الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) الزواج بيئة ولكن..
 
 
 

كان غريباً جداً أن أراها تبكي وسط بعض معارفها وهي الملقَّبة بيننا سراً - دون علمها- بـ"ذات القلب الحديدي", فقد قضت حياتها العملية كمديرة مدرسة حازمة, وانسحبت شخصيتها في العمل على طريقة معاملتها مع أسرتها, وكانت علاقتها بأولادها أقرب لعلاقة الرئيس بالمرؤوس منها بعلاقة الأم بفلذات أكبادها, وما إن كبر الأولاد حتى تمرّدوا على نظامها القاسي وتزوجوا جميعاً عكس رغبتها, وكان زواج الأخير بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير؛ وعندما انهارت باكية أمامنا حاولت أن أخفف عنها لكن في نفس الوقت أوضحت لها أن من حق أولادنا أن يختاروا لأنفسهم ما يريدون وأن مهمّتنا تنتهي بمجرد أن نعلّمهم منذ طفولتهم كيف يختارون, وبالطبع كنت أعني - بشكل غير مباشر - أن تمرّدهم عليها ناجم عن أسلوب تربيتها الخاطئ لهم, فعقّبت على كلامي قائلة: الزواج بيئة ولا يمكن أن ينجح أي زواج خارج البيئة التي تمدّه بعناصر بقائه, فوافقتها لكني أضفت: إن من حق أولادنا أيضاً أن تكون لهم خبراتهم الخاصة فلا أحد يتعلّم إلا من تجربته؛ ولما كانت سيدة متعلمة – ولا أقول مثقفة – فقد أجابتني مستنكرة قولي: إذاً يحقّ لأيّ منا أن لا يستعمل الكبريت بل يعود إلى حجري الصوان ليقدحهما فتخرج النار من بينهما وهكذا يعيد كل جيل تجارب الأجيال السابقة فلا تقدم ولا حضارة! فابتسمتُ قائلة: سيدتي إن التجارب العلمية شيء والتجارب الإنسانية شيء آخر, ومن حقّ كل فرد أن يكون له تجربته الخاصة ما دام مستعداً أن يتحمل بنفسه نتائج اختياراته.

هذا الحوار دار منذ عشرة سنوات تقريباً, وزادني مرور الأيام قناعة أن من أسوأ الأمور أن تكون اختياراتنا في حياتنا الشخصية تبعاً لإرادات أشخاص آخرين؛ فيكفي أن الإنسان يأتي إلى الحياة دون أن يختار عائلته وهو الأمر الذي كثيراً ما يجعله يدفع ثمن أخطاء والديه أحدهما أو كلاهما, ثم تمرّ أيام العمر من مدرسة وجامعة وعمل دون أن يكون له يد في اختيار زملائه في أي مرحلة, فلا أقلَّ من أن يكون اختيار شريك الحياة نابعاً من إرادته الذاتية دون تدخل الآخرين, وبالطبع فلا يعني هذا الكلام إهمال رأي الوالدين, لكن من الواجب القول إن إرادتهما تأتي في مرحلة تالية لرغبة الشاب أو الفتاة؛ وأنا عندما أجمع الشاب والفتاة في نفس القدرة على الرغبة والفعل فلأن الإسلام أعطى الفتاة نفس الحق في اختيار شريك الحياة, وصحيح أنها كثيراً ما لا تكون هي البادئة في الاختيار بل الرجل هو الذي يقوم بهذه المهمة, فلا يعني هذا أن يلغى اختيارها في قرارها, فلها الإرادة الأولى في الموافقة من عدمها, وهناك كثير من الأحاديث الشريفة التي تدلّ على مدى عناية الإسلام برأي الفتاة في زواجها, ومنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أبطل نكاح امرأة ثيب لأن أباها أراد تزويجها من رجل غير الذي تريده, وأما الفتاة البكر فقد جاءت تشكو للنبي الكريم أباها الذي زوّجها من ابن أخيه ليرفع خسيسته أي ديناً كان لعمّها على والدها, فقال لها النبي: لو شئتِ أبطلتُ نكاحك, فقالت: قد أجزت ما فعل أبي لكن لتعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.

عندما يقرأ المرء حديثاً كهذا يستطيع أن يدرك أي مستوى رفع الإسلام المرأة منذ أربعة عشر قرناً إذ منع تحكّم ولي الأمر بها وشجّعها على أن تشكوه إلى ولي أمر المسلمين, وقد رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله:(يا عليّ ثلاثة لا تؤخِّرْها: الصلاةُ إذا أتَتْ والجنازةُ إذا حَضَرَتْ والأيِّم إذا وجدتْ كفؤا), والأيِّم يقصد بها من لا زوج لها سواء كانت ثيباً أو بكراً, فعبارة (إذا وجدتْ) في الحديث دلالة على أنه لا مانع من أن تبحث الفتاة أو المرأة عن زوجٍ ترتضيه لنفسها, ولا ننسى أن خديجة أم المؤمنين هي التي أرسلت في طلب محمد عليه الصلاة والسلام قبل البعثة ليتزوجها, كما وردت في صحيح السنة النبوية قصص عرض النساء عليه أنفسهن للزواج منهن, وأخرجها البخاري تحت باب (عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح), وبالطبع لا يعني هذا الكلام تشجيع الفتيات على الابتذال لكن المعنى أن للمرأة إذا كانت عاقلة راشدة أن تجد رجلاً مناسباً للزواج منه وقد يكون لولي أمرها دور في عرضها على رجل كفء.

القصة التي جعلتها مقدمة للمقالة كانت عن قناعة أم بأن يتزوج أولادها حسب رأيها وهذا يحصل أحياناً بالنسبة للأولاد الذكور, لكن تحكّم الأسرة بزواج الإناث هو ما يحدث غالباً, على اختلاف في الدرجة بالطبع فأشدّ الدرجات سوءاً عندما يسود حكم تقاليد حرّمها الإسلام فتصبح بمثابة قوانين متعارف عليها حتى في المحاكم, ولدينا هنا مثالين: المثال الأول هو عن السيدة التي تزوجت من رجل وأنجبت منه أطفالا وكان زواجها بموافقة ولي أمرها المباشر, ولكن القبيلة التي تنتمي إليها السيدة وزوجها أبت استمرار الزواج, والسبب أن الزوج ذو درجة اجتماعية أقلّ من درجة المرأة, ومن المستنكر أن يصدر حكم المحكمة متسِّقاً مع تقاليد القبيلة لا مع رحمة الشريعة التي تجعل الطلاق أبغض الحلال إلى الله لما ينجم عنه من تباعد الأحبة وتشتيت الأسرة, وكأن هذا الحكم تجاهل أن الولاية على المرأة لا تكون للقبيلة بل لوالدها أو من ينوب مكانه في حال غيابه. والمثال الآخر عن الطبيبة التي منعها والدها من الزواج ليستفيد هو من دخلها المادي دون أي تفكير في حقها أن تكمل نصف دينها وترقى إنسانيتها بمعاشرة زوج بالحلال وتمارس أمومتها بإنجاب بعض الأطفال, فما كان منها إلا أن لجأت إلى المحاكم السعودية حيث تقيم ولما لم تجد من ينصت إليها ويعقد قرانها على من اختارته زوجاً لها, ذهبت إلى البحرين وهناك تم عقد القران في إحدى المحاكم السنية, وقامت بتصديق عقد القران من السفارة السعودية في البحرين, ولما عادت بعد قضاء شهر العسل رفع الأب دعوى لتفريقها عن زوجها وتم سجن الزوج بانتظار الحكم عليه.

هاتان السيدتان وأي امرأة لديها نفس المعاناة يجب أن يساندهن كل من في قلبه ذرة خوف من الله لأنه لا يحقّ للولي أن يعضل مولّيته من الزواج إذ هو يحرمها من الاستمتاع بما أحلّ الله لها كما يمنعها من الشعور بالحب والرفقة الذي يحتاجه كل منا ذكراً كان أو أنثى ليشعر بأهميته كشخص محبوب ومرغوب؛ والعُضل لا يكون فقط للبكر بل قد يكون عضلاً للمطلّقة عن الزواج بطليقها رغم أنها ترغب به ويرغب بها, وقد أخرج البخاري عن الحسن عن معقل بن يسار أن أخته كانت تحت رجل فطلّقها ثم خلّى عنها حتى انقضت عدتها ثم خطبها فحَمي معقل من ذلك أنفاً فقال: خلّى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها! فحال بينه وبينها فأنزل الله:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} إلى آخر الآية فدعاه رسول الله فقرأ عليه فترك الحمية واستقاد لأمر الله؛ وقد فسّر بعض علماء الدين هذه الآية بما يتجاوز منع عضل المطلقة إلى منع عضل البكر, فعبارة (ينكحن أزواجهن) الواردة في الآية الكريمة لا تخص المطلقة فقط بل البكر التي ما دامت عاقلة راشدة فإنه يحق لها أن تختار وأن يزوجها ولي أمرها ممن ترغب به, فكيف إذا كانت طبيبة مسؤولة عن أرواح الناس ألن تكون مسؤولة عن اختيارها؟ وحتى لو كانت معلمة فهي مسؤولة عن عقول النشء أو موظفة في بنك فهي مسؤولة عن أموال الناس؛ وحتى لو لم تكن ذات عمل أو مال فقد أباح لها الإمام أبو حنيفة أن تزوّج نفسها دون ولي أمر, وقد استنبط هذا الحكم من عمل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أبطل نكاح المرأة التي زوّجها ولي أمرها لمن لا تريد, إذ استنتج رحمه الله أن رأي ولي الأمر يأتي في مرتبة تالية لرأي المرأة وهذا الاجتهاد من الإمام أبو حنيفة - وهو الإمام المعروف بورعه وتقواه وفقهه وقوة رأيه الذي سجن وعذب في سبيل الدفاع عنه - رغم أنه مستنبط من صحيح السنة لا يأخذ به بعض فقهاء هذا العصر الذي وصلت فيه بعض النساء إلى مراكز تفوق مراكز الرجال.

وعوداً إلى موضوع البيئة وتوافقها أو ما يسمى الزواج المتكافئ فإن من حق المرأة أن تنكح من يكافئها مادياً واجتماعياً وثقافياً وكذلك من حق أهلها أن يطمئنوا على أن صهرهم سيكون كفؤاً لابنتهم, وإن كان ثمة أمثلة من عمل النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام على عدم التقيد بشرط الكفاءة, إذ زوّج النبي ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية من زيد بن حارثة وكان عبداً لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها, ووهبته له, فأعتقه النبي وتبناه قبل الإسلام؛ كما خُطبت فاطمة بنت قيس القرشية من رجال من أهل الحسب القرشيين فاستشارت النبي فأشار عليها بأسامة بن زيد وهو من مواليه, كما تزوج المقداد بن الأسود – من حضرموت – من ابنة عم النبي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب, وزوّج أبو حذيفة بن عتبة القرشي بنت أخيه فاطمة بنت الوليد من مولاه سالم, وتزوج بلال بن رباح أخت الصحابي عبد الرحمن بن عوف القرشي, وكان بلال عبداً أسود اللون اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه؛ وهذه الأمثلة تنسجم مع مبادئ الإسلام وتوجهاته في نبذ العصبيات العرقية والقبلية وتجاوز الفوارق الطبقية وذلك بغاية بناء العلاقات الاجتماعية على أساس القيم الصحيحة وذلك لتحقيق وحدة أبناء الأمة واندماجهم وانصهارهم في بوتقة واحدة.

 الوطن السعودية11/9/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |