الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) التمييز ضد الأنثى.. من الجنس إلى الجنسية
 
 
 

في مقالتي السابقة تعرّضت لمفهوم تمكين المرأة ووجوب عدم رفضه إسلامياً, وختمت المقالة بأن هذا التمكين لا يتمّ إلا عبر شعور أهل الحل والعقد بالمسؤولية, وقدّم القاضي في المحكمة العامة بجدة مثالاً حسناً عندما أسقط ولاية الأب العاضل لابنته وشاركته محكمة التمييز - بتصديقها للحكم - في إحراز قصب السبق للانتصار لقضية هامة من قضايا المرأة, فعضل الفتاة عن الزواج يعني حرمانها من الشعور بالأمن النفسي والجسدي في ظل رجل يخصّها باهتمامه وحبه وعطفه, وكذلك حرمانها من فرصة إنجاب طفل من لحمها ودمها وممارسة أمومتها, ويكفي الاستشهاد بقول الإمام أبو حامد الغزالي للدلالة على ما في هذا الحرمان من عصيان لله سبحانه:(وبيانه أن السيد إذا سلّم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيأ له أرضا مهيأة للحراثة, وكان العبد قادراً على الحراثة, ووكّل به من يتقاضاه عليها, فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعاً حتى فسد, كان مستحقاً للمقت والعتاب من سيده. والله تعالى خلق الزوجين.. وسلّط متقاضى الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى).

التمييز ضد المرأة هو عكس تمكين المرأة, علماً بأن التأكيد على حقوق المرأة وتمكينها منها ومنع التمييز ضدها لا يعني نسيان حقوق الرجل أو تجاهلها, ولكن تكرار الضرب على الأوتار ذات العلاقة بالمرأة يأتي في سياق ما يقرأه المرء - أو يسمعه - عن استمرار الأفكار والسلوكيات التي تدلّ على رسوخ دونية الأنثى وتفوّق الذكر في كل مجتمعاتنا العربية, حتى تكاد تنعدم حقوقها المادية والمعنوية في بعض الأسر, وهو ما عرضت بعضه في مقالتي الأخيرة, كما أشرت في مقالات سابقة إلى انعدام حقها في اختيار شريك عمرها, ولنقارن بين المثل الحسن الذي ضربه القاضي في جدة وبين المثال السيئ في الدمام والذي فرّق القضاء فيه بين طبيبة وزوجها لأن الأب غير راض عن زواجها, وكانت قد لجأت إلى البحرين وعقدت قرانها في محكمة سنيّة, بعد إذ لم تجد أذناً من القضاة في المنطقة الشرقية لردّ ظلم عضل والدها لها, وإن كان المثل الأسوأ بكل المقاييس هو ما حصل مع فاطمة ومنصور واللذين تم التفريق بينهما رغم وجود الأطفال.

لكن ضرب المثل الحسن بالقضاء في جدة ليس بسبب تفوّقه على القضاء في الدمام أو الشرقية أو غيرهما في المملكة العربية السعودية فحسب, بل لأنه تفوّق على القضاء في بعض البلاد العربية, وخاصة تلك البلاد التي ما زال سوس مفاهيم "قتل الشرف" ينخر في عقول بعض أهلها, مع أنه لا يمتّ للإسلام بصلة, ومع أنه مستمَّد في بعض البلاد من القوانين الغربية التي تجيز للرجل قتل زوجته والرجل الذي معها إذا وجدهما متلبّسين بالزنا, والمناقشة في هذا الموضوع تستدعي ذكر الخبر الذي ورد من الأردن عن شاب بعمر 19 سنة قام بقتل أخته المطلقة بعمر 22 سنة, وفي تفاصيل الخبر أن أحدهم أوصل ليد الشاب شريط فيديو يُظهر الأخت وهي تمارس الفاحشة, فقام بقتلها خلال عشر دقائق, وحكمت المحكمة ببراءته لأن قتله لها خلال هذه المدة القصيرة يدلّ على عدم تخطيطه لقتلها, ولم يُذكر إن كانت المحكمة قد تأكدت من أن الصور تخص المقتولة أو أنها لم تهتم بذلك بعد تنازل الأهل عن حقهم معتبرين أن الشاب قام بتطهير شرف العائلة الذي دنّسته الفتاة بفعلتها؛ وعند هذا الخبر لنا بضع وقفات:

الوقفة الأولى: الرجوع إلى أمر مشابه في السنة النبوية الكريمة فنجد أن البخاري أخرج في باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حدّ عليها لقوله تعالى:(وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ), أن عبداً من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى افتضّها فجلده عمر الحد ونفاه ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها؛ وبالطبع فإن الحكم لا يقتصر على الأمة والعبد فيزول بزوال وجودهما الاجتماعي كما هو الحال الآن, ولكن لأن الحرّ تأبى نفسه القيام بالاغتصاب؛ والسؤال الآن: ماذا لو كان تصوير تلك المقتولة قد تمّ تحت إكراهها على الزنا بعد خداعها أو تخديرها أو أي شبهة أخرى تردّ عنها قصد الزنا, والنبي الكريم قال:(ادرؤوا الحدود بالشبهات).

الوقفة الثانية: ما ورد في الوقفة الأولى يذكّرنا بقصة فتاة القطيف التي حُكم عليها بالجلد 90 جلدة بينما جاءت أحكام من اغتصبوها بالسجن سنتين أو ثلاث سنوات مخففة رغم أن أغلبهم محصنين, ورغم أنهم اعترفوا للمحكمة بفعلتهم ثم تراجعوا عن اعترافاتهم, وكان تبرير القضاء لحكم جلد الفتاة أنها اعترفت بخلوتها غير الشرعية مع شاب في سيارته, مع أن الفتاة أوضحت أنها اضطرت للركوب معه كي تنجو من ملاحقة الرجال لها, والعبر المثارة من هذه الحادثة كثيرة جداً, أهمها أن المسئولين – فيما يبدو- قد استفادوا منها بضرورة إلحاق قسم طب شرعي بأي محكمة كي يتم اللجوء إليه لتوثيق الواقعة؛ لكن ما يُخشى منه أن يصار الحال في المملكة إلى ما كان عليه الحال في باكستان إذ يشترط على الفتاة المغتصبة أن تأتي بأربعة شهود على واقعة الاغتصاب, فلما أرادت الحكومة إلغاء هذا الشرط المعجز قامت الدنيا ببعض الإسلاميين الذين اعتقدوا أن في ذلك تشجيع للنساء على الزنا.

الوقفة الثالثة: السؤال الأهم هو: من الذي يحقّ له أن يقتل المرأة في حال ثبوت ضلوعها في جريمة الزنا؟ هنا أيضا نعود إلى السنة النبوية الصحيحة فنجد بعض القصص ملخّصها أن رجلا جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسولَ الله أرأيْتَ رجلاً وجد مَعَ امرأتِهِ رجُلاً أيقتلُهُ فتقتلونَه، أمْ كيف يفعل؟ فقال رسولُ الله:(قد أَنزَلَ الله فيكَ وفي صاحبَتِكَ فاذهب فأتِ بها))، فتلاعنا أي أقسما يمين اللعان كما هو مبيّن في سورة النور, وقد نزلت آيات اللعان بعد استشكال الآيات السابقة لها بالترتيب في السورة - والتي تطلب إثبات واقعة الزنا بوجود أربعة شهود - على سعد بن عبادة فقال: لو رأيت لكاعاً – يقصد زوجته - قد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيّجه حتى آتي بأربعة شهداء ما كنت لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته! ومن البديهي هنا الاستنتاج أن يمين اللعان بين الزوجين قد شُرع لحفظ نفس المرأة من أن تتعرض للقتل بيد الزوج لشبهة أو لظنه السيئ بها, فإذا كان الشرع قد منع الرجل من القيام بهذا فكيف يسمح القانون للأب أو للأخ بهذا الفعل؟ ليس لأحدهما مكانة الزوج من حيث القوامة التي لها بُعد جسدي جنسي بين الزوجين, وللإيضاح يمكن التمثيل بموقف تتعرض فيه المرأة لانكشاف جسدها بما فيه عورتها المغلظة وليس أمامها لتستر نفسها سوى الاحتماء بأبيها أو زوجها فبأيهما تحتمي؟ لا ريب أنه الزوج الذي يحق له ما لا يحق لغيره.

الوقفة الرابعة: على فرض أن التي قامت بجريمة الزنا هي فتاة وليست امرأة فلا يخوَّل لوالدها أو لأحد غيره القيام بقتلها لأن الحد شرعاً على غير المحصن هو الجلد, فجريمة القتل أكبر بكثير من جريمة الزنا رغم بشاعة الأخيرة, وتطبيق الحدود سلطة لولي الأمر, والمشكلة أن الأردن عندما حاولت أن تمنع تطبيق قانون قتل الشرف اعترض عليه بعض من ينتسبون إلى التيار الإسلامي, فهل يمكن أن نجد تفسيراً لهذا التناقض بين الإسلام وبين من يدّعون حمل لواء الدفاع عنه؟!

كثيرة هي التساؤلات التي تعترض طريق التمييز الجنسي الذي يسود عالمنا العربي والإٍسلامي, وهو إن وُجد شرعاً فهو مقبول لأنه يتّسق مع فطرة الذكر والأنثى, ولكن العادات التمييزية التي تتعارض مع الشريعة أكثر من أن تعد وتحصى, ويكفي دليلا على ذلك الاستشارات التي تأتيني من الفتيات ورعبهن من موضوع البكارة بحيث يصبح الخوف من العباد بديلا من خشية الله, ناهيك عن اعتبار الأنثى في بعض البيئات المتخلفة موضعاً لنزوات الذكور في العائلة, ولا يسع المجال هنا الخوض في جرائم التحرش بالأنثى وزنا المحارم التي أصبحت للأسف ناراً وقودها الأسرة بكاملها, ولدى جمعيات حقوق الإنسان في الوطن العربي تتوضّع تلك الملفات المحرقة بانتظار من يفتحها بجرأة وحكمة.

أما ملف الجنسية فلم يبق له إلا سطور, ولو فتحناه لرأينا ظلماً بيّناً واقعاً على المرأة العربية إذ لا يمكنها منح جنسيتها لأولادها, وبهذا تساوى النسب للأب الذي حثّ عليه الشرع مع الانتساب لجنسية الأم الذي لم تفصّل به الشريعة لأن مفهوم الجنسية مفهوم جديد ظهر مع الدولة الحديثة, ولو أراد المشرّعون في الدول العربية الإنصاف لتذكّروا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لقوم من قبيلة معينة عندما سألهم إن كان فيهم أحد من غيرهم, فقالوا: إلا ابن أخت لنا, فقال:(ابن أخت القوم منهم), أي أن الشخص – صغيراً كان أو كبيراً -  يعتبر فرداً من أفراد عشيرة والدته أو قبيلتها أو قومها أو بلدها, وعلى هذا فإن الخطوات التي تتخذها بعض البلاد العربية باتجاه السماح للأم بمنح جنسيتها لابنها, هي خطوات متأخرة جداً عما جاء به شرعنا الحنيف منذ أكثر من أربعة عشر قرناً؛ ومع ذلك فإن تلك الدول تعتبر تقدمية بالنسبة لدول غيرها ما تزال تنكر على المرأة كثيراً من حقوقها المشروعة.

الوطن السعودية 5/2/2007

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |