بناتهم.
رابعا: ما أورده الحاكم في المستدرك عن أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل
قائماً مسنداً ظهراً إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش
والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيي
الموءودة. يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا
تقتلها أنا أكفيك مؤونتها, فيأخذها فإذا ترعرعت قال
لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها؛
فحديث أسماء يدل على أن بعض الجاهليين كانوا يئدون
بناتهم خشية الفقر لكن اختصاص هذا الوأد بالبنت يدل
على مكانتها المتدنية عن الذكر في العصر الجاهلي.
هذا ما حضر في ذهني كرد على
الدكتور ابن تنباك,
والغريب أنه مختص بالأدب العربي وقد فهمت أنه أجرى
بحثاً طويلا حتى استطاع أن ينفي عادة وأد البنات عن
الجاهليين, والسؤال المطروح: إذا قبلنا أن الباحث قد
يهمل الاطلاع على فتح الباري أو تفسير ابن كثير أو
المستدرك وغيرها من الكتب التراثية, رغم الدلالة
السلبية لهذا الإهمال, لكن كيف نقبل أن تفوته الآية
الكريمة التي استشهدت بها من سورة النحل؟!
إذاً كانت عادة الوأد موجودة بين الجاهليين خشية الفقر
لكنها موجّهة أكثر تجاه الأنثى باشتراك الخوف من الفقر
والخشية من العار, وكان يكفي أي باحث قليلا من الجهد
ليستدلّ على تفضيل الجاهليين للذكور المحاربين
الكاسبين على الإناث, ولذلك كانوا يحرمون الأنثى من
الميراث, بل ويعتبرونها شيئاً لا قيمة له يتوارث كما
يتوارث المتاع, والأحاديث الشريفة وكتب التفسير وأسباب
نزول الآيات تعجّ بالكثير من الأمثلة والدلالات على
ذلك, وأكتفي بمثال واحد يدل على مدى عنايتهم بالذكر
لأنه يحارب ويكسب من الغزو على عكس الأنثى, وهو ما ورد
في تفسير القرطبي لقوله تعالى:(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ
مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
نَصِيباً مَّفْرُوضاً) أن أوساً بن ثابت الأنصاري،
توفي وترك امرأة يقال لها: أم كُجَّة وثلاث بنات له
منها؛ فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصِياه يقال
لهما: سُويْد وعرْفَجَة؛ فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته
وبناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء
ولا الصغير وإن كان ذكراً، ويقولون: لا يُعطى إلا من
قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف،
وحاز الغنيمة. فذكرت أمّ كُجّة ذلك لرسول الله عليه
الصلاة والسلام فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدها
لا يركب فرساً، ولا يحمل كَلاً ولا يَنْكَأ عدوّا.
فقال عليه الصلاة السلام:((انصرفا حتى أنظر ما يحدث
الله لي فيهن)), فأنزل الله هذه الآية ردّا عليهم،
وإبطالاً لقولهم وتصرفهم بجهلهم؛ فإن الورثة الصغار
كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم
تصرفهم والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا
الحِكمة فضلّوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم
وتصرفاتهم.. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى
سُويَد وعَرْفَجة ألاّ يفرّقا من مال أَوسٍ شيئاً؛ فإن
الله جعل لبناته نصيباً ولم يبين كم هو حتى أنظر ما
ينزل ربنا. فنزلت (يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ
أَوْلاَدِكُمْ) (النساء/11) إلى قوله تعالى:
(ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ) (النساء/13)) فأرسل إليهما (أن
أعطيا أم كُجَّة الثُّمن مما ترك أَوسٌ ولبناته
الثلثين، ولكما بقية المال).
وهكذا فإن الإسلام أثبت حق المرأة في الميراث ولكن
مغزى هذا الإثبات يتعدى الحق المادي إلى الحق القيمي,
فالمرأة إذا لم تكن تقاتل وتحارب فهي التي تعدّ
المقاتلين والمحاربين, وإذا كان الغزو عادة تم إلغاؤها
مع مرّ الأيام نتيجة تحول الناس من عيش البداوة إلى
حياة الحضر, فإن من واجب الباحث المتحضر أن يعمل على
إحياء فضائل الإسلام الذي جاء فأعلى من شأن الأنثى
ومنحها مكانة سامقة لم تعرفها الأديان ولا الثقافات
السابقة, على سبيل المثال جعل الإسلام للبنات مزية
واضحة على الأبناء الذكور حين قال رسول الله عليه
الصلاة والسلام للآباء:((من يلي من هذه البنات شيئاً
فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)) ولو كنت أعمل في
البحث الأدبي واللغة كالدكتور ابن تنباك لبحثت عن مغزى
وجود هذا الحديث في بعض كتب السنة بصيغة مختلفة هي:(من
بُلي بهذه البنات.. ) فلماذا تغير اللفظ من (من يلي)
إلى (من بُلي)؟ لماذا عادت الأنثى إلى مكانتها المنحطة
فاعتُبرت بلاء؟
كان من الممكن الإشارة مثلا إلى أن عادة الوأد لم يكن
متعارفاً عليها في قبيلة كقريش كما كان الحال في
القبائل الأخرى حيث كان للمرأة القرشية الشريفة مكانة
رفيعة, كما كان من الأفضل التركيز على الأشكال
المعاصرة لوأد الأنثى كوأد الرأي والفكر في التقاليد
الموروثة ووأد الحياء والفضيلة في العادات المستوردة.
الوطن السعودية 16/7/2007 |