الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) أي إسلام ندعو المرأة الغربية إليه؟
 
 
 

سؤال استثارته عدة أخبار وردت في الأسبوع الماضي, ولا مفرّ بادئ ذي بدء من اطلاع القراء الكرام على تفاصيل كل خبر من أجل الإحاطة بحيثياته وتحليل محتوياته واستشفاف دلالاته وما ينتج عن ذلك في ذهن الغربي عموماً والمرأة الغربية خصوصاً, حيث أن هذه الأخبار تشير إلى الكيفية التي تُعامل بها المرأة المسلمة من مشرق الوطن العربي إلى مغربه, والعرب هم المعنيّون أكثر من غيرهم برسم الصورة الحقيقية للإسلام لأنهم حملة الرسالة الخالدة في توحيد الخالق وإقامة العدل بين مخلوقاته؛ هكذا أراد الله لهم بقوله:(وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون), وكلمة القوم تخصّ الذين يشتركون بالأصل الواحد واللغة الواحدة كما اتفقّ المفسرون.

الخبر الأول أوردته صحيفة الوطن في عددها 2240 عن امرأة - من أصل غير عربي- حُكم عليها بالرجم حتى الموت بعد أن أقرّت بارتكابها الزنا والحمل سفاحاً أمام القضاة, وقد أفادت المرأة - 39 عاما- والتي حصلت على الجنسية السعودية في وقت سابق وأنجبت 4 أطفال، 3 من زوجها المتوفى، والرابع بعد وفاته بثلاث سنوات في بداية التحقيق أنها أقدمت على الزنا لأنها لم تتمكن من الزواج بعد وفاة زوجها لعدم وجود الولي الذي تُعتبر موافقته من شروط عقد النكاح, وحمل الخبر تأكيد أحد المواطنين أن وضع الأسرة كان صعباً للغاية بعد وفاة الأب فقد كانوا يعيشون على الصدقات التي يجود بها المحسنون أحياناً, مقترِحاً أن تخضع المرأة لفحص طبيّ للتأكد من سلامة قواها العقلية ومسؤوليتها عن أقوالها خاصة أنها رفضت نقض الحكم بحثاً عن الجنة.

تحليلا لأبعاد هذه المأساة نجد أن المرأة وأسرتها كانت تعيش على الحد الأدنى للكفاف؛ وهي ليست مُحصَنة فحسب بل وممنوعة من الزواج لعدم وجود ولي أمر لها, كما أنها تعيل ثلاثة أطفال انضمّت لهم طفلة من الحمل غير الشرعي؛ ورغم بشاعة الزنا وفداحة جُرمه فإن الحكم الصادر برجمها حتى الموت لا يتفّق مع الجناية؛ وإذا كان الشرع أمرنا بدرء الحدّ بالشبهات, فقياساً على ذلك لا بدّ من السؤال عن دوافع الجريمة ليكون الحكم عادلا؛ فالشريعة أوضاع وأحكام, وإذا تناسب الوضع مع الحكم الشرعي المخصّص له عُمل به وإلا كان القاضي ظالماً؛ وحدّ الزاني غير المحصن هو مائة جلدة كما في القرآن الكريم وتغريب عام كما في الحديث الصحيح أي نفي عام من المدينة التي يعيش فيها مرتكب الزنا, لكنّ حكم التغريب نفسه يخضع لتقدير القاضي بحسب ظروف الزاني, فكيف إذا كان امرأة غريبة وحيدة لم تتخلّ عن أطفالها بل عاشت على الصدقات لإعالتهم؟ هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن المسؤول عن عدم إحصانها يتحمّل جزءاً كبيراً من الوزر إذ إن من صلاحية القاضي أن يزوّجها لعدم وجود ولي أمرها, فلماذا فقد القضاء شعوره بالمسؤولية بينما تواجد بدوره السلطويّ فقط؟ أين العدل الذي منبعه الرشد وأين الإحسان الذي مصدره الرحمة وقد حضّ عليهما القرآن معاً:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان)؟ ثم إن أحكام الشريعة لا تقام على مسؤولية فردية أخلاقية فقط بل لا بد من مسؤولية اجتماعية أخلاقية توازيها وتعاضدها, وقد افتُقدت هذه المسؤولية لدى القضاة بعدم تزويج تلك المرأة, كما افتُقد لدى غيرهم التكافل الاجتماعي بعدم إعانتها على العيش بكرامة مع أولادها؛ أما تمسّك هذه المرأة بتنفيذ الحكم وعدم اشتغالها على نقضه, فإنها لو وجدت المال لتطعم أولادها لفعلت وربما لم تضطّر لبيع جسدها كي تردّ عنهم غائلة الجوع فمن أين تجد المال لتعطيه لمحامٍ كي يرفع قضيتها إلى محكمة عليا؟ والسؤال الأخير: أين شريكها في الزنا ليقام عليه الحدّ أيضاً أم أن المرأة في بلادنا العربية هي وحدها المجرمة بينما يبرأ الرجل لدينا من كل عيب؟!

الخبر الثاني هو عن وزيرة من بلد في مغربنا العربي قام زوجها بضربها, ولولا أن الجيران تدّخلوا لتخليصها من بين يديه لكانت نزيلة دار العجزة والمشوهين, هذا إن لم تصبح في عداد الموتى؛ وفي كل يوم في بلادنا العربية تهان النساء على أيدي القوّامين الفعليين وغير الفعليين, فالكلّ يستطيع أن يضرب المرأة ولا قانون يردع ولا قاضي يزجر ولا مأوى يحمي؛ وإذا قيل: لا تسأل رجلاً علامَ ضرب زوجته, فهذا الكلام صحيح في حالة واحدة عندما يخشى الرجل نشوز زوجته في الوقت الذي يفضُلها عقلا وينفق عليها ويعاشرها بالمعروف, وهي الشروط الثلاثة التي توجب للزوج القوامة على زوجته, لذا فإن آخر الدواء الكي أي بالضرب الذي يأتي ثالثاً بعد الوعظ بالكلام أولاً والهجر في المضجع ثانياً, فإذا أبت التراجع عن غيّها وتمسّكت بترفّعها عليه فمعنى ذلك أنها لا تدرك معاني العلاقة الزوجية القائمة على المودة والرحمة وتأبى الفهم إلا بـ"علقة" تعيد لها رشدها, وعلى هذا فإن هذه المرأة مريضة بالمازوشية التي تجعل المصابة بها لا تخضع لزوجها إلا بالعنف, وقد يكون العلاج النفسي شافياً لها من أزماتها العقلية؛ أما إذا كانت الزوجة وزيرة وضربها زوجها فذلك له أحد تفسيرين: إما إنها ناشز فعلا أي أنها مريضة نفسية فكيف تُسلَّم لها مقاليد وزارة؟! وإما أن زوجها ليس قوّاماً عليها فبضربه لها يكون هو الناشز فلم لا يقوم القاضي بتأديبه تعزيراً, خاصة أن في ضربها إهانة للحكومة التي تمثلّها تلك الوزيرة؟ والسؤال هنا: من يستطيع أن يؤدّب الرجل ولو بالقول: لست أعقل من زوجتك وهي تنفق في البيت وأنت لا تعاشرها بالمعروف فلا يحق لك القوامة؟ القوامة التي امتدت حتى شملت وصاية الرجال على كل النساء, من الأب إلى الأخ إلى الكفيل في بلادنا الخليجية حيث يضرب بعضهم خادمته ويرميها من سطح المنزل كما قرأنا في خبر, ويحضرها في خبر آخر إلى المطار لطردها من البلد بدون منحها حقوقها بل بتعويضها عنها باللكمات على وجهها والركلات على جسدها, فإذا كنا قد اعتدنا – خطأً- على مصطلح "مكسورة الجناح" للخادمة الفقيرة فهل نترك المصطلح يستشري حتى يشمل السيدة الوزيرة؟!

الخبر الثالث نقلته صحيفتي الشرق الأوسط وعرب نيوز يوم الأربعاء الماضي عن شيخ حاصل على الدكتوراه في الفقه كان يشارك في المؤتمر الذي جرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي لمناقشة التبرع بأعضاء المتوفين دماغياً؛ فقد طالب الشيخ الفقيه بإخراج النساء من القاعة, الأمر الذي أثار سخطهن وهنّ اللواتي اعتدن على المساهمة في الندوات التي تعقد في المستشفى بمشاركة الجنسين معاً, مما اضطر اللجنة المنظمة إلى تهيئة مكان خارج القاعة للحاضرات لمتابعة سير المؤتمر من خلال شبكات البث المباشر؛ ومع أن هذا الأمر كان كافياً ليربك برنامج المؤتمر إلا أن الشيخ أكمل مسيرته باستئذان الحضور من الكادر الطبي الغربي نساء ورجالا تقديم هدية لهم، وهي (دعوتهم إلى الإسلام) مضيفاً أن أفضل سبيل لرد "هديته" هو إعلانهم (اعتناق الدين الإسلامي).

والآن لنتصور أي امرأة غربية تشارك في هذا المؤتمر, وقد اعتادت أن تُعامَل في بلادها بنفس مستوى المعاملة التي يتلّقاها الرجل, فإذا بها ترى النساء عندنا يُطردن من القاعة باسم الإسلام, فما الذي يغريها في دخول دين على هذا القدر من التمييز ضد النساء؟! من الواجب التذكير أن المملكة وقّعت على اتفاقية رفض التمييز ضد المرأة وقد وافق موعد ذكراها منذ يومين فقط, لذا فإن تصرّف هذا الشيخ وأمثاله يحمل بين طيّاته إدانة للإسلام وتشويهاً للمملكة؛ ولا أدري كيف يفسّر الغربي تناقض رأي هذا الشيخ مع آراء غيره من رجال الدين السعوديين وغير السعوديين الذين شاركوا في مؤتمر "الشباب وبناء المستقبل" الذي أقامته مؤخراً الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالقاهرة, حيث شارك رجالُ الدين النساءَ السافرات وليس المحجبات فقط – سواء كنّ بالخمار أو النقاب – في اعتلاء المنصة؟ وإلى متى هذا التناقض الذي يعمّ عالمنا العربي في قضايا مشاركة المرأة واختلاطها مع الرجل؟ كاتبة وأكاديمية سعودية ترفض الاختلاط شاركت أيضاً في مؤتمر القاهرة بنقابها, أفلم يكن من الحريّ بها أن ترفض الاختلاط الذي يزري بإنسانية الإنسان, رجلا كان أو امرأة, ويهدم المجتمع؛ بينما تشجّع على الاختلاط الذي يدفع كلاهما باتجاه بناء الإنسان وتطوير المجتمع؟

التمييز ضد المرأة تعوي ذئابه في خرائبنا العربية, ولكنه سيء جداً حينما يصدر عن مثقف أو داعية, ففي مصر تبنّى أحد الشيوخ الحكوميين موقفين متضادين فرفع قضية ضد الدكتورة سعاد صالح لتصريحها بعدم وجوب النقاب بينما لم يشجب انتقاد وزير الثقافة المصري للخمار, مع أن الخمار ثابت شرعاً ومتفق عليه عكس النقاب؛ وكل هذه الأخبار وسواها تدلّ على أننا ندعو الغريبين وبالأخص النساء إلى الإسلام لكن نظرياً, أما التطبيق عبر إظهار الإسلام في سلوكيات متحضرة فهو آخر ما نفكّر به, ويبدو لي أن المترجم الذكي في مؤتمر التبرع بأعضاء المتوفين دماغياً انتبه للتناقض الثاوي بين التصرّف اللاحضاري للشيخ بطرد النساء وبين عرضه الإسلام على الحضور, فآثر أن يخفّف من وقع الترجمة؛ ولو كنت مكانه لأحجمت عنها كلياً ولغادرت القاعة, ليس لأني امرأة بل كاعتراض على تشويه الدين الذي يدّعي الجميع الصلة به, وكلٌّ يدعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تقرّ لهم بذاكا!

الوطن السعودية 27/11/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |