الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) الختان بين الإفراط والتفريط
 
 
 

لقيت الطفلة بدور من مركز مغاغة بمحافظة المنيا حتفها بعد ساعات قليلة من نجاحها بتفوق في الشهادة الابتدائية، وذلك إثر جرعة مخدر زائدة، أعطتها لها طبيبة وافقت على إجراء عملية ختان لها في عيادتها الخاصة نظير ٥٠ جنيهاً، واتهمت والدة الطفلة المتوفية الطبيبة بالإهمال، وأنها أعطت لابنتها كمية كبيرة من المخدر، ورغم أن بدور توفيت في آخر قطرة بالحقنة المخدرة، إلا أن الطبيبة أجرت لها عملية الختان.

هذا هو مختصر القصة كما نقلتُها من بعض المواقع المهتمة, ولم أكن أودّ التعرض للموضوع بحكم أن ختان الإناث غير متعارف عليه في المملكة العربية السعودية اللهم إلا في بعض القبائل, لولا أخبار من هنا وهناك عن انتشار هذه العادة في بعض البلدان الخليجية بعد أن كادت تختفي, وعن بدء بعض البلدان الأوربية بالتدقيق في التأشيرات الممنوحة للعائلات من أصول عربية أو مسلمة خشية أن يكون سفرها بغاية إجراء هذه العملية في البلد الأصلي, إضافة إلى مقالة للدكتورة نوال السعداوي نشرتها صحيفة الحياة يوم الاثنين الماضي بهذا الخصوص تستحق الوقوف قليلاً عندها.

حضت السنة الكريمة على ختان الذكور واعتبرته أحد سنن الفطرة وجاء ذلك في كثير من الأحاديث الصحيحة, ومع أني لست من أنصار الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة لما يشوبه من مبالغات ولما يخالطه من تفسيرات غير مقبولة ولما يتضمّنه من ترفّع غير مبرر على الثقافات الأخرى يخفي وراءه عدم ثقة بالثقافة العربية الإسلامية؛ لكن الحال يختلف بالنسبة لختان الذكور إذ يجب أن نذّكر معارضيه - ومنهم الدكتورة السعداوي - بما أثبتته الأبحاث العلمية من تقليله للإصابة بكثير من الأمراض المنتقلة بالجنس, يأتي في مقدمتها الأمراض الفيروسية التي يساعد في انتقالها بقاء قلفة الذكر, كالثآليل التناسلية, وبما أن علاقة الفيروس المسبب لهذه الثآليل أكيدة بمرض سرطان عنق الرحم, لذا أصبح ختان الذكر يعتبر كوقاية من الإصابة بهذا المرض الخطير, خاصة وقد أثبتت الإحصائيات أن سرطان عنق الرحم يقلّ وجوده بين المسلمات واليهوديات حيث أن اليهود الذكور يختنون كالمسلمين, على عكس الشعوب التي لا يختن ذكورها إذ تعلو نسبة إصابة النساء بهذا المرض, كما أن الدراسات الحديثة بيّنت أن ختان الذكور يقي من مرض نقص المناعة المكتسب أو الإيدز.

أما ختان الإناث فلم تثبت فائدته من الناحية الصحية بل على العكس يقلِّل من استمتاع الزوجة مما ينعكس على علاقتها الجنسية مع زوجها وقد يَنفُر زوجها منها, وقد روت أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام:((لا تنهكي- أي لا تبالغي- فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل)), وفي رواية:((اخفضي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج)), مما يجعلنا نستنتج أن ختان البنات كان عادة من عادات بعض العرب في الجاهلية, ولما جاء الإسلام وضع لها من الشروط ما يخفّف أثرها على الرجل والمرأة معا ويحفظ حق كل منهما في الاستمتاع؛ وقد ذكر المرحوم عبد الحليم أبو شقة في الجزء السادس من كتابه "تحرير المرأة في عصر الرسالة" ختان الإناث من ضمن ما صنّفه على أنه "أوهام تحاصر الاستمتاع الطيب" فقال: (من هذه الأوهام وجوب ختان البنات: دعماً للتعفّف الأخرق وتضييقاً لفرص الاستمتاع, على كل من الرجل والمرأة, ساد القول بوجوب ختان البنات في بعض بلاد المسلمين قروناً طويلة وكأن ختان البنات فريضة من فرائض الإسلام, وإغفاله يعتبر نقيصة ومعرّة للفتاة, كما يعتبر فعله مكرمة لها, وهذا كله وهم, وتأكيدا لهذا الوهم شاع الحديث الضعيف الآتي: عن شداد بن أوس قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء. قال الحافظ بن حجر: قال الشافعية: لا يجب في حق النساء , وهو الذي أورده صاحب المغني عن أحمد. وذهب أكثر العلماء إلى أنه ليس بواجب, على أن الحديث: أنه سنة للرجال ومكرمة للنساء, لا يثبت لأنه من رواية حجاج بن أرطأة ولا يحتج به. قال الشيخ سيد سابق في فقه السنة: أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصحّ منها شيء).

يمكنني كطبيبة نسائية أن أقول: إن أصعب أنواع الولادات التي تواجه الطبيبة هي توليد امرأة مختونة إذ كثيرا ما تضطر الطبيبة المولدة إلى قص العضو التناسلي للمرأة من أسفل ومن أعلى لإتمام عملية الولادة بحيث يبدو ذلك العمل بعيداً عن الإنسانية خالياً من الرحمة؛ ناهيك أن عملية الختان بحد ذاتها تشكل رضاً نفسياً وخطراً جسدياً للأنثى ليس له أي داع, وأذكر أن ندوة عقدها قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر في القاهرة بتاريخ 8/6/2005 تناولت هذه المخاطر بالتفصيل وأعلن أطباء وعلماء دين متخصصون رفضهم الشديد لها، معتبرين أنها عملية مخالفة للشريعة الإسلامية وتخالف الفطرة السليمة للإنسان، مبررين الفتاوى السابقة التي أصدرها الأزهر الشريف من قبل والتي تجيز عملية ختان الإناث بأنها جاءت على غير معرفة بالشكل الذي تجرى عليه هذه العملية بما فيها من ضرر واضح بالفتاة، وبما تسببه من أضرار بالغة تهددها في المستقبل سواء من الناحية النفسية أو الطبية؛ وقد أكد الجميع في الندوة أن عملية ختان الإناث برمّتها ليس لها علاقة بالإسلام فهي ليست عادة إسلامية، وإنما هي عادة تتمركز في بعض الدول الإفريقية كمصر وجيبوتي والسودان وجزء من اليمن، وأن أكبر دليل على ذلك هو أن هذه العادة ليس لها وجود في الدول الإسلامية الأخرى وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. وبيّن بعض الأطباء الحاضرين أن القيام بالختان لتخفيف الشهوة عند المرأة حتى تظل عفيفة هو فهم عقيم وخاطئ على اعتبار أن الشهوة تعد أمراً جعله الله في الإنسان للحفاظ على بقاء النوع البشري، كما أن المودة التي يخلقها الله بين الزوج والزوجة أساسها التقارب الجنسي بينهما، وكثير من المشكلات تحدث عندما لا يكون هناك تقارب جنسي بين الزوجين لدرجة قد تصل إلى الطلاق.

بعد وفاة الطفلة بدور أصدرت وزارة الصحة قانوناً يجرّم ختان الإناث كما أصدر مفتي مصر فتوى تحرّم هذه العملية, لذلك أوافق الدكتورة نوال السعداوي على سؤالها في مقالتها المشار إليها: أكان يجب أن تموتي يا بدور حتى يتسرب بعض الضوء إلى خلايا العقل المظلمة؟ لكن ما لا أوافقها عليه هو أسلوبها الاستفزازي والألفاظ التي تختارها لدى معالجتها لموضوع حساس كالموضوع الجنسي, كما لا يمكنني أن أنسى ما قرأته حول الندوة التي ساهمت بها في مدينة القاهرة ضد عمليات الختان بنوعيها للذكور والإناث, وكان ذلك منذ عدة أعوام عندما سألها أحد الصحفيين عن اصطحابها لابنها إلى أمريكا كي تجري له عملية الختان, فتجاهلت السؤال ولم تجب عليه, وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السعداوي التي يعترف كثيرون – منهم كاتبة هذه السطور - بجهودها في لمس هموم المرأة العربية عموماً, ما زالت بعيدة عن الإنصاف الذي يقتضي جهداً أكبر من مجرد تمرير فكرة على أنها صواب محض, والتعميم مشكلة دائمة لديها مما يبعدها عن العدل الذي من واجب الكاتب الحر أن يتصف به.

مع ذلك قد تكون السعداوي على حق من حيث عدد وفيات الأطفال التي تجرى لهم العملية بشكل غير صحي وفي جوّ غير نظيف وبأيدي غير خبيرة, وهذا ما يجب تنبيه وزارة الصحة السعودية إليه أيضاً إذ يجب قصر عملية ختان الذكور على الجراحين في المستشفيات ومنع إجراءه في العيادات والمستوصفات الخاصة التي يمكن أن نطلق على غالبيتها اسم دكاكين الجزارة, فبقدر ما هي عملية سهلة بقدر ما هي عملية خطيرة إذا لم تجرى بأيد أمينة وخبيرة.

9/7/2007

 

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |