|
(سعودية تحوّل "تاكسي" إلى غرفة نوم لأن الفنادق ترفضها دون محرم) أحد العناوين
الرئيسية في العربية.نت والتي كانت مادة دسمة لاهتمام القراء, حيث وصل عدد القراء
الذين علّقوا على الخبر 333 قارئاً, وفي تفاصيل الخبر أن امرأة سعودية قدمت من
الدمام إلى الرياض مع ابنتيها لإجراء المقابلة الشخصية لهما من أجل اجتياز امتحان
القبول للابتعاث خارج المملكة, وفي الرياض رفضت الشقق المفروشة استقبالهن بحجة عدم
وجود محرم واشترط أصحاب الشقق إحضار موافقة الشرطة, ولما لجأت الأم إلى مركز شرطة
المعذر بالرياض اعتذر المركز بأن الأمر ليس من اختصاصه بحكم أنهن يملكن أوراقا
ثبوتية وتذاكر السفر, ولم تجد المرأة السعودية حلا سوى أن تعرض على سائق التاكسي
الهندي مبلغاً من المال مقابل أن يؤجّرها التاكسي ليبتنَ داخلها طوال الليل إذ كان
عليهن الوقوف بقائمة الانتظار للمقابلة الشخصية عند
الساعة الخامسة فجراً استعداداً لدخول القاعة السابعة صباحاً؛ وفي الخبر أن السائق
الهندي أبدى تعاطفاً كبيراً مع الأم وبناتها موضّحاً أنه لولا وجود عدد كبير من
أصدقائه في السكن لقدّم لهن غرفته للمبيت, ولم يتردّد بالنوم بالقرب من أحد
المجمعات التجارية حتى الصباح.
عدد التعليقات التي أتيح لي الاطلاع عليها كان مائة
تعليق ويمكن تصنيفها كما يلي: مجموعة أظهرت التألم
لحال هذه المرأة وبناتها وشكر الهندي على شهامته؛
وأخرى ذُهلت من هذا الخبر إلى حدّ عدم تصديقه؛ وثالثة
قامت بتكذيب موقع العربية واتهامه بفبركة الأخبار
الغريبة لجذب القراء أو بقصد الإساءة لقوانين المملكة؛
ورابعة عبّرت عن شماتتها بهذه المرأة التي تجرّأت على
السفر بدون محرم؛ وخامسة طالبت بإنهاء الوصاية على
المرأة بما فيها إشكالية المحرم التي تعقّد أمور
الرجال والنساء على السواء؛ وسادسة سجّلت بعض
الاقتراحات الساخرة مثل استئجار محرم وخاصة أن هذا
الاقتراح يحلّ أزمة العاطلين عن العمل؛ ومجموعة أخيرة
وجهت إصبع الاتهام إلى أسباب تخلّف وضع المرأة وهذه
المجموعة انقسمت إلى فريقين: فريق ضد الإسلام لأنه
المسؤول عن هذا الوضع وفريق يبرّئ الإسلام من هذه
التهمة ويطالب باعتبار القرآن الكريم والسنة النبوية
الصحيحة مرجعية للتعامل مع المرأة.
من الواضح أن الخبر ذو مصداقية كبيرة بسبب ذكر اسم
مراسل العربية.نت في الدمام ووضع اسم مركز شرطة المعذر
بالرياض, وبما أن الشرطة أوضحت للسيدة عدم وجود ما
يمنعها من المبيت في شقة مفروشة, فمعنى ذلك أن امتناع
أصحاب الشقق المفروشة عن إيوائها وابنتيها ليس له أساس
قانوني, بل هو اجتهاد شخصي ينبع غالباً من خوف مالكي
الشقق من تدخّلات المتشددين دينياً الذين قد يقومون
بإغلاق الشقة أو باتّهام مالكها باستعمالها بشكل لا
أخلاقي, إلى غير ذلك من الأساليب التي تصدع رأسه وتسيء
لسمعته وتسدّ عليه باب الرزق, ومن المعلوم أن هذه
الأساليب تصدر عمن يدّعون الحفاظ على الفضيلة والخوف
على الدين بينما هم يشوّهون الدين, لأن الإسلام لا
يمكن أن يقبل بهذه الطريقة الهمجية في التعامل مع
النساء وهو الدين الذي رفع شعار (رفقاً بالقوارير).
هذه الجملة الموحية بكل معاني الاحترام والعناية
بالنساء وجّهها الرسول الكريم لمن كان يقود هودج أم
سليم, وهو أنجشة الحبشي الذي كان يحدو للإبل بصوته
الرخيم, فأسرع جمل أم سليم مما أثار قلق الرسول الكريم
عليها فقال:(يا أَنجشة
رُوَيدَك سَوْقكَ بالقوارير), وقال أبي قلابة راوي
الحديث عن أنس ابن أم سليم رضي الله عنهما: تكلّم رسول
الله بكلمة، لو تكلّم بها بعضكم لعبتموها عليه, يعني
قوله:(سَوْقَكَ بالقَوَارِير)؛ فأبو قلابة أدرك ابتعاد
أهل زمنه عن سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في الرفق
بالنساء كما نعى عليهم تشددهم ومجافاتهم لمقاصد الدين,
وقد أشرت في مقالة سابقة إلى موقف عبد الله بن عمر
الذي كان يروي حديث:(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)
فعلّق ابنه:(والله لنمنعهن, أو يتخذّنه دغلا) وفي هذه
العبارة تخوين للمرأة ورفض لكلام الرسول عليه الصلاة
والسلام, ومن البديهي أن نستنتج أن جماعة (والله
لنمنعهن) في ازدياد منذ ذلك الوقت وقد تعمّقت نظرتهم
التأثيميّة للمرأة مع أن الدين حمّلها المسؤولية عن
نفسها بمجرد بلوغها سن الرشد مثلها في ذلك مثل الرجل,
فأسقط الوصاية عليها وجعلها كاملة المسؤولية والأهلية,
وحدّد القوامة عليها للزوج فقط, وهذه القوامة التي
تشمل الإنفاق عليها لا تعني تهميش دورها في الأسرة,
فالإسلام قد أمر بمشاورة الرجل لزوجته في موضوع ليس
بذي بال وهو رضاعة الطفل منها, فكيف بالأمور الأكثر
أهمية؟
ربما لم يقرأ المتشددون – أو ربما يعرفون ويتجاهلون –
عن مكانة المرأة في العهد النبوي وكيف كانت تشارك
الرجل بكل الأدوار الاجتماعية, ومن المعلوم أن الدور
الأخطر الذي تبوّأته المرأة في ذلك العهد المضيء هو
دور نصرة الدعوة والجهاد, وقد يذهل قارئ كتب السيرة
الصحيحة لما يرد فيها من تأكيد على مكانة المرأة,
وأختار من تلك القصص قصة ليلى الغفارية في غزوة خيبر
كما أوردها ابن سعد في طبقاته فقد قالت: كنت
جارية حديثة السنّ فأردفني رسول الله صلى الله عليه
وسلم حقيبة رحله فنزل إلى الصبح فأناخ وإذا أنا
بالحقيبة عليها أثر دم مني وكانت أول حيضة حضتها
فتقبّضت إلى الناقة واستحييت فلما رأى رسول الله عليه
الصلاة والسلام ما بي ورأى الدم قال:(لعلّك نَفَسْتِ؟)
قلت: نعم, قال: (فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء ثم
اطرحي فيه ملحاً ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم
عودي), فهذه الفتاة التي بلغت سن المحيض لم يمنعها
الرسول عليه الصلاة والسلام من الارتداف خلفه, ولم
يسألها عن محرمها, بل إن تتمة كلامها تظهر تقديره لها
وللنساء اللواتي خرجن معه بمنحهن نصيبهن من الغنائم,
إذ تقول:(وأخذ هذه القلادة التي في عنقي فأعطانيها
وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبداً), ولنا
أن نتصوّر الآن شابة تقوم بعمل فذٍّ – أو تفوز بجائزة
ما - كهذه الفتاة ويقوم ولي الأمر بتقليدها ميدالية في
عنقها مكافأة لها على عملها, فما الذي سيقوله
المتشددون عندها؟
العلاقة بين الفقه المتشدد والفكر الضالّ أصبحت واضحة
ومحسومة, فالتشدد هو الخروج عن الفطرة وهو الغلو في
الدين, والشخص المتشدّد يظن أن معتقداته المغالية هي
الإسلام الحق فيقنع نفسه – وربما غيره - بهلاك كل من
لا ينتسب إلى نفس منهجه "التطهّري", ويكفّر المجتمع
الذي يبحث عن الرشد واليسر, ويعادي الدولة التي تنحى
نحو فهم أرحب للدين متلائم مع تغيرات العصر؛ فهذا
الفقه المتشدّد يجب أن يردّ بفقه ضارب في أعماق أصول
المصالح التي لا تجافي فطرة ولا تحابي أحداً, وإنها
مسؤولية كبيرة حمّلها رسول الله عليه الصلاة والسلام
لعلماء الدين الحقيقيين عندما قال:(يحمل هذا
العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين،
وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين).
في مكة والمدينة وهما أقدس بقاع الأرض تستطيع أي امرأة
أن تستأجر شقة مفروشة بمجرد إظهار هويتها أو إقامتها,
أما تلك السيدة وابنتيها فقد كنّ عرضة لخطر المبيت في
الشارع, ولو أن ذلك الهندي كان نذلا واتصل ببعض
أصدقائه وتآمر معهم على اصطحاب تلك السيدة وابنتيها
إلى منزله وهناك قام بفعل كل ما يمكن فعله بهن من سرقة
واغتصاب وقتل, فمن المسؤول وقتها عن ذلك المصير
البائس؟
لا تفتأ مريضاتي يعتذرن لي عن تأخرهن بالمراجعة في
العيادة رغم أهمية الأمر وذلك بسبب انشغال محارمهن
بأعمالهم, فلا بدّ للمرأة من محرم حتى لو ذهبت للبقالة
القريبة, ومن أطرف ما روته لي قريبتي التي تقطن في
الرياض أنها عندما اصطحبت ابنها لمراجعة طبيب استقلت
تاكسي وأخبرت السائق الآسيوي بمكان المستشفى فأخذها من
طريق لا تعلمه, فطلبت منه أن يقود كما تأمره أو أن
يتوقف وينزلها, فإذا به يجيبها بلغة عربية
"مكسرة":(أنتَ حرمة.. ما في كلام!) وعلى افتراض أنه
كان بنغالياً أو هندياً أو باكستانياً أو أندونيسياً
أو فليبينياً لتذكّر أن رئيسة بلده أو رئيسة وزرائه
كانت يوماً ما امرأة, ولكنها ثقافة المكان التي تلقي
بظلال قاتمة على وضع المرأة فإلى متى؟
الوطن السعودية 30/4/2007 |