الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) ثقافتنا تجاه المرأة سبب لكراهيتهم الإسلام.. زواج الصغيرات مثالا
 
 
 

وصلني بريد الكتروني من شخص غاضب على الدانمركيين بسبب استمرارهم في مسلسل السخرية من رسول الله عليه الصلاة والسلام, يطالب فيه بتجديد المقاطعة لبضائع الشركات الدانمركية ومنها الشركة التي ظهر شعارها على يسار الصورة المرفقة بالرسالة الغاضبة وهي شركة "LEGO", وقد كُتبت على يمين الصورة عبارة باللغة الانكليزية تقول: العب كأنك الرسول محمد, وأسفل منها جملة توضّح أن اللعبة تتضمن 23 زوجة بما فيهن الطفلة عائشة ذات الأعوام الستة؛ وأما الصورة فيبدو فيها لعبتان ذكر وأنثى بوضعية خاصة مع إشارة إلى أن اللعبة غير مناسبة للفتيات؛ مما يُستنتج معه غالباً أن هذه الشركة قد أنتجت لعبة قليلة الأدب تتضمن أفعالا جنسية عنيفة بغاية إهانة المصطفى عليه الصلاة والسلام وزوجاته أمهات المؤمنين واللواتي بلغ عددهن تسعاً فقط وليس كما يفتري هؤلاء القوم؛ وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً فليس من داع للسؤال عن السن الذي خصصته الشركة لهذه اللعبة لأن التربية الجنسية - بشكلها الخاطئ غالباً- موجودة في الثقافة الغربية؛ كما أن عوامل كراهية الإسلام في هذه الثقافة والتي أدّت للإساءات المتكررة للنبي الكريم معروفة وأهمها الخوف الْمَرَضي من الإسلام كونه الدين المتناغم مع فطرة البشر ولذلك هو أسرع الديانات انتشاراً إضافة إلى عوامل أخرى ليس مجال ذكرها هنا لأن السؤال المفروض طرحه يتجاوز نقد الغربيين الذين لا يكفّون عن نقد أنفسهم, إذ الهدف هو نقد الذات التي اعتدنا على تبرئتها واتهام الغير, ويدور محور السؤال حول العوامل الذاتية لانتشار كراهية الإسلام والكامنة في ثقافتنا نحن, خصوصاً ما له علاقة بالمرأة, ومن هذه العوامل ما ترمي إليه الصورة سيئة الذكر أعلاه كزواج الصغيرات وغياب الحقوق الجنسية للمرأة وتعدد زوجات النبي عليه الصلاة والسلام؛ وأما الأول فهو موضوع المقالة, وأما الثاني والثالث فقد تناولته بالتفصيل في موسوعتي عن حقوق المرأة والتي ستصدر قريبا بإذن الله. 

بالطبع سينبري كثيرون ليدافعوا عن الإسلام مردّدين المقولة المكرورة وهي أن الإسلام أعطى للمرأة كل الحقوق التي تتفّق مع طبيعتها وفطرتها, ثم يستغرق هؤلاء بتصوير طبيعة المرأة من زاوية رؤيتهم الخاصة وكأنها رؤية الإسلام, فالمرأة في نظرهم مخلوق ضعيف أعوج مسلوب الإرادة ناقص العقل والدين سهل الخضوع للشيطان وهو لذلك مناط مكر الشيطان بالرجل, لذا فإن هذا المخلوق الذي هو المرأة ليس إلا فتنة وعورة ومن الأفضل سجنه في البيت وتقييد حقوقه ضمن إطار ضيق لا يتجاوز السماح بالتنفس وبعض الوظائف الغريزية الأخرى, وقد لا يسمح لها بعضهم بتناول الطعام معه حتى لو كانت زوجته أو ابنته؛ وقد قرأنا عجباً عن بعض القبائل التي لا يرى فيها الرجل وجه زوجته, كما قرأنا بحزنٍ الخبر عن الفتاة السعودية الفقيرة التي انتحرت بسبب الجوع مما يطرح تساؤلا ليس عن جمعيات البر الخيرية كما تساءل بعض الكتاب بل عن الرجال في تلك العائلة؛ وبالطبع لا نريد منهم أن ينتحروا جوعاً, لكن ألا يذّكر هذا الخبر بالقصة التي حكاها أشرف الخلق عن المرأة التي دخلت النار في قطة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض؟

على كل حال فقد تمت مناقشة خروج المرأة للتكسب والعمل في مقالات كثيرة, وإذا رّدها بعض المتشددين فهو مما يؤكّد جنايتهم على الإسلام, وأما الجناية موضوع المقالة فهي إباحة الزواج مع وجود فارق السن الكبير, ولا يخفى على المتابع الحصيف أن كثيرين من المفكرين الغربيين يعتقدون أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان مصاباً بحب الأطفال, وهؤلاء لا يتحمّلون وحدهم وزر هذه الفكرة الخاطئة بل تتحمّلها كتب التراث التي قصّر فقهاؤنا عن نقدها, هذا إذا لم يعتبروها كلاماً مقدّساً لا يجوز نقده أساساً؛ وبما أن الشيء بالشيء يذكر فأروي ما حصل معي عندما عُرض عليّ أحد أجزاء سلسلة (ما لا نعلمه لأولادنا) لأراجعه قبل طباعته, وهو كتاب الشيخ الدكتور منير الغضبان عن التربية السياسية للطفل, وكان الدكتور قد استشهد بقصة عن اهتمام النبي بعائشة كأنثى وعمرها لَمّا يتجاوز خمس سنوات, فسجّلت اعتراضي على القصة مع ملاحظات أخرى على الكتاب, وعندما التقيت بالمؤلف سألته عن مدى صحة هذه القصة فأخبرني أنها رواية تاريخية ضعيفة غير مثبتة كرواية صحيحة, فذكرت له الاتهام الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام وأنه مصاب بالبودوفيليا أي حب الأطفال الجنسي, وأشرت عليه بحذف هذه الرواية لأن الرواية الصحيحة تبيّن أن الرسول لم يفكر بعائشة كزوجة إلا عندما رآها في الحلم يحملها جبريل عليه السلام في لفافة من حرير ويخبره بأنها زوجته, وكان تعليق النبي عليه الصلاة والسلام:(إن يكُ من عند الله يُمضِه) مما يدل على عَجبه من هذه الرؤيا؛ وبما أن رؤيا النبي جزء من الوحي فقد تمّ العقد عليها وهي بعمر ست سنوات في مكة, ولم يدخل بها الرسول عليه الصلاة والسلام إلا وهي ابنة تسع بعد الهجرة إلى المدينة؛ وفعلا قام المؤلف بحذف هذه الرواية جزاه الله خيراً؛ وقد أتيت بهذه القصة لا لأستشهد بها على أخطاء الكتب التراثية فقط بل كي أستدل بها على تراجع الأكثر علماً لتحلّيه بفضيلة التواضع وهي صفة ترفع العالِم لأن آفة العلم الغرور؛ ويكفي أن بعضهم يحتكر الدين كأن ليس للمثقفين والعامة حق في السؤال والنقاش, وليست بعض ما في نقاشات صحيفة "الوطن" إلا مثالا حياً لإلغاء الآخر؛ فهؤلاء الأخوة يجب تذكيرهم بأن النبي إبراهيم عليه السلام طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه بالإيمان, مع أن إبراهيم بشر والله رب الأرباب, ولا مانع من تذكيرهم أيضاً بأن الله حاور إبليس قبل طرده من الجنة, مع أن الله أعلم بمصير الرجيم قبل حواره معه, بينما يقصر علمنا عن إدراك مصير أحد, وأنهي استطرادي - غير المقصود - بالحديث الشريف:(تخلقّوا بأخلاق الله).

