|
دارت أول محاضرة قدمتها في أول سنة لاختصاصي في أمراض النساء والولادة حول "الحمل
عالي الخطورة", ورغم أنها كانت منذ عشرين عاماً تقريباً فإني أستطيع تذكّرها
بتفاصيلها, وذلك لأن كثيراً مما ورد فيها نظرياً رأيته في حياتي العملية, وقد
اقتبست المحاضرة آنذاك من المراجع الطبية الغربية التي تصنّف تعدّد حمل المرأة أكثر
من أربع مرات ضمن الحمل الخطر, وكذلك ارتفاع سن الحامل فوق الخامسة والثلاثين أو
نقصانه عن العشرين, وهي حالات تتكرر مشاهدتها في عيادات النساء والولادة وتكون
المرأة أكثر تعرضاً لاختلاطات الحمل مثل ارتفاع الضغط المؤدي إلى الانسمام الحملي
وما يرافقه من اختلاجات قد تؤدي إلى عقابيل أخطرها الوفاة, وغير ذلك كثير.
ممارس طب النساء والولادة يواجه مشكلة في بعض مناطق
المملكة التي تحرِّم عليه أن يرشد المرأة إلى تنظيم
النسل كي لا تضر بصحتها, مع أن الحديث الشريف واضح:(لا
ضرر ولا ضرار), وسوى موضوع التحريم فإن بعض الأزواج
والزوجات يعتبرون نصيحة الطبيب تدخلا في حياتهم
الشخصية مع أنه من وجهة نظر أخرى يعتبر كاتماً للعلم
وبخيلاً بالنصيحة المفروضة للمسلم على أخيه المسلم؛
وقد وجّه القرآن إلى أن تكون فترة إرضاع الطفل عامين,
وكذلك نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الغيلة وهي
الحمل مع الإرضاع بقوله:(لاَ
تَقْتُلُوا أوْلاَدَكُم سِرًّا فإنَّ الْغَيْلَ
يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ)
وعندما سُئل النبي الكريم عن العزل لم يحرمه,
واجتهادات الفقهاء المعتدلين توضح أن تنظيم الحمل ليس
محرماً في الإسلام, وبرغم كل ذلك فإن المجتمعات
العربية بشكل عام - والمجتمع السعودي بشكل خاص- ما
تزال تنظر إلى كثرة النسل بأنه من مفاخر الأمة العربية
الإسلامية مع أنه من الواضح أن هذه الكثرة لم تعد إلا
كغثاء السيل, ومع أن التربية أصبحت معضلة العصر الأولى
بسبب تنوع مصادر المعلومات – الحسنة والسيئة - بالنسبة
للناشئ وتأثره بوسائل الإعلام التي جعلت دور المؤسسات
التربوية التقليدية كالأسرة والمدرسة يتراجع إلى حدّ
غير مسبوق, إضافة إلى غلاء المعيشة وتدني الدخل وتناقص
الفرص الوظيفية للجيل القادم, كل ذلك يدعو العاقل إلى
التخطيط لحياته وحياة أسرته بشكل يتجاوز العشوائية
التي تعمّ عالمنا العربي ويقلّل من الفوضى الأسرية
التي وسمت بيوتنا فأصبحت أقرب إلى (موتيلات/فنادق
صغيرة) منها إلى بيوت تحوطها السكينة وتغشاها المودة.
من
خبرتي الشخصية فإن الحمل عندما يتكرر بشكل سريع أي
بفاصل أقل من عامين وبدون أن تستعيد المرأة كامل صحتها
فإنه لا يعتبر حالة فيزيولوجية أي طبيعية بل هو حالة
أقرب إلى المرض, فكيف إذا ترافق مع كبر سن الحامل فوق
الخامسة والثلاثين؟ وكيف إذا كان لديها ثلاثة أولاد
آخرين؟ وكيف إذا تصاحب مع بعض الأمراض المنتشرة بكثرة
في المملكة مثل السكري وزيادة الشحوم وارتفاع ضغط
الدم؟ بل كيف إذا كانت هذه الأم عاملة؟ لقد أجاد أحد
رسامي الكاريكاتير في صحيفة محلية عندما رسم شكل معلمة
ويعتصرها من كل حدب وصوب أوامر المديرة والمشرفة
وطلبات الزوج والأولاد, إضافة إلى أنها كثيرا ما تكون
مسؤولة عن دفع راتب الخادمة والسائق وقد تساهم في دفع
أقساط المنزل أو السيارة, وقد تكون مطلقة ومتزوجة من
جديد, وهي من ينفق على المنزل كله أو بعضه بحكم أن
لديها أولاداً من زوج سابق, ويريد الزوج الجديد أطفالا
منها مع أن لديه أطفالا من غيرها, وبالطبع فإن الإنجاب
هو حق للزوجين أحدهما على الآخر, ولكن يجب أن يتم
بالتراضي, ومنعه كذلك, وأنا لا أكتب إلا من وحي تجربتي
الشخصية مع مريضاتي, فما إن تصل إحداهن إلى سن
الأربعين إلا وتكون قد استُهلكت بكل ما في هذه الكلمة
من معنى ومع ذلك تستمر في الإنجاب, وتستمر شكواها
الجسدية ومعاناتها النفسية بل وتزداد؛ ومع أن أكثر
الحالات التي تراجعني في العيادة هي بسبب رغبة الزوج
بالمزيد من الأولاد, لكن بعض النساء ترى أن استمرارها
بالإنجاب بعد الأربعين هو دليل على أنها ما تزال شابة
وخصبة, وقد لا تصارحني بما في وعيها أو لا تشعر بما
ترسّب في لاوعيها من خوف أن يتزوج زوجها عليها إذا
توقفت عن الإنجاب.
وقياسا
على موضوع الإرضاع الوارد في القرآن أنه يفترض التشاور
بين الزوجين, (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور
فلا جناح عليهما), فلماذا لا يكون تنظيم الحمل موضع
تشاور أيضاً ما دام بغاية الحفاظ على صحة المرأة
الإنجابية لتستطيع أن توازن حياتها وتسعد أسرتها دون
أن ترهق جسدها؟ نسبة كبيرة من الحوامل مصابات بفقر
الدم ونقص الكالسيوم مع أننا لسنا في دولة فقيرة ولا
يعتبر الغلاء حجر عثرة في سبيل غذاء متوازن – رغم
ارتفاع الأسعار الحالي – لكن السبب هو الجهل بالقيمة
الغذائية للأطعمة, وكثيراً ما يستوقفني زوج يعتقد أنه
يعتني بزوجته الحامل من خلال إحضاره لأنواع العصير
المختلفة, مع أن العصير ليس سوى ماء وسكر, فحتى
الفيتامينات تفقد قيمتها إذا لم يتم تناول الفاكهة
طازجة, والفاكهة الوحيدة الغنية بالحديد هي الفراولة,
وإذا لم يتم تناوله في اليوم نفسه أصبح له طعم قريب من
الصدأ لغناه بالحديد, وقد يكون مضراً في هذه الحالة.
الفتاة
التي تتزوج صغيرة وتنجب تتعرض لمخاطر صحية تعرف بما
يسمى متلازمة "حمل المراهقات" وهو حمل عال الخطورة,
فهن أكثر عرضة للانسمام الحملي والولادة القيصرية,
والروماتيزم الذي كنا لا نشاهده إلا في أعمار تتجاوز
الأربعين أصبحنا نراه في فتيات قبل العشرين, , وباتت
النساء تشكو من آلام الحمل الأول كما لم تكن تشكو
جداتنا حتى مع الحمل العاشر, على سبيل المثال "عرق
النسا" هو مرض معروف يمتد فيه الألم من العمود القطني
إلى الورك حتى القدم, وسمي بهذا الاسم لأنه يكثر وجوده
في النساء, لكن ما درسناه في الأدبيات الطبية عن
مواصفات المصابة به أنها متعددة الولادات بدينة معمّرة
لم يعد يصدق على الحالات التي نراها يوميا؛ ومن تجاوزت
الأربعين فإن حملها يعتبر مرضا على مرض, لأنها بالكاد
تستطيع أن تحمل جسدها بسبب تعدد الحمول والبدانة وما
شابهها من الأمراض, إضافة إلى ارتفاع نسبة تشوهات
الأجنة وخاصة المنغولية, فهل يمكن أن نطلب الرأفة
بنساء هذا العصر لأن أجسادهن لم تعد كأجساد نساء
القرون السابقة حيث اختلفت البيئة بعد زيادة الملوثات
وغاب الغذاء الصحي لحساب الأطعمة السريعة (الجانك
فوود) واختفت الحياة الطبيعية ليتم استبدالها بحياة
صناعية شكلا ومضمونا؟
أما
نفور الزوج من تغير شكل المرأة الحامل فيبدو أنه أصبح
موضة هذه الأيام, ولم تعد مجرد أزمة خاصة بالمغنية
"بريتني سبيرز" التي أصيبت باكتئاب نفاس بعد أن وضعت
مولودها الأول لأنها شعرت أن زوجها لم يعد يهتم بها
كسابق عهده, بل امتدت إلى عالمنا العربي لكن الرجل
الغربي لا ينطلق من مبدأ تكاثر القبيلة كما هو حال
الرجل العربي الذي يريد المزيد من الأولاد ويريد في
نفس الوقت زوجة بجسم "مانيكان" فهل لهذه المعضلة م حل؟
لذلك تسارع النساء إلى النوادي الرياضية والمراكز
الصحية المختصة بالتخسيس, ولو اقتصر الأمر على الرياضة
والنظام الغذائي المتوازن لهان الأمر, لكن كثيراً ما
تأتي سيدة إلى عيادتي لتسألني عن فعالية ومخاطر نوع
معين من الإبر التي تخفي الشحم في الردفين, وأنظر إلى
جسد السيدة فيبدو لي أنها نحيفة فعن أي ردفين تتحدث؟
لكن عندما يدلف زوجها خلفها أعرف أن وراء الأكمة ما
وراءها؛ وتأتيني زوجة لتذرف دموعها بأن زوجها لا
يقربها أثناء الحمل لأن شكلها أصبح كالبطة, وعلى طبيبة
النساء والولادة أن تكون قارئة جيدة لوجوه الرجال كي
تعلم متى يجوز لها أن تتدخل ومتى عليها أن تصمت
فالسلامة لا يعدلها شيء.
أما
الصعوبة التي تواجهني أحياناً فهي عندما تأتي المرأة
تشكو من التهابات نسائية, فإذا ظهر لي أنها فطريات أو
بكتريا نصحت الزوج بأخذ الدواء أيضاً وشرحت له أنه قد
يكون حاملا للمرض دون أن يظهر عليه, ولن يكون كلامي
مقبولا دائماً, فالمرأة هي التي تشكو فما علاقته هو؟!
ولكن المشكلة الأكبر عندما أشك بوجود مرض منتقل بالجنس
ويأتيني التحليل مؤكداً أن البكتريا من نوع معين لا
ينتقل إلا بممارسة شاذة مع الزوجة؛ والمشكلة الكبرى
إذا اتجه شكّي نحو الهربس الذي لا تظهر أعراضه إلا على
المرأة, وهو يدل على ممارسة غير شرعية لأحد الزوجين
وانتقل إلى الآخر وغالباً ما يكون الزوج هو الناقل,
وعندها يكون أمامي خياران: الأول أن أنتظر نتيجة
التحليل قبل إعطاء الدواء وبما أن التحليل يأخذ وقتاً
فقد تمضي النوبة الحادة وآلامها دون علاج, والخيار
الثاني أن أعطي الدواء بناء على تشخيصي السريري فقط
لكن عندها لا بد من سؤال الزوجة عن علاقة زوجها بنساء
أخريات لأنه لا داعي أن أعرّضها لدواء مؤثّر على
المناعة دون سبب, وهنا قد أوقظ عملاق الشك النائم في
أعماقها وقد يؤدي إلى خراب بيت وتدمير عائلة وتشتيت
أسرة, فما العمل أمام خيارين أحلاهما مر؟!
الوطن السعودية 18/9/2006
|