الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) أيتها المرأة قولي: لا.. لظل رجل مائل كـ "الحيطة"
 
 
 

ثلاثة أخبار وردت في صفحة المجتمع وفي الصفحة الأخيرة لعدد الخميس الماضي من صحيفة الوطن؛ الخبر الفني عن مسلسل سوري بعنوان (لا مزيد من الدموع) ذكرني بفيلم روسي من أجمل الأفلام العالمية التي شاهدتها في حياتي وكان بعنوان (موسكو لا تؤمن بالدموع) ويحكي قصة فتاة أحبت شابا فوعدها بالزواج ثم تركها بعد أن قضى وطره منها, مما شرخ قلبها بطعنة غادرة, فاستسلمت فترة لضعفها لكنها تجاوزت محنتها وخرجت من مأساتها كإنسانة جديدة ناجحة في حياتها؛ والفيلم وإن كان يعالج قصة امرأة لكنه أيضا يعالج مشكلة المجتمع الروسي بعد الحرب العالمية الثانية, وكيف تحولت روسيا إلى العقل بعيدا عن العاطفة فأصبحت قوية؛ وأسترسل هنا لأقول: إن العقل بدون عاطفة لا يؤدي إلى توازن الحياة المطلوب للاستمرار والنضج والتطور؛ وهذا ينطبق على المستويين الفردي والمجتمعي, ولذلك انهار الاتحاد السوفييتي لأنه تخلى عن العاطفة الإيمانية التي لوحدها أيضا لا تكفي بدون أن يسندها المنطق العقلي.

أما الخبر الاجتماعي الأول فقد ذكر محاولة أحد المواطنين طلاق زوجته اليتيمة والتي كانت تحت كفالة فرع وزارة الشؤون الاجتماعية بالشرقية وذلك بعد أن كشفت الوزارة سوء نيته وأن هدفه من الزواج لم يكن إلا نيل المبلغ الذي تمنحه الوزارة لمن يتزوج يتيمة وقدره ثلاثون ألف ريال, رغم أن زوجته قد أنجبت له طفلا ولا يوجد أي مبرر للطلاق؛ فتم الاشتراط عليه إما الإنفاق على الابن وتأمين منزل لزوجته اليتيمة بعد أن يطلقها أو أن يستمر رباط الزوجية فاختار الحل الثاني؛ ولا يستطيع قارئ هذا الخبر إلا أن يأمل في أن من اتخذ شرطا إنسانيا ومنصفا كهذا الشرط, سيتابع معاملة هذا الرجل لزوجته ولطفله, واتخاذ الموقف المناسب في حالة الإساءة لهما بما أنه أُجبر على إعادتها وطفلها, فقد يسيء معاملتها كي تطلب الطلاق بنفسها؛ وقد أصبحنا نسمع ونقرأ – ونرى – عن عينات من الرجال الذين لا يخافون الله في نسائهم, كصاحبنا هذا الذي ظن الزواج مغنماً فقط وليس مغرما أيضاً, وفاته أن ما تعطيه الحياة بيد لا بد أن تأخذ مقابله باليد الأخرى.

هذا يدلف بنا إلى الخبر الثالث, وهو من أجمل الأخبار التي وردت بالفترة الأخيرة, ويتضمن حكم محكمة الاستئناف على أحمد الفيشاوي بثبوت بنوته لطفلة هند الحناوي, التي كان تزوجها عرفيا ولما حملت بجنينها أرسل لها شيخا ليفتي لها بأن إجهاضه مباح, فرفضت واستمر الحمل وأصرت على المجاهرة بزواجها منه وقد ساندها والداها لرفع الدعوة والوصول إلى حقها في إثبات الزواج والبنوة؛ والغريب أن رجلا كالفيشاوي الصغير الذي تلبّس ذات مرة بزي الدعوة إلى الله يوافق على أن يصرح بالمحكمة أن علاقته بها كانت علاقة غير شرعية كي يفر بجلده من أعباء الزواج والمسؤولية,  وقد ورد الخبر في صحف أخرى مضافا إليه أبيات من قصيدة "حبلى" لنزار قباني من ديوان قديم له, اختارها القاضي ليقرأها على الملأ, وهي تعبر عن نذالة الرجل عندما تسلم المرأة نفسها له ثم يعطيها بعض النقود لتجهض الحمل, وهذا كان يجري في بعض المجتمعات العربية وما زال يجري إلى الآن بنفس الصورة أو بصورة أخرى, فكل شيء يمكن شراؤه بالنقود حتى عاطفة المرأة التي أحبت وأسلمت نفسها للرجل في لحظة ضعف, وكما يمكن شراء العواطف يمكن شراء الروح بعملية بسيطة يستخرج بها الجنين الثاوي في رحم الأم ويرمى في أقرب سلة زبالة, والسؤال المطروح: هل الرجل وحده الذي يظلم المرأة أم أن التربية وثقافة المجتمع تهيئ له أسباب هذا الظلم وتشجعه عليه؟  

لست هنا في معرض مناقشة خطأ هند إذ ارتبطت عاطفيا برجل مثل الفيشاوي ثم وافقت على أن تتزوج منه عرفيا, رغم أن والديها أستاذان جامعيان, وما لفت نظري هو تصريح والديها لقناة العربية فوالدتها ذكرت أنها كانت حزينة جدا لأن ابنتها قامت بذلك الفعل رغم التربية الجيدة؛ وهنا يجب التأكيد على أن التربية الجيدة هي ليست التربية وفق عادات البلد وتقاليده فحسب, بل هي التي تقوم على خوف الله من جهة والثقة بالنفس من جهة أخرى, وبغير هذين الأمرين لا يمكن أن تكون التربية جيدة؛ أما ما قاله والدها فهي عبارة تستحق أن تكتب بماء الذهب وكانت بما معناه أن على المخطئ أن يدفع ثمن خطئه ثم يعمل على إصلاحه.

لو أصبحت هذه العبارة مبدأ يحكم كل العلاقات بين الجنسين لاختفى من مجتمعاتنا كثير من الخطايا والآثام وأساسها الظلم الذي يقع أول ما يقع على الأنثى, ففي العلاقات غير الشرعية تدفع الأنثى وحدها ثمن الخطيئة, عبر ما يسمى قتل الشرف, ويهرب الذكر بفعلته ليعيد الجريمة مع أنثى أخرى؛ ولو طبقت هذه العبارة على العلاقات الزوجية لما رأينا هذا العدد من المطلقات اللواتي يقبعن بلا مأوى أو بمأوى لكن ربما يكون التشرد أفضل من مأوى بدون كرامة, حيث أن النظرة للمطلقة في بعض البيئات يجعل أولياء أمرها يتشددون في منحها حقوقها أكثر من المتزوجة أو التي لم تتزوج, وإذا كانت هذه البيئات تعامل المرأة كإنسان من الدرجة الثانية فإن المطلقة تصبح إنسان من الدرجة الثالثة أو الرابعة؛ أما إن كانت من فئة المعلقات فهي إنسان من الدرجة الخامسة أو السادسة؛ وقد يكون الطلاق حلا للفكاك من ربقة زوج لا يخاف الله, ولكن السؤال المطروح أيضاً: لماذا تستمرئ بعض النساء الظلم الواقع عليهن, مع أن بإمكانهن التحرر منه؟

على سبيل المثال القصة التي ذكرتها الكاتبة الدكتورة ميسون الدخيل في مقالتها الأخيرة عن زميلتها الأكاديمية والتي توفت نتيجة القهر الواقع عليها من زوج ظالم لم يكتف بإساءة معاملتها بل تزوج عليها, وقد راودني سؤال لدى قراءة المقالة عن هذه المرأة التي أرجو لها من الله كل الرحمة: لماذا قبلت بالظلم مع أن بإمكانها أن تطلب الطلاق من زوج كهذا الزوج؟ ما دام لها مرتبها وتستطيع أن تعيش بكرامتها هي وأولادها فلماذا رضيت أن تبقى قابعة تحت هيمنة رجل مثله؟ هذا المثل (ظل راجل ولا ظل حيطة) يجب أن تلغيه النساء – بما فيهن أنا – من الذاكرة الشعبية, لأن بعض الرجال ظلهم أميل من ظل "الحيطة", وقد تقع هذه الحيطة المائلة على رأس المرأة التي تستظل بها في أية لحظة, وأنا شخصيا لا أدري كيف يمكن لامرأة أن تعيش بدون كرامة,  فما أعلمه أنه عندما توضع كرامة المرأة في كفة الميزان مقابل أي شيء في الكفة الأخرى فإن كرامة المرأة هي التي يجب أن ترجح.

قد يقال: إنها خشيت على أولادها أن يضيعوا بينها وبينه, وهذا شيء جيد, لكن بإمكان أي امرأة أن توازن بين حجم الخسائر والأرباح, فما الذي سيجنيه الأولاد من رؤيتهم لأمهم – كشخصية بدون كرامة- إلا الذل؟ وهل تستطيع الأم الراضخة للظلم أن تربي أولادا غير مستعبدين؟ قد يقال: إنها آمنت بالقضاء والقدر, وأن زوجها قدرها؛ فالتعليق هنا إن الله سبحانه لا يرضى بالظلم فمن رضيته لنفسها فهي الجانية على نفسها, بينما كان بإمكانها بدل أن ترضى هذا الرضا الخاطئ والذي في غير محله, أن تلجأ إلى الله في نهار أو ليل – وسهام الليل لا تخيب – ليساعدها على التخلص من ذل وظلم وقهر الرجل, وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام:(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن, وأعوذ بك من العجز والكسل, وأعوذ بك من الجبن والبخل, وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال) وكنت أظن أن قهر الرجل للرجل هو المقصود بالدعاء, ولكن قهر الرجل للمرأة أشد مضاضة وأوقع ألما, وعندما نجد أن المرأة المثقفة والمستطيعة أن تنفق على نفسها وأولادها ترضى بالذل والظلم والقهر, فماذا نقول عن المرأة التي لا معيل لها؟

بالطبع نعلم أن بعض النساء أظلم للرجل من الرجل للمرأة, فالحياة حافلة بما هب ودب, لكن الرجل عندما تظلمه المرأة – بأي شكل من الأشكال سواء بإهانته أو التقصير بحقوقه أو غير ذلك - يستطيع أن يتزوج عليها, ولا يلجأ إلى إيقاع الطلاق كي يبقي على علاقته معها من أجل أولاده, ولكن الذي يحصل أحيانا أن الظلم يتحول من وقوعه عليه إلى وقوعه على المرأة التي تزوجها, كهذه القصة التي أختم بها المقالة, وهي عن امرأة أعرفها من بعيد كانت مستهينة بحقوق زوجها, وكانت الصراحة بينهما معدومة كما هو الحال في كثير من الأسر, فتزوج عليها امرأة أخرى, فما كان من الأولى إلا أن طلبت الطلاق فطلقها, فخرجت من البيت لتعتد عند أهلها, فجاء الرجل بزوجته الجديدة لتسكن في بيت الأولى, فمنعه ابنه الكبير أن يدخل إلى المنزل إلا على جثته, مهددا والده بقتل زوجته الجديدة بأي لحظة تواتيه الفرصة لذلك؛ فأخذ الرجل يضرب أخماسه في أسداسه, واستنتج أنه لا يستطيع الاستغناء عن ابنه, ولا يمكن أن يتخيل نفسه وهو يسلم ابنه للشرطة, فآثر أن يطلّق الجديدة, التي لم يكن لها ذنب إلا أنها أرادت أن تعيش تحت ظل رجل, لكنها لم تعرف أنه مجرد "حيطة" مائلة إلا عندما وصلتها ورقة الطلاق!

الوطن السعودية 29/5/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |