لطالما أكّدت في أكثر من مقال وحوار أن للمملكة العربية السعودية خصوصيتها
الإسلامية التي تستمدّها من وجود الحرمين الشريفين على أرضها مما جعلها
مهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, إضافة إلى مكانتها
الاقتصادية التي تستند إلى غناها بالبترول مما منحها وزناً سياسياً عربياً
وعالمياً متميزاً؛ وهاتان الخصوصيتان الدينية والسياسية يضاف إليهما خصوصية
أخرى تميز الشعب السعودي عن غيره وهي عدم وجود التجربة الاستعمارية مما حفظ
لغالبية السعوديين تديّنهم الفطري؛ لكنّ ذمّ الاستعمار الذي كانت له آثار
سيئة على الشعوب العربية من الناحية الدينية والأخلاقية يجب ألا يمنعنا من
ذكر حسناته إذ ساهم بتنوير تلك الشعوب من الناحية التعليمية والعقلانية؛
وإذا كانت البعثات الطلابية من البلاد التي استُعمِرَت إلى البلاد التي
استعمرتها قد خلقت هوّة ثقافية كبيرة بين جيل الآباء والأبناء في وقت سابق,
فإن ثمة عوامل ساهمت في إيجاد فجوة حضارية بين فئات الشعب السعودي؛ إضافة
إلى أن هذا التدين السعودي الفطري قد اختلط بكثير من المفاهيم الغالية
والمجافية لروح ومقاصد الدين الإسلامي لأسباب وعوامل ليس مجال بحثها في هذه
المقالة التي تقصد إلى رسم دوائر حمراء حول ما يسيء لمكانة المملكة من جهة
ويشوّه وجه الإسلام من جهة أخرى.
فصّلت في نهاية مقالتي التي كانت بعنوان (الزواج بيئة ولكن..) في موضوع
الكفاءة في النسب, وقد مضى على نشرها أكثر من شهرين, وكان مما دعاني
لكتابتها مشكلة منصور وزوجته فاطمة, والتي تناولها بعض الكتاب والكاتبات في
مقالاتهم أيضاً, وفي مقالة أخرى امتدحت مسلسل "طاش ماطاش" الذي عُرض في
رمضان الماضي وتضمّنت إحدى حلقاته نفس القصة, كما أن قناة "الإخبارية"
كإعلام مرئي سلّطت الضوء على هذه المشكلة؛ وعلمنا من خلال "الوطن" أخيراً
أن القضية تم رفعها إلى وزير العدل الذي أمر بتحويلها إلى محكمة التمييز
لإعادة النظر في الحكم الجائر الذي قضى بتطليق منصور لزوجته وأم أولاده
بسبب أن أخويها غير الشقيقين أقنعا القاضي بأن زواج أختهما ممن هو أقل منها
كفاءة أضرّ بهما وبسمعة عائلتهما, والحقيقة أني عندما قرأت الخبر المتضمّن
للحكم سألت نفسي فيما إذا كانت هذه الحادثة وقعت في عام 2006 بعد الميلاد
وليس 2006 قبل الميلاد؛ إلى أن اتصلت بي سيدة الأعمال سميرة بيطار وأخبرتني
أنها تبّنت قضية منصور وفاطمة ولذلك دعت مجموعة من المثقفين ورجال المجتمع
إلى منزلها لتفعيل رأي عام يعيد الحق لنِصابه ويُرجِع كلاًّ لأحبائه, بعد
تطوّر القضية واستقالة منصور من وظيفته وهجرته من بلدته, كي يحمي بيته
وأسرته من الضياع إذا تم تنفيذ الحكم؛ وفي جدة قُبض على منصور بتهمة الخلوة
غير الشرعية مع زوجته التي اعتُبِرت طليقته فلا يحقّ له العيش معها تحت سقف
واحد, مع أن الطلاق لا يصحّ شرعاً إلا إذا أوقعه الزوج وكذلك فإن طلاق
المكره باطل لقول النبي الكريم:(رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استُكرِهوا عليه), لذا فإني لا أستطيع إلا التوقف أمام هذه التهمة الغريبة,
فهل سمع أحد قبل الآن بمسمى "خلوة غير شرعية مع الزوجة"؟!
في صالون السيدة الكريمة سميرة بيطار وزوجها الفاضل الدكتور محمد الجهني
اجتمعت ثلة من الناس الشجعان على رأسهم عضو مجلس الشورى الدكتور محمد آل
زلفة الذي لم يفوّت الفرصة للإشادة بصحيفة الوطن وكونها اسماً على مسمى,
وسرّني أن أجد بعض الزملاء من كتابها إضافة إلى مثقفين آخرين بما فيهم رجل
الأعمال والمحامي والمهندس وعضو من جمعية حقوق الإنسان؛ حيث كوّن الرجال
نصف الحلقة في المجلس وكوّن النساء نصفها الآخر, بعيداً عما يسمّى دائرة
تلفزيونية مغلقة, إذ يكفي أن كاميرا الفيديو مفتوحة بوجود مراسلي ومصوري
مجلة سيدتي؛ وإشارتي إلى هذا الأمر ليست عابرة بل لأؤكد على أن اللقاء
الجادّ بين النساء والرجال في أي مكان تسوده الحشمة والأدب هو دليل على
تحضّر المجتمع إذ يشير إلى نظرة كل جنس للجنس الآخر على أنه مماثل له في
الإنسانية ومساوٍ له في حقوقه على المجتمع وواجباته تجاهه, وقد كان الحق في
التعبير وواجب الشفافية هما السائدان في الندوة, خاصة مع حرص السيدة سميرة
عليهما في كلمتها الافتتاحية؛ وعلى هذا فقد جلست على كرسي مجاور لمحامي
الزوجين الأستاذ عبد الرحمن اللاحم, وأما أمامي فقد جلس منصور وهو يحمل
ابنته التي ألقت برأسها على كتفه النحيل واستسلمت للنوم, بينما أمها قابعة
في السجن بعد أن أبت الخضوع لهذا الظلم, وقد عُرض عليها دار الإيواء
الاجتماعي كمأوى لها ولابنتيها لكنها رفضت بعد أن علمت أن الدار عاجزة عن
عدم تسليمها لإخوتها إذا جاؤوا في طلبها, وبما أن القانون يمنع وجود الطفل
في السجن إذا تجاوز سنتين فقد خرجت الكبرى وبقيت الصغرى مع أمها, ومع مرور
ذكر كلمة القانون هنا, ليس لي إلا أن أتساءل: يا تُرى أين أجد القانون
لأسأله عن حضوره في مكان وغيابه في آخر؟!
ليس ثمة مجال لذكر كل ما دار في الندوة, وقد تعهدّت مجلة سيدتي بنشر
تفاصيلها قريباً, ولذا سأدع أصابعي تتلمّس على هدىً من إنسانية وقبسٍ من
دين وضوءٍ من معرفة بالعصر وشِرعته في حقوق الإنسان, ما يمكن أن يُكتب في
محنة أسرية وكارثة اجتماعية كهذه, ولست – ومثلي كل من شهد ذلك المجلس
المبارك – بالتي تخشى قول الحق في أمر يسيء للمملكة التي أطلق عليها الملك
الراحل اسم مملكة الإنسانية والتي دلّت خطوات الملك الإصلاحي عبد الله منذ
استلامه للحكم على أن هذا الاسم ليس مجرد رأي بل هو موقف تتّخذه المملكة في
كل زمان ومكان؛ وإذا كان الأمر مسيئاً للمملكة فهو مسيء لوجه العملة الآخر
ألا وهو الدين العظيم الذي تحمل أمانة نشره المملكة كدين حضاري بنّاء, فكيف
بالله عليكم إذا سمع خبر فاطمة ومنصور ذلك المسؤول الهولندي الذي ساوى بين
الإسلام والنازية لأن المسلمين يُكرهون أبناءهم وبناتهم على الزواج ممن لا
يريدون؟ كيف إذا علم أن المسلمين يجبرون الزوج على طلاق زوجته وهو بها راغب
وهي له محبة؟ كيف يترك عائل أسرةٍ عمله ليزرع الأرض بحثاً عمن يناصره ويعيد
له زوجته؟ كيف تُمضي زوجته أيامها في السجن بعيدة عنه ومصيرها على كفّ
عفريت؟ من لهاتين الطفلتين اللتين تعيش إحداهما مع أمها داخل أسوار السجن
بينما تعيش الأخرى مع والدها بين أسوار سجن أكبر؟ سجن العادات والتقاليد
التي ما أنزل الله بها من سلطان!
لن أخجل من وصف حالتي الآن إذ لا أملك عينيّ من الدموع, كما كانت حالتي
عندما سألتني السيدة سميرة عن الأبعاد الاجتماعية لهذه الكارثة, ولولا
استحيائي من الأفاضل الذين كانوا موجودين ولولا أني أتيت لأشدّ من أزر
منصور لتركت العنان لنفسي أن تبكي رجلا تحوّل إلى شبه إنسان. نعم, لقد رأيت
ذلك الرجل على شكل شظايا إنسان متناثرة, فشظية تحتضن ابنته في المجلس وشظية
أخرى في السجن تحوط زوجته وتضمّها بقوة كي تبقى صامدة ووفية, وشظية ثالثة
تمسح رأس الطفلة الصغيرة المسجونة مع أمها, والبقية الباقية من شظايا منصور
بلا عمل وبلا حيلة, ولولا أن الله هيأ له من يفعّل قضيته هنا وهناك لتحوّل
إلى حطام إنسان؛ ولكنها الشظايا يا منصور, والشظايا تحرق وتشوّه, فقد
أحرقتْنا مأساتك بعد أن أحرجتْنا تلك المحكمة إذ نزعت عنها رداء الإنسانية
وتلبّست مسوح الدين لتخبر الناس أن مملكة الإنسانية ليست إلا وهماً, وأن
دين الإسلام دين خال من الإنسانية؛ ونحن يجب ألا نسمح لتلك المحكمة
ومثيلاتها أن تشوّه وجه الإسلام الحضاري في زمن الحرب على الإسلام, ولا أن
تلطّخ سمعة المملكة بالعار في عصر حقوق الإنسان, وسنقول كما قالت إحدى
الأخوات المشاركات في الندوة: كلنا منصور.. كلنا فاطمة!
نقلت لنا السيدة سميرة عن فاطمة ما أخبرتها به من أنها إما أن تخرج من
السجن إلى زوجها وإما إلى القبر, وطلبت منا توصيات شفهية لتنقلها إلى من
يهمّه الأمر, فكانت توصيتي أن العلاج يجب أن يشرك بالوقاية, والعلاج الحالي
يكون بنقل فاطمة وطفلتها من السجن إلى دار الإيواء الاجتماعي ريثما يصدر
حكم ينقض الحكم السابق ولا يحق لإخوتها أن يطلبوها فهم ليسوا أولياء أمرها؛
والوقاية تكون برفض المفاهيم الخاطئة كمصطلح ولي أمر المرأة فهو أمر لا
وجود له في الشرع بعد بلوغها سن الرشد, اللهم إلا في حالة نكاحها, وبما أن
فاطمة قد وافق والدها على زواجها فلا يحق لأحد أن يعترض عليه, وفي المذاهب
الأربعة بما فيها الحنبلي لا يحقّ لأحد سوى الزوجة طلب فسخ الزواج, أما
فسخه لنقص الكفاءة في النسب فهو في حالة واحدة عندما تزوّج المرأة نفسها
بدون علم وليّها, وهذا ما لم يحصل مع فاطمة لأن زواجها موثّق في محكمة
شرعية وبموافقة والدها, وإذا لم تحلّ هذه القضية الآن فمعنى ذلك أن لقاحات
الوقاية انتهت صلاحيتها, ولن يمكن منع المأساة من التكرار بألوان أشد
قتامة, إذ بمجرد أن يموت الأب قد يخوّل الإخوة لأنفسهم حق زعزعة أمان أختهم
في ظل زوجها وتفريقها عنه, لذا لا بد من الوقاية بحماية الأسر ممن يتربّص
بها, وما جمعه الله لا يفرقّه إنسان.
20/11/2006