|
بعد مقالتي
(هل لدماغ المرأة أية فائدة)
التي نشرتها الوطن وأعادت بعض المواقع العربية نشرها على الشبكة العنكبوتية
وصلتني رسالة من قارئ غير سعودي يقول فيها:
الإصرار الشديد على محاولة
إثبات وجود تساوٍ ما في القدرات العقلية الذكورية
والأنثوية يتجاهل حقائق الواقع
والتاريخ.
من دون فلسفة: الأغلبية
الساحقة من الاختراعات العلمية والتكنولوجية والطبية
والصيدلانية والاكتشافات
الجغرافية والإنجازات العمرانية (جسور-أنفاق-سكك
حديد...) والنظريات الفلسفية
والعلمية والأدبية والإبداعات الفنية....كلها من إبداع
جنس
الرجال.
أقول: جنس الرجال. لأن هذه
الإمكانات لا تنطبق على الرجال كافة. وهي لا تنطبق على
النساء بدرجة
أكبر.
وهي تنطبق على جميع
القوميات وأتباع كافة الأديان. إنها وجه من وجوه
القوامة (الرجال عموما على النساء وليس الزوج على
زوجته فقط). فإذا لم تكن القوامة
هذه فما هي؟
لا أقول سيدتي أن هذا يستلزم
تحديد أعداد المتعلمات. لا بأس أن تكون أعداد الطبيبات
والمحاميات والباحثات
والمصوتات في الانتخابات مثل أعداد الرجال في تلك
الميادين. قصدي هو التوقف عن ذلك الغرور
والادعاء والوهم بأن جنس النساء قادر على الإبداع
المادي العام مثل
الرجل!!!
ما جعلني أسترجع رسالة القارئ رغم مضي زمن عليها هو
الخبر الذي نشرته بعض الصحف ومنها الوطن في عددها ليوم
الاثنين الماضي حول رد وزيرة الخارجية الأمريكية
كونداليزا رايس على سؤال أحد الصحفيين في مؤتمرها
الصحفي المشترك مع نظيرتها الإسرائيلية في القدس
المحتلة والذي قالت فيه: (كنت أعتقد أن مكانة النساء
العوانس أكبر من ذلك)؛ وكان ذلك الصحفي قد استشهد في
سؤاله بكلام السيناتور الديموقراطية باربرا بوكسر التي
رأت أن رايس – بسبب كونها عانس ودون أولاد – لا تدفع
أية أثمان شخصية لسياسة الإدارة الأمريكية في العراق.
هذا التصريح ذكرني – أيضاً - بمقالة قديمة لي بعنوان
(هل النساء
ناقصات عقل ودين؟) أنهيتها
باستشهادي بقول الوزيرة الأمريكية عن السلام الذي
يكلّف أكثر من الحرب كدليل على أن السيدة رايس استثناء
من القاعدة, حيث أن حساسية الأنوثة تفرض حلا لمشكلات
البشرية بعيداً عن إراقة الدماء وما يرافقها من عنف
وهمجية, ومع أن المرأة هي التي علّمت الرجل – تاريخياً
- معاني التحضر والوفاء والشعور بالحب وقيمة الارتباط
الأسري, فإن الرجل ما زال ينظر إلى المرأة ككائن أقل
منه في درجة الإنسانية, وهذا المفهوم ما زال منتشرا في
غالبية الثقافات, وإذا كانت البلاد الغربية قد سارت
شوطاً طويلاً في طريق إلغاء كل ما فيه تمييز ضد
المرأة, إلى حد المغالاة في المساواة أحياناً, فإن
التمييز ضد المرأة ما زال سائداً في بلادنا العربية
فارضاً نفسه في كل الاتجاهات, ويكفي مثالا على هذا
التمييز ما قامت به إحدى الجامعات الإسلامية بالرياض
من منع الصحفيات المرافقات لوزير العدل الإسباني من
دخول الجامعة مما جعل الوزير يمتنع عن إلقاء المحاضرة
تجاوباً مع ما تفرضه عليه حضارته, ولكن موقف الجامعة
لا تفرضه المبادئ الإسلامية خاصة إذا تذكرنا موقف
الرسول عليه الصلاة والسلام من وفد نصارى نجران وكيف
رحب بهم لدرجة أنه فرش لكبيرهم رداءه ليجلس عليه, وكان
بإمكان الجامعة أن تطلب من الصحفيات تغطية رؤوسهن, وهو
ما نرى أن المرأة الغربية تفعله في الوفود الرسمية عن
طيب خاطر.
عودة للسيدة رايس فقد اعتبر بعض المراقبين كلمات
السيناتور الديموقراطية لها أنها ضرب تحت الحزام,
ويبدو أن السبب هو الإشارة للحياة الشخصية للسيدة رايس,
وأنا في الحقيقة أؤيد فكرة عدم عمل الرجل - وليس
المرأة فقط - في الشأن العام وخصوصاً السياسي, ما لم
يكن قد جرّب الحياة الزوجية, لأن الزواج بحدّ ذاته
تجربة إنسانية تحتاج مهارات الدبلوماسية والتفاوض
والحنكة والحكمة واتخاذ القرارات الهامة بما فيها قرار
الطلاق أحياناً, ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً على
إطلاقه إذ يوجد بعض التجارب الناجحة لنساء سياسيات غير
متزوجات عبر التاريخ, مثل بلقيس ملكة سبأ التي تزوجها
النبي سليمان عليه السلام بعد إسلامها, وإن كنت لا
أعلم إذا كانت بلقيس قد سبق لها الزواج أم لا, لكن ما
أعلمه أن هذه السيدة قد تفوّقت على رجال قومها في
الحكمة والسياسة, والسؤال المطروح: كيف للمرأة أن تدخل
معترك السياسة وهو المجال الذي يحتاج تفرغا كاملا في
نفس الوقت التي تكون زوجة وأماً وهو ما يحتاج بحد ذاته
تفرغاًً كاملاً أو جزئياً حسب عدد الأطفال وأعمارهم؟
احتفظت برسالة القارئ لأردّ عليها في الوقت المناسب,
وذكرتني مشكلة السيدة رايس بها, فاسترجعت الرسالة
لأعرضها كشاهد ارتباطي بين المقدمة والموضوع, فإذا
نظرنا للسيدة رايس بشكل محايد لرأينا أنها تقوم بعملها
كمنفّذة للسياسة الخارجية لبلدها على أكمل وجه, وبغض
النظر عن رأيي في سياسية أمريكا الخارجية فإني لا أخفي
إعجابي بقدرات السيدة رايس على السفر والتنقل وامتلاك
اللغة وغيرها من مقومات الشخصية المناسبة للقيام بمهام
صعبة, والسؤال الذي تفرضه المقارنة بين رسالة الأخ
المتعصب للرجال وبين مثالي عن السيدة رايس هو: ماذا لو
كانت رايس متزوجة ولديها أولاد؟ هل تستطيع أن تتفرغ
للقيام بمهام وزارة الخارجية لأقوى دولة في العالم؟
مع التنبيه إلى أن كلمة عانس في اللغة العربية إذا
أًُطلقت فهي تعمّ الذكر والأنثى فيقال امرأة عانس ورجل
عانس – كما في لسان العرب – فإن من الواضح أن النساء
العوانس أقدر على مضاهاة الرجال في أعمالهم, وهذا
الكلام ليس دعوة للعنوسة, ولكنه دعوة إلى إعطاء المرأة
مكانتها المناسبة, ولنقارن بين المرأة الكاتبة والرجل
الكاتب, فالرجل عندما يريد أن يكتب مقالة فإنه يعدّ كل
الأسباب اللازمة لممارسة طقوس الكتابة, وعلى المرأة –
أم أو زوجة أو غيرهما – أن تهيئ له الجو المناسب لذلك,
لكن ماذا عن المرأة الكاتبة؟ بالنسبة لغير المتزوجة
فإنها – غالبا - بحكم عدم مسؤوليتها المباشرة عن
الأولاد تستطيع أن تغلق على نفسها باب غرفتها وتكتب
متى أرادت, وأما بالنسبة للكاتبة الزوجة فإنها يجب أن
تستأذن من زوجها, وإذا كانت أماً فلن يوجد في قاموسها
تعبير "طقوس الكتابة", ولن تستطيع أن تغلق على نفسها
الباب لأكثر من دقائق إذا كان الأولاد بعمر أقل من سن
المدرسة, وإذا عوّدتهم على احترام حقوق الغير وعلى
الفصل بين مهمتها المقدسة كأم ومهامها الأخرى ومنها
الكتابة, فإن هذا الاعتياد يأخذ وقتاً ليقدّروا لأمهم
ذلك, وأنا عن نفسي لا أجد جواً ملائماً للكتابة
كالعيادة بعيداً عن انشغالي بحياتي الأسرية.
ما زلت لا أعتقد بتفوق الرجل على المرأة عقلياً, اللهم
إلا في حالة الزوج والزوجة ليكون هذا التفوق مبرراً
لتحمّله مسؤولية القوامة, ولدى البحث عن أسباب فشل
الكثير من الزيجات نجد في مقدمتها تفوّق المرأة على
الرجل في العقل والوعي, وقد ذكرت في أكثر من مقالة أن
القوامة ذُكرت في القرآن في مكانين فقط, وفي كل مرة
كان يرافقها دليل على ارتباطها بالحياة الزوجية, أما
القدرات العقلية للرجل والمرأة فهي تخضع كثيرا لقوانين
الوراثة من الأب أو الأم أو غيرهما كالخال والجد والعم
وما يقابلهم من القرابات المؤنثة, وعندي صاحب مشكلة
يعاني من اضطراب نفسي يتابع حالته معي عبر موقعي على
الانترنت استطعت أن أصل معه لإرجاع حالته النفسية إلى
جدته التي لم تشارك في تربيته, وكثيراً ما نجد فتاة
ورثت من والدها شخصيته بالكامل وطريقة تفكيره ومعالجته
للأمور, كما أنه كثيراً ما يرث الذكر حساسية أمه
وطباعها, هذا إذا نظرنا فقط للوراثة فماذا عن التربية
والبيئة التي تستطيع أن تغير كثيراً مما ورثه الولد أو
البنت؟ منذ عدة سنوات فقط كرّمت شركة مايكروسوفت فتاة
أمريكية بعمر 18 سنة لأنها ساهمت في اكتشاف جذر
لوغاريتمي جديد ساهم في تسريع نقل البريد الالكتروني.
إن إشارة القارئ - الذي بدأتُ المقالة برسالته - إلى
تفوق الرجال على النساء ليست إلا انعكاساً لخرافة
التفوق الذكوري في الثقافة العربية, بينما السبب
الحقيقي هو عدم تفرغ النساء, فمهمة المرأة الأجمل
والأنبل هي الأمومة, ولن تستطيع امرأة سليمة العقل أن
تتخلى عن هذه المهمة مقابل أي إغراء مادي, ولا يمكن أن
يُبنى مجتمع سوي بدون أسرة آمنة, ولا يعرف الطفل
الأمان في ظل غياب الأم, وكما استشهدت بكونداليزا رايس
كامرأة أمريكية تفوّقت على الرجال في أداء مهامها بعد
أن ساعدها عدم الارتباط برجل وأولاد على ذلك, فإنه
يمكن الاستشهاد بالسيدة رئيسة مجلس النواب الأمريكي
والتي انتهت من بناء أسرتها وتربية أطفالها قبل التفرغ
للحياة العامة.
الوطن السعودية 22/1/2007 |