الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) الأخلاق في عصر العولمة.. الحشمة كحل للأزمة
 
 
 

أقرأ هذه الأيام كتاب "ثقافة العولمة وعولمة الثقافة" وقد راق لي ما كتبه الدكتور برهان غليون عن الكيفية الصحيحة لاستجابة العرب للعولمة, فقد وجدت أن هذه الفكرة عبّرت عما أسميه "غزو العولمة من داخلها", ومفادها أن الثقافات الأقوى إذا كانت تسعى إلى غزو الثقافات الأضعف فإن لدى هذه الثقافات الضعيفة عناصر قوة لو عرفت كيف تستفيد منها لاستطاعت أن تقلب المعادلة رأساً على عقب, وأهم عناصر القوة في الثقافة العربية هو دين الإسلام بأبعاده الحضارية التي تتقبّل الآخر المختلف وتحترم المرأة كعنصر أساسي في بناء كياني الأسرة والمجتمع؛ فقد حدّد الإسلام لكل من الرجل والمرأة مسؤولياته وبيّن سبل الحفاظ على أمان الأسرة واستقرار المجتمع, وذلك من خلال بيان حقوق كل منهما ومن خلال نظامين هامين هما نظام قوامة الزوج في الأسرة ونظام حجاب المرأة في المجتمع.

الجدل السائد هذه الأيام حول حجاب المرأة بات لافتاً للنظر أكثر من أي وقت مضى, وهو دلالة حقيقية على أن العولمة قرّبت البعيد وسرّعت البطيء, فمن أين لوزير خارجية بريطانيا جاك سترو أن يتكلّم عن النقاب لولا أن النقاب أصبح معوْلَماً كما لم يكن من قبل؟ ومن أين لمفتي الجالية المسلمة في أستراليا الشيخ تاج الدين الهلالي أن تُترجَم محاضرته التي ألقاها على مسامع الجالية المسلمة بالعربية إلى الانكليزية وتتناقل حكايةَ (اللحم المكشوف والقطط) وكالاتُ الأنباء العالمية بعد أن مضى عليه 25 سنة في أستراليا دون أن يسمع به إلا من هم ضمن حدودها؟

إذا بدأنا بما نُقل عن طلب جاك سترو من النساء المنقبات أن يخلعن نقابهن إذا أردن مقابلته لأنه لا يرتاح بمحادثة من لا يرى وجهه, فالحق يقال أن الرجل هو ابن بيئته, فلماذا يلام بريطاني اعتاد على رؤية أجزاء كثيرة من أجساد النساء في الشارع إذا طالب برؤية وجه محدّثه؟ لعلنا نتذكر هنا رحلة الشيخ حمزة يوسف الأخيرة عن (النساء ما لهن وما عليهن) إذ سُجِّلت بعض حلقاتها في بريطانيا وتضمّنت صور سريعة ومقابلات مع نسوة بريطانيات غير مسلمات وبعضهن بدا من جسدها أكثر مما خفي, فهل يلام الشيخ حمزة لأنه أظهر في برنامجه نسوة شبه عاريات؟ كأن تلك المشاهد تذكّرنا بعبارة انكليزية مشهورة:(love it or leave it) أي أحبها أو اتركها, فهذه ثقافة المجتمع الغربي, وبدل أن تقوم الدنيا على سترو وغيره من البريطانيين, يتوجّب شكرهم لتقبّلهم وجود الجاليات الإسلامية بالرغم من كل تناقضاتها خاصة من ناحية أزيائها المنسوبة إلى الإسلام, وما هي إلا ثياب تشير إلى تقاليد البلد الأصلي الذي جاءت منه كل جالية, علماً بأن الزيّ أحيانا لا يوحي بكونه تقليداً حقيقياً بقدر ما يتضمن ولاء سياسياً أو عقدياً معيّناً.

نقاب المرأة كان عادة مشهورة في بعض القبائل العربية قبل الإسلام واستمر بعد مجيئه, لكنه لم يكن معروفاً في مجتمع مكة والمدينة بدليل الحديث الصحيح الذي يروي أن امرأة منقبة جاءت تسأل عن ابنها الذي استشهد في إحدى الغزوات مع رسول الله عليه الصلاة والسلام, فتعجّب بعض الصحابة من فعلها قائلين:(جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟!) فأجابت:(أن أُرزأ في ابني خير من أن أرزأ في حيائي), وإذا كان جواب المرأة يدل على اقتناعها بالنقاب فإن تعجّب الصحابة الكرام يشير إلى عدم وجود النقاب في بيئتهم, كما أن توقف الحديث عند هذا السؤال وجوابه دون أي تدخل من رسول الله لتصحيح مفهوم الصحابة عن وجوب النقاب يوضّح أن النقاب ليس واجباً في الإسلام, كما يُستدلّ على أن الإسلام ترك للأعراف والتقاليد دوراً في زيّ المرأة فلم يثبت تلك العادة ولم يمنعها ما دام لم ينتج عنها أي ضرر اجتماعي, ولم يفرض أكثر من الجلباب الذي هو لباس واسع سابغ لجسد المرأة إضافة للخمار الذي تضربه المرأة على جيبها أي النحر وفتحة الصدر, أما الشعر فتغطيته أمر مفروغ منه بحكم أن هذه التغطية رمز لعفاف المرأة منذ أقدم العصور, بخلاف تغطية الوجه الذي كان تقليداً شائعاً لدى الطبقة الراقية كأميرات فارس مثلا, ومن المعلوم تاريخياً أن بنات كسرى كنّ منقبات عندما أخذهن المسلمون كسبايا وقد صفعت إحداهن من حاول كشف نقابها ليرى وجهها من أجل شرائها؛ وقد امتد النقاب من فارس إلى بلاد الشام وغيرها خاصة خلال الحكم العثماني الذي اشتهر بمسمى الحريم؛ وللاستزادة يمكن الرجوع لمقالتي (حجاب المرأة بين العقل والنقل) نشرتها صحيفة الوطن بتاريخ 30/4/2005.

  لو تأملنا المسألة بعين العصر فلا ريب أن عادة النقاب منتشرة ومقبولة في البلاد الخليجية على عكس البلاد الأخرى التي دخلها النقاب كمغزى سياسي, فالإخوان المسلمون في مصر وسوريا ومنذ بدء تأسيس حركتهم لم يدع أحد منهم المرأة إلى النقاب؛ أما عندما جاء قسم منهم إلى المملكة العربية السعودية فقد تبّنوا هذه الدعوة ومنهم المرحوم الشيخ عبد الله ناصر علوان كما ذكر في كتابه (تربية الأولاد في الإسلام) فإذا عرفنا أصول علوان التي تعود لمدينة حماة السورية والتي توجب على نسائها تغطية الوجه كتقليد لا أكثر ولا أقل, أدركنا أن غطاء وجه المرأة أو كشفه يعود إلى الحاضنة التربوية للشخص نفسه, وليس هنا مجال الحديث عن اجتماع الجناحين المتشددين من السلفية والإخوانية, ولكن يجب ألا نغفل الجماعة الإسلامية في باكستان والتي ترى أن النقاب فريضة في بلدها وخارجه, ومن هنا كان انتشار النقاب بين نساء الجالية الباكستانية في بريطانيا, وقد تأزمّت الأمور بعد فصل معلمة باكستانية من عملها لأنها رفضت خلع النقاب مع أنها تعلِّم اللغة الانكليزية لطلاب المرحلة الابتدائية, ولو أنصف مشجعو النقاب لأخذوا بكلام الشيخ القرضاوي الذي نصح بعدم لبس النقاب في بلاد الغرب والاكتفاء بالخمار واللباس الساتر لأن النقاب لا يشجع على الاندماج خاصة في بلاد تستهجن التمييز بين المرأة والرجل فكيف ستقبل الغطاء الأسود للوجه دلالة على الأنثى؟!

 ولا شك أن كثيرين من الغربيين يتساءلون: أي الأزياء هو لباس المرأة المسلمة؟ ولماذا تغطي بعض المسلمات وجوههن وبعضهن تسفر عنه؟ كما أنهم يتساءلون عن التناقضات الأخرى مما له علاقة بالمرأة, وقد أظهرت بعض الأفلام الوثائقية هذه التناقضات وعُرض أحدها حديثاً على قناة فضائية ودارت بعض مشاهده حول الاغتصاب التي تتعرض لها الفتيات المسلمات من قبل أئمة المساجد في "الغيتوهات" الآسيوية, وعندما يفعّل بعض الآباء والأمهات القضية فتُرفع إلى القضاء البريطاني ليصلوا إلى حكم عادل في حق ابنتهم فإن الجالية المحيطة بهم تنبذ الأسرة بكاملها وتشوّه سمعة الفتاة وتدافع عن الإمام المعتدي, كلّ ذلك كي لا يساء للجالية, فهذا المثال مسيء لصورة الإسلام من أكثر من ناحية, خاصة أن الغربيين يقدّسون الفردانية فلا يقبلون التضحية بالفرد من أجل مصلحة المجموع.

على كل حال لم تكن تلك الفتيات المغتصَبات لحماً مكشوفاً لأحد لكنهن تعرّضن للاقتراب من مرضى نفسيين يتلبّسون بعمامة الشيخ, وهو الحال نفسه في جريمة التحرش الجنسي الجماعية التي قام بها بعض المهووسين جنسياً أمام دار سينما في القاهرة ثاني أيام عيد الفطر والتي لم تنجُ منها محجبة ولا منقبة ولا سافرة؛ وكلتا الظاهرتين تقرع ناقوس الخطر بأن جريمة الاغتصاب لم تعد قاصرة على مكان دون مكان, بل امتدت لكل حيّز طالته وسائل الإعلام التي هي أحد أهم أدوات العولمة بما في جعبة هذه الوسائل من فساد وإباحية وخروج عن الفضائل وهدر للقيم؛ ومن هنا نتفهّم خوف الشيخ الهلالي على المرأة المسلمة في استراليا, وقد بدا الشيخ في برنامج (نقطة نظام) على قناة العربية كأنه متهم في قفص بفضل المحاور المعروف بصرامته ولكنه "زوّدها حبتين" فتحوّلت الحيادية الإعلامية إلى أحكام مسبقة, وكم تمنيت لو أن الهلالي لم يذكر اقتباسه عبارة اللحم المكشوف من مصطفى صادق الرافعي كردّ على اعتراض الغربيين على تشبيه الإنسان بالحيوان, لأنه الحال في كثير من الأمثال الغربية فهناك عبارة غربية تعلمناها في دراسة الطب تنصح الطبيب العام بتحويل المريض إلى الأخصائي الذي يتحمل المسؤولية بحكم تخصصه:(إذا وجدت من ينبح عنك فلا تقم بالنباح)؛ وبعيداً عن اللحم والقطط والكلاب فإن حجاب المرأة كما شرعه الله يشكّل حماية لها من الإساءة, شرط أن تتوافر تربية الجنسين على تنمية الضمير الذاتي وتفعيل الرقابة الاجتماعية في آن واحد؛ وعوداً إلى افتتاحية المقالة عن العولمة فإن الحجاب بشكله المقبول لأصحاب الفطر السليمة قد يكون غزواً للثقافة الغربية في عقر دارها, وأرجو ألا يظن أحد أن هذا تفاؤل في غير محله, فها هي المؤسسات التربوية الأمريكية تحثّ المراهقات إلى عدم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج بعد أن وصل عدد أطفال الأمهات العازبات إلى مليون ونصف خلال عام, ولن يمكن إنجاز هذه المهمة الصعبة دون إعادة المرأة إلى حيائها الذي هو تاج أنوثتها.

الوطن السعودية 6/11/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |