|
عندما كتبت
مقالتي السابقة
( هل النساء ناقصات عقل ودين؟) لم أكن أتوقع أن أصداءها ستعود إليّ بهذا الشكل
الحارّ, خاصةً أني كتبتها وأنا أصارع الأنفلونزا التي يبدو أنها رفعت حرارة المقالة
فأتى تأثيرها واضحاً على بعض القرّاء؛ فما كتبته لا يختلف كثيراً عما أوردته منذ
عامين عبر موقع (إسلام أون لاين) كردٍّ على تعليقٍ وردني على إحدى إجاباتي فيما يخص
موضوع المرأة؛ والسؤال والإجابة والتعليق كلّها موجودةٌ في كتاب (أسئلة محرجة
وأجوبة صريحة) الذي جمعت في أجزائه الثلاثة حلولاً لمشاكل اجتماعية تخصّ الشباب
والزواج والأولاد.
يهمّني هنا أن أعرض لتعليقين على مقالتي المذكورة, اتفقا بأن وصفاها
بالرائعة مما يوجب حمد الله وشكر القارئَيْن اللذين
اختلفا بوجهتيْ النظر حول نقص عقل المرأة, فالقارئ
الأول استدلّ على نقص عقلها بآية الشهادة, وأوصاني
بالصبر والرضا بقضاء الله كونه خلقني امرأةً؛ والقارئ
الثاني استنتج أن عقل المرأة أكبر من عقل الرجل وشمّ
من بعض الكلمات التي وردت كالقوامة والحماية رائحة
إرثٍ شرقيٍّ تقليديٍّ؛ وأنا كأيّ كاتبٍ يعتز بتواصل
القراء معه, بل ويشجّعهم على ذلك, رأيت أن تكون
هذه المقالة ردّاً علنيّاً
على التعليقين لتكون الفائدة أعمّ وأكبر, فقد كان "جيبون"
على حقٍّ عندما قال:
«المحادثة
تثري الفهم ولكن الاعتكاف هو مدرسة العبقرية»
فلندع الاعتكاف لمكانه وزمانه, ولنخصص هذه المساحة
لمحادثة القرّاء الأعزاء.
من الغريب أن يفهم القارئ الأول أني معترضةٌ على قضاء الله ،على
الرغم من أني ذكرت اعتزازي، وأنا امرأةٌ، بحديث
ناقصات العقل والدين, وكيف أعترض وأنا أقرأ الآية
الكريمة:
}ولا تتمنوا ما
فضلّ الله به بعضكم على بعضٍ, للرجال نصيبٌ مما
اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن{؟[النساء4/32].
أما آية الشهادة
}واستشهدوا
شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان..{[البقرة2/282],
فهذا موضوعٌ يطول شرحه لذلك أختصره من كلام الدكتور
البوطي كما يلي:« إن الشروط التي تراعى في الشهادة ليست عائدةً إلى وصف الذكورة أو
الأنوثة في الشاهد، ولكنها عائدةٌ في مجموعها إلى
أمرين اثنين:
أولهما: عدالة الشاهد وضبطه.
وثانيهما:
أن تكون بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها صلةٌ تجعله
مؤهّلاً للدراية بها والشهادة فيها. وانطلاقاً من
هذا فإن الشارع الكريم يرى شهادة الرجل أهم من شهادة
المرأة في وصف جنايةٍ ما، وكيفية ارتكاب الجاني لها،
إذ إنّ تعامل المرأة مع الجرائم وجنايات القتل
ونحوها، يكاد يكون من شدّة الندرة معدوماً،
والأرجح أنها إن صادفت شيئاً من هذا القبيل، فلن
تستطيع الثبات إلا إذا امتلكت القدرة على ذلك بسبب
التربية أو المهنة أو غيره. وعلى العكس من ذلك شهادة
المرأة في أمور الرضاع والحضانة والنسب, فإن الأولوية
فيها لشهادة المرأة، إذ هي أكثر اتصالاً بهذه الأمور
من الرجل؛ بل ذهب الشّعبي إلى أن هذه الأمور مما لا
يصح فيها إلا شهادة النساء».
وللمسألة تفصيلٌ طويلٌ لا يسعه المجال هنا, لكن أنبّه
إلى أن هذه الآية يستدلّ بها من يريدون أن ينخرَ سوسُ
التغريب في عقول نسائنا بأن الإسلام ظلم المرأة وجعلها
ناقصة العقل والأهلية, بينما السؤال الذي كان يُفترض
ألا يغيب عن ذهن الأخ مرسل التعليق: كيف تكون المرأة
ناقصة عقلٍ ومع ذلك هي مكلَّفةٌ مثل الرجل، ومعاقبَةٌ
مثله، ومُثابةٌ مثله أيضاً؟ وكيف يقرِن الرسول صلى
الله عليه وسلم بين نقص العقل في المرأة وذهابها بلبِّ
الرجل الحازم إذا لم يكن هذا الرجل هو زوجها تحديداً؟!
هل يُسمح للمرأة أن تذهب بلبّ أي رجل؟! وأما من أرسل
يستشهد بحديث:«إن
المرأة خُلقت من ضلع أعوج..» فتتمة الحديث:
«فإن استمتعتَ بها
استمتعتَ بها وبها عوج»
فمن الذي يستمتع بالمرأة إذا لم يكن زوجها؟؟!!
أما القارئ الثاني فيبدو تأثّره بأفكار دعاة النسوية الذين يقولون:
إنّ الأنثى هي الأصل، ويستدلّون بحفريّات ما قبل
التاريخ، وبما سميّ العصر الأمومي، حيث كانت المرأة
تقوم بمهمّة الرجل كالبحث عن موارد الرزق، بينما يهتمّ
الرجل بالأطفال, فعلى فرض صحة هذا الكلام – مع أنه لا
يتعدّى النظريّات – فما الذي جعل المرأة تتنازل للرجل
عن هذه المكانة بحيث يصبح هو مسؤولاً عن الأسرة بدلاً
من أن تتفرّد هي بهذه المسؤولية؟ السبب ببساطةٍ أنها
وجدت مهمّة سعيها في الأرض غير متناغمة مع فطرة الحنان
على أطفالها من جهة، ولا متّسقة مع فطرة الحياء التي
جُبلت عليها أكثر من الرجل من جهةٍ أخرىٍ, كما وجد
الرجل نفسه مقيداً بسلسلة رعاية الأطفال والصبر عليهم
وتبديل "حفاضاتهم" الداخلية – لم يكونوا يستخدمون
(البامبرز) بالتأكيد!- ووجد أن طفله الرضيع يبكي فلما
ألقمه ثديه لم يدرّ حليباً, ولما رأى البقرة أمامه لم
يعرف كيف يجعل ضرعها في فم طفله, ولا بدّ أنّ كثيراً
من الأطفال ماتوا بسبب تجارب آبائهم المغفّلة، أو تحت
حوافر الأبقار غير المؤهّلة, وهكذا عاد كل من الأب
والأم لرشدهما وأخذا أدوارهما الطبيعية كما أراد الله
لهما, فهل يريدنا دعاة النسويّة أن نكرّر تجارب
أجدادنا التاريخيين, هذا إذا كانت ادعاءاتهم صحيحةً
وليست ضرباً من الخيال؟! إذن فالقوامة التي هي
المسؤولية عن الإنفاق والحماية ليست إرثاً شرقياً،
وإنما هي درجةٌ من لدن حكيمٍ خبيرٍ
}وللرجال
عليهن درجة{[النساء4/34]، والقوامة مسؤوليةٌ وليست تفضيلاً كما بينت في
مقال (هل نشهد تراجعات عن
بيان إرهاب المرأة؟).
وقد يخطر للقارئ أن يقول: فهمت موضوع السعي في الأرض
والإنفاق، فما قصة الحماية هذه؟ فأقول: تخيّل لو أن
لصّاً دخل منزل جارك - وأنت مطّلعٌ على ما يدور فيه-
فرأيت زوجته تذهب إلى المطبخ وتحضر أكبر سكينٍ أو
ساطورٍ لتهجم به على اللص, بينما زوجها يرتجف أو يختبئ
مع الأطفال في ركنٍ قصيٍّ من المنزل كي لا يراه اللصّ,
أفلا تشغل بالك قصّة جارك وتجعل منها أضحوكةً تتسلّى
بها مع جيرانك الآخرين؟ قد يقول القارئ: إن هذا عائدٌ
إلى عادات المجتمع وتقاليده, وأتفق هنا معه إذ للمجتمع
دورٌ كبيرٌ في الأمر, لكنّ المرأة لن تسعد إلا في ظلّ
رجلٍ تجد لديه الأمان, كما أن الرجل بحاجةٍ إلى ما
تتميز به الأنثى من الحنان؛ أفلا ينطق هذا بالمساواة
بينهما, رغم اختلاف المواهب والأدوار, دون تفضيل
أحدهما على الآخر؟
في محاضرتي (تحرير المرأة المعاصرة وفق مفاهيم الأصالة) التي
تشرَّفتُ بإلقائها في منتدى نساء الأعمال الاقتصادي في
المنطقة الشرقية برعاية سموّ الأميرة مشاعل بنت فيصل,
تعرّضت لأسئلةٍ من هذا النوع, وكانت المحاضرة تدور حول
محورين: تحرير المرأة في الإسلام, والنظرة الدونية
للمرأة التي كان سببها إمّا دعاة التقليد أو المنادون
بالتغريب, وتألّقت الحاضراتُ ذكاءً وقّاداً وتفاعلاً
راقياً, وكان أهمّ سؤالٍ وُجِّه إليّ: كيف نغيّر هذه
النظرة الدونية؟ وكان جوابي: يجب العزف على أوتارٍ
ثلاثةٍ في الوقت نفسه: التربية، والثقافة، والسياسة؛
فالتربية ليست هي التعليم، بل هي ترويض الحيوان في
الإنسان, وعلى هذا يجب أن نربي الطفل على احترام
المرأة أختاً وأماً وقريبةً في الصغر ليحترمها زوجةً
وبنتاً وزميلةً في الكبر؛ أما الثقافة فهي الغنى
المعنوي - الروحي والأخلاقي- للمجتمع وهي بذلك تضم
تقاليد المجتمع وأعرافه وعاداته, فيجب أن تلغى
التقاليد التي تحول دون تحليق المجتمع بجناحي الرجل
والمرأة ما دامت مجافيةً للمباحات الشرعية؛ وإذا كان
بثّ الوعي في المجتمع هو مهمّة المثقفين والمفكرين
بالدرجة الأولى, فإن السياسة - ولا شكّ - هي شأنُ
السياسيين وعلى هؤلاء تقع المسؤولية الكبرى في
التغيير؛ و«للمرأة
علينا حقوق»
عبارةٌ ساميةٌ من سموّ وليّ العهد, لا بد أن يعيَها
المجتمع بكلّ أطيافه ويتكاتف لتحقيقها. ومن حقوق
المرأة أن تمارس الرياضة، لذا أؤيد الدعوة إلى
الاهتمام بمادة التربية الرياضية للفتيات, فهذا يزيد
من شعور الفتاة بأنها مساويةٌ للفتى، وبأنه ليس
مفضّلاً عنها مما يزيد ارتباطها بمجتمعها, إضافة إلى
أنه يخفّف من إصابتها بالتهاب المفاصل - الروماتيزم-
الناجم عن عدم الحركة, وهو مرضٌ لا يصيب عادةً إلا من
هم فوق الأربعين من العمر, لكن- للأسف- أصبحنا نشاهده
في عياداتنا لدى فتياتٍ بعمر الورد, إذ تفقد الفتاة
ليونة جسدها في سنٍّ مبكّرةٍ, مما يجعلها تعاني من
صعوبات في الزواج والحمل والولادة, عدا الآلام التي لا
يعلم علمها إلا الله؛ وقد ورد في السيرة أن عائشة رضي
الله عنها سابقت الرسول صلى الله عليه وسلم فسبقته
مرةً وسبقها مرةً فقال:«هذه بتلك».
طبعاً لا نريد لفتياتنا أن يكنّ كفتيات برنامج "على
الهوا سوا" وما شابهه من البرامج التافهة, وقد خصصتُ
هذا البرنامج بالذكر لأن سائلةً أرسلت تريد رأيي في
عرض الفتيات أنفسهن للزواج بهذه الطريقة؛ فإذا كان
الشرع لا يمانع أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح
كما في الحديث الذي رواه أنس عن المرأة التي عرضت
نفسها على الرسول صلى الله عليه وسلم, فقالت ابنة
أنس:« ما أقلّ حياءها! فقال لها أنس: هي خيرٌ منك،
رغبت في رسول الله»؛ فالفارق بين البرنامج وبين ما حصل
في العهد النبوي كالفارق بين السماء والأرض, ونريد أن
يبقى الفارق بين بناتنا وبين فتيات الفضائيات - أو
الفضائحيات بالأحرى -كالفارق بين السماء والأرض, لذلك
نرفض التقليد الغافل كما نأنف من التغريب الجاهل.
الوطن السعودية
10/1/2004 |