وإجابة على السؤال: ماذا قدّم الفقهاء ليدفعوا عن رسول الله تهمة حب الأطفال؟ فأذكر أن بعضهم -وهم الأكثر اعتدالا- أوضح أن النبي الكريم تزوّج عائشة كي يكون صهراً لأبي بكر إظهاراً لفضل أبي بكر على غيره من المسلمين؛ وبالرغم من هذا التفسير المقبول فإن أحداً لم يتوانَ عن ترويج الزواج من الصغيرات كأنه سنة الرسول وربما اتبعها بعضهم كمكرمة, وربما قدّم بعض الآباء بناتهم للفقيه البالغ من العمر ما يتفوّق به على أعمار الآباء أنفسهم, وذلك انطلاقاً من احترام مكانة الفقيه العلمية كوارث محمديّ حيث أن العلماء ورثة الأنبياء؛ وفات هؤلاء الناس الكثير حول موضوع الوراثة المحمدية التي لا يستحقها إلا أهلها والذين يجب أن يرثوا الأخلاق وليس فقط العلم, كما فاتهم أن الزواج ليس علاقة بين شيخ وتلميذته, بل هو علاقة جسدية يجب أن تكون متقاربة فيزيولوجيا كي تقوّي الرابط العاطفي الذي هو أساس بناء أسرة متماسكة؛ والسؤال المطروح: هل حقاً يبيح الشرع الزواج مع فارق العمر على ما فيه من أضرار جسدية ونفسية للمرأة؟ فأما الأضرار النفسية فهي شعور المرأة بأنها موضع لذة من لا تهواه ولا تريده, وأما الأضرار الجسدية فإن الرجل المتقدم بالعمر لا يخلو من مرض كالضغط والسكر فتتحوّل المرأة ممرضة له نهاراً بينما ينقل لها ليلا الالتهابات الناجمة عن إصابته بالتهاب غدة البروستات وتضخمّها, ولا ينبِّئك بأمراض النساء مثل خبير!

وبالنسبة لزواج الرسول الكريم من عائشة فهي رؤيا تتضمن وحياً من السماء أي أنه أمر يجب أن يقوم به الرسول عليه الصلاة والسلام وإلا كان آثماً, وحاشاه عن الإثم, فهذا الحدث خضع لوحي إلهي, فهل يستطيع أحد مهما كان متبحّراً في العلم الشرعي أن يخبرنا عن تلقّيه - هو نفسه - وحياً من السماء دون أن نشكّ بعقله وإيمانه؟ هنا قد يقول قائل: لكن الفقهاء الأقدمين لم يمنعوا الزواج بالصغيرات واستمدوا حكمهم من القرآن الذي يحدّد عدة الأنثى التي لم تبلغ سن الحيض بثلاثة قروء أي ثلاثة أشهر, فالسؤال الذي يُردّ به على هذا القول: وأين الدليل على صحة زواج الكبير بالسن بصغيرة لم تبلغ؟ ولماذا لا تأخذونه دليلا على صحة عقد قران الصغيرة فقط دون أن يكون معناه السماح لمن هو في عمر والدها برشف برعم لم يتفتّح بعد؟ ثم إذا كان العرف السائد آنذاك لا يمنع من عقد قران الصغيرة فنحن الآن في زمن حقوق الإنسان, فلماذا لا نأخذ برأي الشيخ القرضاوي مثلاً والذي أيّد القانون المصري الذي يمنع زواج من لم تبلغ 18 عاما؟

في صحيح ابن حبان حديث النبي عليه الصلاة والسلام:(ليس لوليٍّ مع الثيب أمر واليتيمة تُستأمر وصمتها إقرارها) وتعليق أحد الفقهاء عليه:(ثم يُتربّص بالعقد إلى البلوغ لأنها وإن صمتت وأذنت ليس لها أمر ولا إذن إذ الأمر والإذن لا يكون إلا للبالغة) وهذا تعليق جيد لكن ما المانع أن نجعله مناسباً للعصر أكثر بعد أن رأينا بيوتاً تتهدّم وأسراً تتشتّت ونساء تهرب من بيت الزوجية بسبب تزويجهن ممن يكبرهن سناً ولا يرغبن به؟ وهل نعيد النظر في الفقه ليكون متماشياً مع روح العصر ومتلائماً مع حكمة الشرع الذي جاء لمصلحة البشر جميعاً وليس لمصلحة الرجال أو إرضاء لنزواتهم فقط.

الوطن السعودية 30/10/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |