الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) حتمية التغيير.. ولكن.. أي تغيير؟ عمل المرأة أنموذجاً
 
 
 

وضعت "لكن" في صياغة العنوان ليس فقط لأنها تفيد الاستدراك على فكرة التغيير التي سأعرضها عبر هذه المقالة, لكن أيضا كي لا يُظن بي أني رجعت عن "ردتي الفكرية" التي يصمني بها بعض من يصعب عليهم قراءة سطور الكاتب, فيصرون على ألا يقرؤوا ما بين السطور كما هو عادة الأذكياء والمتميزين, بل يذهبون إلى محاكمة نوايا الكاتب, ويا ليتها كانت محاكمة منطقية, وعندها لما جاز لأي منا أن يعترض على ما يقرّه المنطق, ولكن محاكمتهم تنطلق من نيتهم التي تبطن الإساءة لشخص الكاتب, فباسمهم الصريح يكتبون تعليقا على مقالته دون أن يضّمنوا تعليقهم إساءة شخصية له,   ولكن حين تتاح لهم الفرصة للضرب تحت الحزام باسم مستعار فإنهم يهتبلون الفرصة ببشاعة ووضاعة؛ ولا يخفى على المتابع الحصيف أني كنت من المهاجَمين سابقا, بشكل كثيف, وقد عزا أحد القراء الأعزاء خفوت الأصوات الناقدة لي أني غيرت أسلوبي, فأخبرته أني من الذين يتطورون بشكل مستمر, عبر آليات النقد الذاتي, قبل أن يكون تغيري استجابة لأي نقد آخر, وأقصد تحديدا ذلك النقد الناعق الهدام لا النقد الناصح البناء؛ والتطور هو نوع من التغير ولا شك, لكنه بالنسبة لي تبلور أفكار وتشذيب آراء؛ وأخبرت قارئي العزيز أن سبب خفوت النقد هو كتابتي لمقالة سابقة بعنوان (قراءة نقدية في نقد القراء) نشرتها الوطن بتاريخ 31/7/2004, علّمتُ تلك الفئة التي تنقد باسمها الصريح كيف يكون النقد موضوعيا, وأكبر الظن أن الفئات التي كانت تهاجمني باسم مزيف رأت أن ضربهم تحت الحزام أو فوقه سيان بالنسبة لي, لأني أتقن التمسك بقناعاتي العقلية التي صقلتها القراءة والتجارب, كما أتقن الاستماع إلى صوت وجداني المؤمن بحتمية التغيير, وأصفها بالحتمية لأن الماء عندما لا يتغير يصبح آسنا, والهواء عندما لا يتبدل يصبح خانقا, وهلم جرا..

ما دعاني إلى البدء بهذه المقدمة الطويلة, هو تعليق أحدهم في منتدى معروف على إحدى مقالاتي بشّر به الأخُ المعلق الآخرين بأني أتغير وأرجع إلى الهدى بعد الضلال, واستشهد على ذلك بدعاء مأثور عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام جاء في إحدى مقالاتي, وشاركه آخر في الدعاء لي بالهداية, وإني إذ أشكره وصاحبه أطلب منهما المزيد من الدعاء لأني بحاجة دوما إلى الهداية, فأنا ممن يقرؤون الفاتحة في صلواتهم كل يوم وليلة, وفيها آية (اهدنا الصراط المستقيم) التي شرحتها مرة في مقالة في معرض ردي على شخص غير مسلم, سألني فيما إذا كان المسلمون لم يهتدوا إلى الآن ولذلك يردّدون هذه الآية, فأخبرته أن الهداية إلى الثوابت الإيمانية موجودة منذ جاء الإسلام, لكن المقصود بها الهداية لكل أمر متغير يحتاج من المسلمين رسوخا في صعيدهم الإيماني كما يستدعي تلبيتهم لمتغيرات عصرهم, كي لا تزيغ قلوبهم عن دينهم كما حصل مع بعض الأمم الأخرى التي رفضت دينها لتعارضه مع العلم وبالتالي كان عاجزا عن مسايرة معطيات الحداثة؛ لكني أيضا أؤكد للأخ الذي يدعو لي بالهداية أني لم أعلن توبتي عن أي كتابة سابقة, وليس كما فعلت إحدى الأديبات التي يخطؤون بيني وبينها لتشابه الأسماء, لأني لم أكتب في الشأن العام إلا بعد أن بلغت الأربعين عاما هجريا, فليس لدي أفكار علنية أتوب عنها, وإن كان لي ذنوب مثلي مثل باقي البشر أدعو الله أن يغفرها, ولذا أوافق الأستاذ جمال خاشقجي الذي ذكر في مقالته الأخيرة شيئا عن سن الأربعين وأهميته بالنسبة للمسلم, وقد ورد ما يؤكد ذلك في الآية 15 من سورة الأحقاف, وهو الأمر نفسه الذي يجعلني أعذر كل من يكتب قبل تلك السن ثم يعود إلى رشده بعد فترة, وإن كنت أتساءل: ما ذنب القراء الذين تأثروا بأفكاره السابقة لدرجة أن بعضهم اعتبرها مسلمات حياتية, فكيف لهم أن يعودوا إلى الصواب دون أن تهتز قناعاتهم بالكاتب المتغير من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؟

