|
كانت صديقتي إحدى الأمهات اللواتي حرصن على متابعة فعاليات معرض التدريب والتعليم
الثاني عشر الذي أقيم في مركز المعارض بغرفة تجارة جدة, فقد أمضى ابنها سنتين في
كلية العلوم فرع الجيولوجيا بجامعة الملك عبد العزيز دون إحساس منه بأن هذا
الاختصاص سيؤمِّن له الاعتماد على نفسه مستقبلا, فالفرص الوظيفية معدومة أمامه
وزملاءه بعد التخرج, في ظل التنافس مع الجامعات الأقوى سواء منها الجامعات داخل
المملكة كجامعة الظهران أو الجامعات خارج المملكة خاصة غير العربية منها؛ وهكذا فقد
ضاعت سنتين من عمر ابنها دون فائدة, لذلك استجابت لنداء الضرورة الذي يقضي بإرساله
إلى ماليزيا للدراسة في جامعة راقية معتمدة من وزارة التعليم العالي, بحيث يكون هذا
الشاب مؤهلا للعمل عند عودته حاملا شهادته العليا, وإلا فما معنى إضاعة الوقت في
دراسة لا نفع منها إذ لا تهيِّئ الشاب إلا للبقاء عالة على أهله؟
هذا كان تفكير صديقتي وابنها, وبعد مراجعتهما للسفارة
الماليزية التي أحالتهما إلى المكتب المختص, وبعد
موافقتهما على دفع كافة التكاليف, جاء معرض التعليم
والتدريب كفرصة سانحة لهذا الشاب كي يشهد عن قرب صورة
مصغّرة عن الجامعة التي سوف يدرس بها, وعندما ذهب
الشاب إلى المعرض سرَّ كثيراً من رؤية سيدة محجبة
تتعامل معه بكامل الاحترام وتحتوي أسئلته بخبرة
المسؤولة الجامعية الحريصة على تقديم الصورة المشرّفة
عن جامعتها وثقافة بلدها؛ وبعد أن عاد إلى المنزل وقد
تبدّد شيء من القلق الذي يحوط أي شاب مقبل على الغربة
والإقامة في مجتمع لا يعرف عنه الكثير, اتفق مع والدته
التي تتقن اللغة الانكليزية أن ترافقه إلى المعرض كي
تساعده على التواصل مع السيدة الماليزية من جهة, وكي
تزول هواجس والدته التي سوف يفارقها لأول مرة في حياته
من جهة أخرى؛ ولكن عندما ذهبت صديقتي مع ابنها كانت
المفاجأة بالمرصاد فقد تم إغلاق الجناح الماليزي!
ما تعرّضت له صديقتي تلك في الجناح الماليزي كانت
صديقة أخرى عرضة لما يشبهه أيضاً, فقد ذهب ابنها
وابنتها اللذان سيتخرّجان هذا العام من المدرسة
العالمية إلى المعرض ليطِّلعا على الاختيارات المتاحة
لهما في حال قررت العائلة إرسالهما إلى الخارج, وقد
فاز الجناح الكندي بإعجابهما لقدرة امرأة ورجل كنديان
على اجتذابهما بتقديم فكرة كلية وتفصيلية عن الجامعات
الكندية, وفي نهاية الأسبوع ذهبت العائلة كلّها لتزور
المعرض, ولكن كانت المفاجأة في الانتظار إذ وجدوا
الجناح الكندي مغلقاً!
من حقّ وواجب العائلة بكاملها أن تتدارس مستقبل
أفرادها, ويأتي مستقبل الأولاد في مقدمة الأولويات
لكلّ عائلة, فقرار الدراسة العليا يجب أن يتكاتف فيه
الابن - أو الابنة - مع الوالدين, فالابن هو الذي سوف
يدرس أما والده فهو الذي سيقدّم المال؛ وفي حال كون
الأم وحيدة - مطلقة أو أرملة - فهي من يقوم مقام الأب,
ولم تعد هذه الحالات قليلة, بل لقد قُدِّر عدد الأسر
التي تعولها المرأة وحدها في المجتمع المصري بنسبة
أكثر من الثلث, ولا شك أن المجتمع السعودي يقترب من
ذلك إن لم نقل يزيد, خاصة إذا تذكّرنا استشراء داء
زواج المسيار؛ فإلى متى تهمَّش المرأة بعد أن أصبحت
شريكة في الإنفاق مع أنه ليس واجبها أساساً؟ ومن هذا
الذي له مصلحة في إعطاء صورة بمنتهى السوء عن المملكة
ونسائها ورجالها؟
يُحسب لصحيفة الوطن نقلها للخبر وتداعياته في عددها
الصادر يوم الاثنين الماضي, ففي صفحة الاقتصاد الأخيرة
نُقل عن السيد صالح التركي رئيس غرفة تجارة جدة أن
الغرفة تُحقِّق في إغلاق الجناح الكندي موضّحاً أن
الشركة المنظّمة للمعرض لا تملك الصلاحية لإغلاق أي
جناح في المعرض لأن غرفة جدة هي المخوَّلة الوحيدة
بذلك, وبيّن التركي أن الغرفة حاولت الاتصال بالسفارة
الكندية في الرياض لتهدئة الموضوع بعد أن اعتبرت أن
إغلاق جناحها غير مبرَّر ومنافٍ للأخلاق المهنية ومضرّ
بصورة السعودية في العالم, كما اتصلت الغرفة بالسفير
السعودي في كندا الذي كان منزعجاً من هذا التصرف بعد
إبلاغه بالأمر من قبل الجهات المعنية في كندا, حيث
حَمَّل الغرفة – في خطاب شديد اللهجة – مسؤولية فشل
جهوده التي قام بها لتحسين العلاقة بين البلدين, وبحسب
التركي فإن السفير السعودي ألغى مؤتمراً صحفياً كان
مقرَّراً له لعدم الوقوع في إحراج بسبب هذا التصرف.
أما بيان السفارة الكندية كما أوردته "الوطن" فقد جاء
فيه:(إن كندا استخدمت أفضل الموظفين لديها من الرجال
والنساء ومن بيئات وثقافات مختلفة لتقديم أفضل
المعلومات ومساعدة الطلاب السعوديين الزائرين لجناحها
في المعرض, ولقد استفسرت السفارة قبل المشاركة عن
إمكانية إرسال موظفات فتمّ إبلاغنا بالموافقة) وتساءل
البيان عن حرمان النساء الكنديات من المشاركة مع أن
المعرض مفتوح للعائلات المختلطة وحضره الرجال والنساء,
كما أكّد البيان أن السفارة والجامعات المشاركة قد
قامت بدفع رسوم الاشتراك في المعرض كما دُفعت نفقات
سفر المندوبين من كندا للمملكة وكذلك لبعض موظفي
السفارة الذين سافروا من الرياض لجدة, فمن المسؤول عن
ضياع الوقت والمال؟
بالطبع يمكن قراءة الخبر كاملا بالعودة إليه لكني
أخببت التأكيد على بعض نقاط هامة أوردها البيان
كإشارته لوجود أكثر من ألف طالب سعودي ينضمّون سنوياً
للدراسة في كندا, وأنا هنا أتساءل عن مغزى أن تغيب
المرأة الكندية من المشاركة رغم أن الجناح كندي, وعلى
فرض أنها لم تلتزم بالضوابط الشرعية كما أوضح ردّ شركة
الحارثي المنظمة للمعارض, فهل الشاب السعودي الذي
سيكمل دراسته في الخارج سيجد علاقته مع المرأة في
البلاد الغربية محفوفة بالضوابط الشرعية؟! ماذا يعني
أن يرى الشاب شعراً أشقر لامرأة حاسرة في جناح غربي؟
هل هو ذاهب إلى الغرب لاصطياد الشقراوات أم للدراسة
وبناء مستقبل؟ أليس في هذا التصرف بمنع النساء
الغربيات من المشاركة في المعارض الجدّية تكريس لنظرة
الغربي إلى السعودي "الشبق" الذي تثيره رؤية امرأة
محتشمة بلباسها ولو حسرت عن شعرها؟
لطالما دافعت عن الحجاب المقبول والذي لا يمنع المرأة
من المشاركة الاجتماعية كشخصية لها استقلالها
وكينونتها, لكن يجب ألا تمنعني تلك القناعة من القول
إن المرأة الغربية يجب أن تَلقى في المملكة أفضل
معاملة حتى لو لم تتقيّد بالتعاليم الشرعية, وأنا
أستند إلى أقوال كثيرة لفقهاء سابقين, فالفقه القديم
الذي يعتمد مفهوم أهل الذمة على أنهم أهل الكتاب
المقيمين في البلاد الإسلامية أو الوافدين إليها لأي
سبب, لا يجيز لأحد أن يجبرهم على التقاليد الإسلامية,
وفي مدوّنة الإمام مالك أنه لا يحقّ للسيد إن كان عبده
ذمياً أن يجبره على شيء من تعاليم الإسلام ولا أن
يمنعه من تناول ما يبيحه دينه مما يحرّمه الإسلام؛
فكيف بهؤلاء الزوار والزائرات وهم ليسوا عبيداً عند
أحد؟ كيف ومصلحة الدين تقضي بالتعامل معهم بكامل
التحضّر والتهذيب كي لا يُطبع ديننا بخاتم الهمجية
والإرهاب؟ كيف إذا كانت المصلحة العامة للبلد ظاهرة
عياناً بياناً كوجود مبتعثين سعوديين وعلاقات اقتصادية
وسوى ذلك؟
المرأة في الجناح الماليزي كانت ملتزمة بالحجاب تماماً
ومع ذلك مُنعت من عرض ما جاءت من أجله, مما يظهر أن
الأزمة كانت مشاركة المرأة سواء بحجاب أو بدونه, وكي
لا أطيل أكثر أحيل القارئ الكريم إلى السيرة النبوية
التي تغصّ بأسماء الصحابيات المشاركات في كل الأنشطة
الاجتماعية ومنها التجارة كأم المؤمنين خديجة وأم قيلة
الأنمارية وغيرهما؛ لذلك فلا مناص من تكرار طرح السؤال
إلى ما لا نهاية: من المسؤول عن تشويه وجهي العملة
الواحدة: الإسلام كدين والمملكة كوطن؟
الوطن السعودية 14/5/2007 |