|
أنقذت مواطنة في العقد الرابع من العمر 3 شبان تتراوح أعمارهم بين 17 و20 عاماً
بعدما عثرت عليهم في روضة التنهات شرق منطقة القصيم بـ 280 كيلو متراً تقريباً
وكانت
سيارتهم غائرة وسط الرمال من نوع "هايلوكس غمارتين"؛ وأثناء تجول السيدة
الأربعينية على سيارتها "الجيب نيسان" في المكان عثرت على الشباب وهم يحاولون رفع
السيارة من وسط كثبان الرمال لمدة ساعتين دون فائدة؛ فما كان من المرأة إلا التوقف
بالقرب من سيارتهم وعرض المساعدة عليهم بعد
التأكد من حقيقة الأمر؛ وقد قامت المرأة
بسحب واستخراج السيارة من مكان علوقها في الرمال، كما قامت بإرشادهم إلى الطريق
الذي يجب سلكه حتى لا يتعرضوا لنفس الموقف.
هذا الخبر الممتاز تفرّدت به صحيفة الوطن في عددها
ليوم الجمعة الماضي, ولم آت به هنا لأطرح تساؤلا حول
التناقض بين إباحة القيادة للمرأة في خلاء الصحراء
وبين منعها منه في زحمة المدينة, مع أنه تساؤل مشروع,
لكن لأتمنى لو أنني كنت ذات منصب يخوّلني منح جائزة
لهذه السيدة التي أنقذت حياة ثلاثة شبان, وأغلبنا قد
قرأ سابقاً عن أولئك الناس الذين تاهوا في الصحراء أو
غارت سياراتهم في الرمال فانتهت حياتهم بشكل مأساوي
جوعاً وبرداً, حيث في الصحراء لا يعمل الهاتف الخليوي
ولا تسمع سوى الرمال صدى الاستغاثة, لذلك فهؤلاء
الشبان يدينون بحياتهم – من بعد الله – لهذه السيدة
الشجاعة.
بحكم مهنتي كطبيبة فقد تمكّنت بفضل الله من إنقاذ حياة
كثيرين, وأكثر حادث عالق في ذاكرتي هو أولها عندما
ذهبت إلى مركز عملي الريفي في أول يوم لممارستي مهنة
الطب, ووافق ذلك اليوم وجود مناسبة عند أهل القرية, لم
أعد أذكر ما هي بالضبط, ولكني أذكر مجيء ثلاثة شبان
يقرعون باب العيادة مستنجدين بي لأن رجلاً كبير السن
قد أغمي عليه بسبب الازدحام, فخرجت معهم فإذا أحدهم قد
ركب خلف الآخر على دراجة نارية, وجاء الثالث في "وانيت"
ذات كرسي أمامي فقط, وكان الخيار أمامي وحيداً وهو
الركوب إلى جانب سائق الوانيت لأني أجبن من أن أكون
رديف سائق دراجة نارية من جهة, ومن جهة أخرى خشيت أن
أضطر للاستمساك به في شوارع القرية غير المعبدة جيداً,
ولما وصلت إلى المكان طلبت من الجميع الخروج إلا أهل
المصاب, وسألتهم عن سوابقه المرضية فعلمت أنه مريض
بارتفاع الضغط, وقد ارتفع يومها إلى حدٍّ عال جداً,
فحقنته بإبرة "لازكس" في الوريد ببطء شديد, وما هي إلا
ثوان حتى أفاق من غيبوبته.
سفر المرأة البدوية وحدها في الصحراء لا يثير أي
اعتراض في نظر المغرضين المتشددين في قضايا المرأة,
رغم أنها تقطع الوديان والقفار بسيارتها دون محرم في
الغالب, بعكس إذا ما كانت هذه المرأة حضرية, مثل قصتي
عن ممارستي الطبية الأولى التي أوردتها للتو إذ غالباً
يثيرهم أني ركبت قرب السائق في وانيت, ففي نظرهم هذه
خلوة غير شرعية, عدا أنها جانب السائق وليست خلفه,
ولكنها في الحقيقة ليست كذلك, فعندما تكون الضرورة هي
المصلحة الوحيدة فلا بد من الأخذ بها, وقد عرض النبي
عليه الصلاة والسلام على أسماء بنت أبي بكر أن يردفها
خلفه على ناقته عندما كانت تحمل نوى التمر لتعلف فرس
زوجها الزبير بن العوام؛ ولكنها امتنعت ليس لعدم وجود
الضرورة بل لأنها تذكرت غيرة زوجها, ومن المعلوم أن
الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ليقارب أمراً يثير
الغيرة الطبيعية لدى رجل, والزبير كان معروفاً بالغيرة
الشديدة, وكل رجل معذور في غيرته على زوجته, إلا أن
تصل إلى حد الغيرة المرَضية فهي مما لا يقبله الشرع,
وفي الحديث الشريف:(إن من الغيرة غيرة لا يحبها الله
وهي غيرة الرجل على أهله في غير ما ريبة), وهنا يتصاعد
سؤال: ماذا نقول عن الغيرة المرضية إذا تحوّلت من
شكلها الخاص - أي من الرجل على زوجته - إلى غيرة عامة
أي من قبل كل الرجال على كل النساء؟ لا بل ماذا نقول
عندما تصدر هذه الغيرة من امرأة على غيرها من النساء
بدون أدنى داعٍ؟
في خبر تكريم الولايات الأمريكية المتحدة لعشر نساء
وُصفن بالشجاعات كانت إحداهن الدكتورة سامية العامودي,
فقد واجهت إصابتها بسرطان الثدي بكل شجاعة واستفادت من
تجربتها مع المرض لتساهم في تحذير النساء منه عبر بعض
المقالات والندوات, وأنا إذ أدعو لها بالعفو والعافية
التامة, وأبارك لها هذا التقدير, أريد أن أسأل عن غياب
إفادتها لمجتمعها بتجربتها في ممارسة مهنة الطب التي
تستدعي الاختلاط بالرجال, وهي المهنة التي يحذّر منها
بعض المتشددين فيكيلون التهم للطبيبات ومثلهن
الممرضات, ومنهم تحديداً كاتبة سعودية أثنت على
الدكتورة سامية, ولكنها تهجّمت على القرار الشجاع
لوزارة العمل في عمل النساء في بيع المستلزمات
النسائية, بحكم أن هذه المهنة تقتضي اختلاطاً بالرجال,
فلماذا كالت الكاتبة بمكيالين مختلفين؟ منذ عدة سنوات
رأيت بأم عيني الدكتورة العامودي جالسة - بكل احترام –
قرب بعض زملاء المهنة لدى مشاركتها في ندوة حول سن
اليأس والهرمونات المعيضة, فلماذا يمكن للطبيبة أن
تمارس مهنتها وتشارك في بناء مجتمعها باحترام وحشمة,
ولا يمكن ذلك للبائعة في محل خاص بها إذا كانت محترمة
لنفسها ومحتشمة في ملابسها؟ بل كيف يسمح بذلك للبائعة
على الرصيف والمفترشة لقارعة الطريق بشكل عشوائي ولا
حضاري, وغير مسموح بالبيع لمن تريد أن تطلب الرزق بشكل
متحضر وراقٍ؟
هذا الميزان المتناقض هو أحد أسباب الرزايا في
المجتمعات العربية, ومنها المجتمع السعودي, لأن
استمرار منع النساء من اتخاذ مهن شريفة تساعدهن على
الكسب والإنفاق على أنفسهن ومن يعتمدون عليهن, قد يؤدي
إلى وقوعهن فريسة الأعمال غير الشريفة, التي تعتبر
منطقة يحرم التعرض لها بالكتابة في مجتمع محافظ,
وللأسف لا يشعر أحد بمأساة امرأة أرملة أو مطلقة تخلّى
عنها الذكور في العائلة فباءت بحملٍ من الأطفال تئن
به, وإذا كان المثل العربي يقول:(تجوع الحرة ولا ترضع
بثدييها) فلنكن صرحاء ونقول: إن المجتمع الذكوري
العربي – عموماً - فقد خواصه في الشهامة والنخوة
والمروءة بعد التحولات الصناعية عامة والتكنولوجية
خاصة, والتي جعلت العلاقات بين البشر تقوم على أساس
المصلحة, لا على أساس الأخلاق, والدليل على ذلك ازدياد
الأثرياء ثراء والفقراء فقرا, وبالطبع فإن الفقر أول
ما يعرّج في طريقه على النساء اللواتي يقمن بمهمة
الوالدين معاً لغياب الأب, سواء كان هذا الغياب
إجبارياً كما في الترمّل والعجز أو اختيارياً كما في
الطلاق والخلع؛ ولذلك فإن هؤلاء النسوة الصامدات أمام
البلاء واللواتي تأبى إحداهن الرزق المغمّس بأمر تكرهه
نفسها الحرة وتأنف منه فطرتها الحيّية, فتسعى بكل ما
أوتيت من عزيمة وإصرار للنضال والكفاح من أجل تأمين
لقمة عيش لأطفالها, هن من يستأهلن وسام الشجاعة وهنّ
من يجب أن يلقى الضوء على تجاربهن ومعاناتهن.
إذا كانت الدكتورة سامية العامودي قد أشير لها بالبنان
– قبل أن تكرمها أمريكا – بسبب شجاعتها في قصّ حكايتها
مع السرطان, فهي تستحق ذلك فعلا, لكن ألا يمكن أن تصاب
المرأة بـ "سرطان" نفسي بسبب عنف وقع عليها في ماضيها
أو حاضرها؟ لماذا ترفض مجتمعاتنا العربية أن تقص امرأة
تجربتها مع ابتلاء نفسي أو أسري أو اجتماعي؟ هل
تستطيع إحدى المتحرَّش بهن جنسياً مثلا أن تحكي
تجربتها دون أن تطالها الألسن بالشتائم والبذاءات رغم
أنها ليست سوى ضحية لنزوة ذكر في العائلة أو وحش
خارجها؟ أوبرا وينفري كامرأة أمريكية قصّت تجربتها مع
عمها المتحرش بها عندما كانت طفلة, كي تفيد بخبرتها في
تجاوز الآثار النفسية للتحرش من يعانون منها, ولكن
أقلاما عربية – غالبا سعودية – انتقدتها ووصفتها بأنها
لا تستحي من ذلك بل تفخر به!
أرجو ألا يفهم مثالي عن أوبرا أني أدعو إلى تبني كل ما
تبشّر به, لكن يوم المرأة العالمي الذي مر دون كبير
إشارة إليه في وسائل إعلامنا العربية قد حمل عنواناً
كبيراً برفع الحصانة عن الرجل العنيف تجاه المرأة, لذا
نحن بحاجة إلى نساء شجاعات يعلّمن المرأة كيف تكون أول
من يوقف عنف الرجل تجاهها, سواء تمثّل ذلك العنف بشكل
مادي جسدي أو باستغلال جنسي, أو كان معنوياً بشكله
الوصائي المتلبّس بالفهم الخاطئ للقوامة والولاية
وغيرهما مما شرعه الله لصالح الرجل والمرأة معاً, وهو
الفهم الذي يبرّر لأصحابه تهميش المرأة بالنظر إليها
كشيء لا قيمة له سوى بعده الجسدي, وهذا العنف المعنوي
الوصائي لا يختلف كثيراً عن العنف الناعم والذي يغري
المرأة للظهور كسلعة جنسية, إذ إن كليهما يدمّر
الأعماق الإنسانية للمرأة.
الوطن السعودية 12/3/2007 |