هنا أصل إلى الموضوع الذي يتطلب التغيير والذي كتبت فيه مرارا وتكرارا, وهو ما أثار بعض الآراء ضدي فشخصنت الصراع لأنها وقفت دون نقد الأفكار وعجزت عن اكتشاف أي خلل حقيقي فيها, وهو موضوع المرأة الذي طالما نوهت في مقالاتي حوله عن ضرورة الاستجابة إلى التحديات العصرية التي تتطلب من كل منا - رجلا كان أو امرأة - أن يشارك في تطوير مجتمعه ويساهم في نهضة أمته, والسبب في هذا النقد العاجز هو أن أفكاري عن المرأة لا تبدو إلا حلقة متصلة ضمن سلسلة أفكار كل الكتاب الذين عملوا على حل الإشكال بين الأصالة والمعاصرة, ولا يكون ذلك إلا باستيعاب تام لمفاهيم الثوابت كما وردت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة, واقتناع أكيد بأحقيتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان, ثم تفهّم المتغيرات الحاصلة وضرورة الأخذ بها, وعبر هذا الفهم الرشيد للثوابت والمتغيرات يمكن المواءمة بين حكمة التشريع السماوي ومقتضيات الواقع الأرضي, وسأضرب بموضوع المرأة أنموذجا لعل ذلك يساهم في إلغاء الصراع الذي قسم المجتمعات العربية إلى أفراد نصفهم تقريبا أعينهم في السماء فقط فزهدوا في الآليات العِلمية, ونصفهم - تقريبا أيضا - لجأ إلى الأرض فأنكر ضرورة الالتزام بدين ينير العقل بالوحي الذي أنزله رب السماء الذي يعلم من خلق, وهو اللطيف الخبير.

أغلب المجتمعات الغربية حررت المرأة فأقنعتها وكثيراً من الرجال أنها مساوية للرجل, سواء كان ذلك عن طريق الفلسفة الوجودية التي تجعل المرء حرا كيفما اتفق أو الفلسفة البراغماتية التي تحدد نتيجة التجربة أساسا للحكم عليها, فالحرية الاقتصادية لكل من الرجل والمرأة تؤدي إلى ازدهار مادي في المجتمع مثلا, ولكن إلى جانب هذا الازدهار هناك نتيجة أخرى لم يُلتفت إليها في البدء وهي أن تنكّر المرأة لفطرتها- والتي تجعلها أما قبل كل شيء, وإنسانا عطوفا ومتحببا إلى الرجل الزوج- تحيل البيت إلى فندق صغير, لا سكن فيه ولا مودة بين الزوجين, وحينها ينشأ الطفل وهو يجادل والديه كما يجادلانه, ولا ضير في الحوار إذا حافظ الولد على احترام والديه, لكننا نعلم أن المجتمعات الغربية تعلي من الولاء للدولة على حساب الولاء للأسرة بما في ذلك من تغييب مكانة الوالدين, وهذا قد عاينته شخصيا من ابني الذي يدرس في مدارس عالمية ورغم أنها تدرّس اللغة العربية والدين, فقد أخبرني وهو في الثانية عشرة من العمر أنه عندما يبلغ الثامنة عشرة فسيفعل ما يحلو له, وهذا تأثر منه بالمنهج الأمريكي, فأخبرته فوراً أن كل كُتبِه - التي يعلم مدى إعجابي بتطور مناهجها- في كفة وبر الوالدين في كفة أخرى, وهذا المثال عن ابني أستدل منه على أمرين: أولهما أستمده من الجدل حول المناهج السعودية الذي تصاعد مؤخرا بعد تقرير "بيت الحرية" الأمريكي, فأقول أن ضعف تلك المناهج  في العلوم العصرية وعدم موازنتها بين الدين والدنيا كان الدافع الرئيسي لي لتحويل ابني إلى تلك المناهج الصعبة والمدارس الغالية والتي ليست مبرأة من تأثر الناشئ السلبي بها, وثانيهما كي أضرب المثل بدور المرأة كأم فلولا أني كنت أتابع ما يدخل إلى عقل ابني لما استطعت الحفاظ على فطرته الأصيلة التي أتباهى بها حتى اليوم فهو يكره كل ما يخل بالحياء ويسعى إلى رضاي بكل همته, ومن هنا فإن كل الضرورات الاجتماعية والاقتصادية - وهي ما ينضوي تحت اسم المتغيرات العصرية - التي دعتني أن أكون خارج البيت أكثر من ثمان ساعات يوميا, إضافة إلى شعوري بمسؤوليتي التنويرية والتي تجعلني أغوص قراءة وكتابة وأفرّغ جزءا من وقتي لجعل حياة الناس أفضل, كل ذلك لم يشغلني عن مهمتي الأساسية كأم والسبب في ذلك معونة الله أولا وأخيرا, فهو الذي حباني بقدرة كبيرة على التمييز بين الأولويات لترتيبها دون أن تحيف بعض اهتماماتي على بعضها الآخر.

مع ذلك فإن دوام ثمان ساعات للمرأة هو دوام طويل جدا برأيي فأكثر النساء عاجزات عن الموازنة بين المنزل والعمل, وإذا كان عمل المرأة تجاوبا مع حاجة العصر فإنه لا مبرر لطغيانه على أشواق المرأة الزوجة والأم, حيث تصل لبيتها منهكة الجسد والروح فتعالج شؤونها بعصبية وانفعال ينعكسان على كل أفراد الأسرة, ولا يخفى على عاقل ما تعانيه الأسر العربية التي أصبحت المرأة فيها مكلفة بالإنفاق مثلها مثل الرجل, وأخشى من أن تكرر المملكة - والتي من أهم سماتها المحافظة على شرع الله - تجارب الدول العربية التي لم تضع الدين في سلم اهتماماتها؛ وسآتي فقط بمثالين يؤكدان على هذه الخشية, الأول ناقشته في بعض مقالاتي وهو حول إجازة الأمومة التي تشتكي لي مريضاتي أنها 45 يوما فقط, وهو أمر غير مقبول فكيف ستترك الأم رضيعها قبل أن يبلغ شهرين؟ هل يمكن إصدار قرارات توازن بين حاجة المرأة الأم والزوجة من ناحية أوقات الدوام ومن ناحية إجازة الأمومة وبين حاجة مجتمعها؟ والمثال الثاني: مريضاتي الأخريات اللواتي يتركن بيوتهن ليعملن في مدارس خاصة براتب لا يتجاوز ألفي ريال, فقط من أجل الحصول على شهادة خبرة كي يستطعن الالتحاق بمدارس حكومية, فماذا تعني ألفا ريال للمرأة وهي ستعطي نصفها للخادمة كي تحل محلها في غيابها ولن تحل, ولذا ستدفع النصف الآخر للطبيب في الحاضر نتيجة إهمال الخادمة ومرض الطفل, ولن تجد الطبيب النفسي مستقبلا ليعالج جروح أعماق طفلها نتيجة بعدها عنه في سني عمره الأولى ثم بُعدها عن منزلها ثمان ساعات على الأقل؟

 الوطن السعودية 12/6/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |