|
إحدى حلقات برنامج أوبرا وينفري اعتصرت قلوب كثيرين ممن شاهدوها, فقد كانت حول
الاسترقاق الذي يتعرّض له بعض الأطفال في جنوب أفريقيا ويساهم فيه الأهل الذين
يبيعون الولد بعشرين دولاراً, فأحدهم باع ثلاثة من أطفاله يتراوح أعمارهم بين
السادسة والعاشرة لأن لديه 22 ولداً وبنتاً عجز عن تأمين أدنى متطلّباتهم الحياتية
بعد أن اتّفق عليه الفقر وكبر حجم العائلة, وإحداهن باعت طفلها البالغ من العمر 6
سنوات كي تتمكّن من دفع تكاليف علاج والده في المستشفى, إلى آخر تلك الأسباب التي
يدفع فيها الأبناء ثمن أخطاء الآباء, أو بالأحرى ثمن أخطاء المجتمع كله الذي لم
يساعد هؤلاء الفقراء على تدبّر أمر مصروفاتهم العادية والعلاجية إضافة إلى أنه خطأ
السياسة التي لم تعتنِ بتوعية أولئك الآباء والأمهات حول ضرورة تحديد النسل بشكل
يتماشى مع عائد الدخل.
ساهم كلٌّ من الصوت والصورة في الحلقة المشار إليها
بالتأثير علينا كمشاهدين, لكن الخبر الذي أوردته جريدة
الوطن في الأسبوع الماضي لم يكن أقل تأثيراً رغم أنه
خبر في صحيفة وليس فيلماً وثائقياً في برنامج
تلفزيوني؛ وفي الخبر أن الطفل (ن) كان ضحية لطلاق
والدته من والده وهو لم يزل جنيناً في بطنها, وكبر
الطفل في كنف والدته وأسرتها دون أن يرى والده الذي
اكتفى بحياته الجديدة مع زوجته الثانية, ولما وصل
الولد لسن دخول المدرسة رفض الأب منح مطلقته شهادة
ميلاد الطفل وطلب حضانته, وكانت تلك أول مرة يرى فيها
الطفل أباه؛ الذي منع الأم أن ترى طفلها فيما بعد لولا
تدخلات البعض, حيث فوجئت بآثار الحروق والكدمات على
يديه الصغيرتين وعلى بطنه وصدره وأقدامه, وقد بدا
خائفاً لدى سؤال والدته له عمّن فعل به ذلك, ثم حكى
لها فصولا من سوء المعاملة التي تعرّض لها في منزل
والده؛ فقرّرت الأم عرض طفلها على طبيب نفسي وبدأت بعد
ذلك متابعة علاجه عبر جلسات نفسية لتدهور حالته حيث
كان يرفض الأكل والشرب ويجلس وحيداً في غرفته ويخاف من
كل شيء ويقضم أظافره باستمرار ويبكي ويصرخ وهو نائم؛
وأما آخر فصول هذه القصة فقد كان آخر فصول حياة الطفل,
إذ تزوّجت الأم واستردّه الأب وأُدخل الطفل مرة أخرى
المستشفى النفسي الذي مكث فيه شهراً وحيداً أسلم الروح
بعده, وكان تقرير المستشفى أنه مات من أثر الحمى, أما
تعليق محرر الخبر فهو أن هذا الطفل قبل أن تقتله الحمى
قتلته أنانية الآخرين ورغبتهم في الانتقام.
محرر الوطن لم يكن حيادياً في تعليقه على الخبر,
وأوبرا لم تكن حيادية فقد غصّت بدمعها وامتنع عليها
إكمال حديثها عدة مرات, ومعهما كامل الحق إذ عندما
تُنتهَك الطفولة البريئة فإنها تقوم بتحميل وزر هذا
الانتهاك لكل من لم يستطع حمايتها من غلظة أكباد
الآباء, ولكن من يستطيع أن يصدق أن أماً طبيعية تتخلى
عن طفلها من أجل أن تعالج زوجها؟ في البرنامج ظهرت
الأم البائعة لطفلها وقد ركبها الخجل من فعلتها
الآثمة؛ وظهر طفل آخر حُرّر من العبودية وأُسلم إلى
مدرسة لتأهيله نفسياً ودراسياً رفض أن يذهب إلى أمه
عندما أتى بها البرنامج لتزوره وكأنه يعاقبها على
تخلّيها عنه؛ وثمة سؤال يتردّد دون قرار أو جواب:
لماذا تخلّت الأم - في خبر الوطن - عن طفلها وتزوّجت
رغم أنها رأت ما فعلت به اليد الآثمة؟ لم يبدُ أنها
كانت بحاجة ماسة للزواج فحسب الخبر أنها ربّت الطفل
لمدة ست سنوات على الأقل؛ ثم تخلّت عن حضانته لأبيه,
ولكن ما الذي اضطرها إلى الزواج؟ أليست تتحمّل الذنب
هي الأخرى؟ إذا راجعنا معلوماتنا الدينية نجد أن
الأطفال المتوفين يكونون شفعاء لآبائهم وأمهاتهم يوم
القيامة فلمن يشفع هذا الطفل؟!
هذه الأسئلة التي طرحتها ليست بقصد التحامل على هذه
الأم وتجريمها, فالأب هو المجرم الأول بالتأكيد, لكني
لا أفهم كيف تتخلّى الأم عن الأمومة الرحيمة التي قرّب
بها رسول الله عليه الصلاة والسلام لأصحابه المثل عن
رحمة الله, عندما رأوا إحدى الأسيرات وقد تحلّب ثدياها
وهي تبحث عن طفلها, فما إن رأته حتى احتضنته وألقمته
ثديها, وعندها قال الرسول الرحيم:(الله أرحم بكم من
هذه الأم بولدها), فأين ذهبت رحمة الأمهات في البرنامج
والخبر؟
في قراءتي السابقة لبعض كتب الدكتورة نوال السعداوي
كانت تصرّ على عرض فكرتها عن الأمومة على أنها كذبة
اخترعها الرجل ليقيّد المرأة بأطفالها أمام المجتمع,
إذ يستطيع أن يفعل الأفاعيل بزوجته التي تضطر أن تقبل
الذل من أجل أن لا يكون الأولاد ضحايا نزوات الأب,
وللأسف فإن السعداوي أثبتت قصر نظرها في هذا الأمر,
رغم أنها طبيبة, فقد تعلّمنا في الطب أن هناك ما يسمّى
"متلازمة الحنان" تحدث أحياناً عند فتاة عازبة بمجرد
أن تشعر بالحنان يسري في وجدانها تجاه طفل فإذا باللبن
يسري في ثدييها, ويطلق على هذه الفتاة اسم "العذراء
الحلوب", ودائماً هو الحنان الذي يجعل رزق المولود
يسيل من ثدي أمّه إلى فمه, فما الذي يدفع الأم أن
تتخلّى عن حنانها؟!
ليس السؤال مكرراً من أجل لا شيء, بل لأنني منذ فترة
ليست قصيرة بدأت ألاحظ في المجتمع العربي عامة
والمجتمع السعودي خاصة هذا الأمر – لا أحبذ أن أسميه
بالظاهرة لأنني آمل ألا يتسع - الذي لا يقبله عقل سليم
ولا يبرّره وجدان حي, ألا وهو زواج الأم المطلقة
والتخلي عن أولادها لأبيهم؛ وأنا هنا لا أنعى على الأم
المحتاجة التي تقبل أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة
أو الرابعة شرط أن تبقي أولادها تحت جناحيها, لكن
العجب كل العجب من أم مطلقة ليست بحاجة إلى مال؛ ثم
بمجرّد أن يلوح خاطب في الأفق فإذا بها ترمي أولادها
لأبيهم دون أدنى جهد بالتفاوض معه على الحياة الأنسب
لأولادها, وكأنهم يقعون في الدرجة الأخيرة من سلم
أولوياتها؛ وقد يقول قائل: إن المجتمع لا يرحم تلك
المطلقة ولذلك تبحث عمن "يسترها", ومع التفهّم الكامل
لهذا الرأي لكنه يُقبل كتفسير وليس كتبرير لهذا الظلم
الواقع على الطفل عندما تتخلّى عنه من يُفترض بها أن
تكون نبع الحنان, فرضي الله عن أبي بكر الصديق وأرضاه
عندما كان خليفة المسلمين وجاءه عمر بن الخطاب يريد أن
ينزع ابنه من حضانة أمه بعد إذ رأى جدته – أم أمه- ذات
يوم تحمله, فأبقاه أبو بكر في حضانة أمه قائلا
لعمر:(ريحها وفراشها وحرها خير له منك حتى يشب ويختار
لنفسه).
لعلّ القارئ الكريم يعيد قراءة هذه الكلمات الرائعة:
(ريحها وفراشها وحرها), والكلمة الأخيرة يقصد بها دفء
الأم, ومن ذا لا يعلم ماذا تعني رائحة الأم لطفلها؟ إن
الطفل المولود حديثاً يستطيع أن يتعرّف إلى أمه من
رائحتها, فيسكن بمجرد اقترابها منه, وكيف لا يفعل وهو
الذي بقي مجاوراً لأحشائها تسعة أشهر؟ وأما فراش الأم
فهو يعني الدفء أيضاً ورائحة الحبيبة والضمّ واللثم
والهدهدات الغنائية والحكايات الشعبية التي تجعل الطفل
يعيش في جوّ من الخيال والجمال, وهنا علينا أن نتذكر
فيلم تايتانك إبان غرق السفينة والذعر الذي ألَمّ
بركابها إلا امرأة احتفظت برباطة جأشها من أجل أطفالها
وبدأت بقصّ الحكايات لهم كي تحيطهم بشعور من الأمان,
وكأن تلك اللقطة تصوّر قدرة الأم التي لا تضاهيها قدرة
أخرى على منح الأمن للطفل في أقسى ظروف الحياة.
أظهرت أوبرا لمشاهدي تلك الحلقة تحقيقاً لصحيفة
نيويورك تايمز حول الأطفال الأرقاء, وكانت نظرة أحدهم
قد منعت النوم عن عينيها فأوفدت مراسلة برنامجها لتصل
إليهم, وهناك اكتشفت المراسلة أن سيدة أمريكية بيضاء
قد سبقت البرنامج وقامت وحدها بتحرير 7 أطفال من إسار
الرق, ثم أخبرت أوبرا المشاهدين أن غالب ضيوفها
السابقين كانوا من مشاهير السياسيين والمثقفين
والفنانين ولكن تلك السيدة هي الوحيدة التي تستحقّ
تحية الوقوف إجلالا وذلك لموقفها من هؤلاء الأطفال
وعدم تركهم لمصيرهم الأسود؛ ومن خلال حوار أوبرا معها
تبيّن أن تحقيق نيويورك تايمز هو الذي دفعها للتحرك
الإيجابي فلم تكتف بذرف الدموع في نفس اليوم متناسية
الموضوع في اليوم التالي.
بقي أن يُطرح سؤال كمقارنة بين مشهد الأطفال ضحايا
الاسترقاق وضحايا الطلاق: لماذا نفتقد الإيجابية في
مجتمعاتنا العربية؟ السيدة البيضاء امرأة شعرت
بالأمومة تجاه ذلك الطفل ذي النظرة الأليمة في الصورة
فأيقظ وجدانها مما جعلها تسافر من قارة إلى قارة, ونحن
بيننا مئات الآلاف من ضحايا الطلاق الذين سيتحوّلون
إلى مرضى نفسيين في أغلب الأحوال وإلى مجرمين في
أسوئها, فأين دور السياسة من تفعيل بعض القرارات التي
تحفظ حقوق هؤلاء الضحايا كما فعل أبو بكر رضي الله
عنه؟ وإذا تضاءلت عاطفة الأمومة لدى أمهاتهم الأصليات
فأين النساء الخيّرات من الشعور بالأمومة تجاههم؟ أم
أن المرأة تبقى صفراً على الشمال مادامت النظرة
السائدة تقضي بنقص عقلها وبضرورة تكبيل حريتها هي
الأخرى؟ فكيف تنقذ غيرها وهي نفسها بحاجة إلى الإنقاذ؟
صدق من قال: فاقد الشيء لا يعطيه.
الوطن السعودية 26/3/2007 |