الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) ثقافة الـ"تيك أواي" بين الزواج والطلاق
 
 
 

تيك.. تيك.. تيك.. طقطقة بسيطة على مفاتيح الكمبيوتر وتأتي لك مواقع للزواج وتجعلك أمام خيارات عدة, منها زواج المسيار أو أي شكل من أشكال العلاقات الميسرة والسريعة على طريقة "تيك أواي" مما يجعلنا ندرك أن هذا الشكل من الارتباط مطلوب ومرغوب ويناسب أصحاب المزاج غير المستقر والانفعالي أو على أحسن الأحوال ذلك الصنف من الرجال الذي لا يرتضي عن حريته بديلا, فلماذا اعترض كثيرون على قرار المجمع الفقهي الأخير باهتمامه بمواضيع تسر بعض الناس  كزواج المسيار وتجعلهم يقرون عيناً أن ما يفعلونه حلال 100%؟!

لقد تناولت في مقالتي "عندما يصبح الميثاق الغليظ مجرد ورقة" التي نشرتها صحيفة الوطن بتاريخ 5-9-2005 أسباب تحول رباط الزواج المقدس إلى أشكال تسهل التلاعب به وفك وثاقه متى شاء أحد الطرفين, وبالطبع فإن المستفيد الأكبر هو الرجل الذي اخترع هذه الأشكال لإرضاء متعته بعيداً عن الشعور بالإثم, ومن الأسباب التي ذكرتها في تلك المقالة تنكرّ الرجال لمبدأ العدل والانحياز تجاه زوجة على حساب الزوجات الأخريات, فتعلّمت النساء الحاليات من أخطاء النساء السابقات وثرن على كل ما يعزز سيطرة الرجل على المرأة ومنه تعدد الزوجات, إضافة إلى التأثر بالفكرة الغربية (رجل واحد لامرأة واحدة)؛ ولقد قرأنا بعض الكتابات الحديثة تأمل بزوال نظام تعدد الزوجات كما زال الرق سابقاً, فهنا يجدر إرشاد هؤلاء الكتاب والكاتبات إلى أن قياسهم خاطئ لأنه قياس مع الفارق - كما يقول الأصوليون – فالإسلام لم يحرم الرق, وذلك لأنه كان نظاماً متعارفاً عليه بين الدول, وليس من سجايا الإسلام أن يفرض أحكامه على غير المقتنعين به في البلاد الأخرى, وفي نفس الوقت ساهم الإسلام بشكل كبير في الإعتاق والمكاتبة مما يدل على السعي لتنظيمه والحد منه؛ أما في حال تعدد الزوجات فقد كان من الواضح تحديد الإسلام له بأربع زوجات شرط العدل, بدليل الآية القرآنية:(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع), بينما لا توجد آية خاصة تبيح الرق بهذا الشكل, وإنما الرق نظام موجود لا يمكن أن يحرمه الإسلام لأنه نظام دولي, ولو شاء الإسلام أن يحرم تعدد الزوجات لحرّمه بالتدريج ما دام داخل الدولة الإسلامية, كما حرم الخمر وكما حرم الزنا, وهذا ما لم يحصل, لذلك فإن تلك الأماني بإلغاء تعدد الزوجات ما هي إلا أحلام سرابية,  وفي الغرب حيث يحرم التعدد المشروع ينتشر التعدد اللامشروع بالصداقة الدائمة والمؤقتة؛ والخلاصة أنه ليس من فطرة الرجل الإخلاص كما هي فطرة المرأة, لأن الرجال بطبيعتهم يحبون التنويع إلا من تهذب وربى نفسه على التحضر, أو ربته وهذبته امرأة تحبه فعلّمته كيف أن الحب يفرض الإخلاص, وقد تكون التربية في الصغر على يد الأم وقد تكون في الكبر على يد الحبيبة (والرجال ما هم إلا أطفال كبروا) على حد تعبير العالم النفسي تيودور رايك في كتابه "الحب بين الشهوة والأنا".

بالطبع فإن الإسلام يوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة فليس تشريع تعدد الزوجات فقط لإرضاء رغبات الرجل بل لأنه يحل بعض المشكلات الاجتماعية والتي تنجم خاصة عن ارتفاع عدد النساء بالنسبة لعدد الرجال نتيجة للحروب, وكذلك فإن من أهداف الزواج توثيق العرى بين أفراد المجتمع عبر أواصر المصاهرة والنسب؛ وكان هذا من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أهذب البشر وأكملهم خلقاً, فأكثر زيجاته كان لها هذا الهدف, فإحدى زوجاته أم حبيبة بنت أبي سفيان تزوجها قبل أن يسلم أبوها, وأخرى هي صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود, وثالثة هي جويرية بنت الحارث بن المصطلق, وهذه الغاية لا وجود لها في التعدد الحالي, وهو الحال نفسه بالنسبة للغاية الأخرى وهي الزواج من المطلقات والأرامل, فنحن غالباً لا نرى الرجال الذين يرغبون بالتعدد يبحثون عن مطلقة أو أرملة يجبرونها وأطفالها بل نراهم يفضلون من تسمى عانساً – مع تحفظي على هذه التسمية إذا أطلقت على الأنثى فقط – أو حتى صغيرات السن, ومن الواضح أن ذلك مرتبط بالنظرة الاجتماعية للمطلقة أو الأرملة, وما يتبعه من مفردات الأبكار والعذارى مما لا يستساغ مناقشته هنا؛ وقد يقترح بعضهم أن تتزوج المطلقة بمطلق, وهو اقتراح وجيه لكن تنفيذه يحتاج لتنظيم دراسات ومراكز للبحث إضافة إلى عدم وجود الانسجام بين أولاد هذا وأولاد تلك, مما يؤدي إلى مشكلات جديدة لا حل لها إلا بالطلاق مرة أخرى.

في برنامج إضاءات استضاف الإعلامي تركي الدخيل الشيخ الدكتور محمد النجيمي أحد أعضاء المجمع الفقهي, وقد برر النجيمي إباحة زواج المسيار بسبب دراسة تبين وجود ثمان آلاف مطلقة وأرملة في المملكة العربية السعودية يرغبن بهذا النوع من الزواج, وأوضح النجيمي أن بعض النساء ليس لديهن الوقت الكافي لإرضاء الرجل خلال 24 ساعة, فيفضلن نظام المعاشرة الجزئي أو ما يمكن تسميته

part time share

كما أكد النجيمي على عبارة (ولكنه خلاف الأولى) التي لم يتم الالتفات إليها من قبل من هاجموا تلك الفتوى؛ وكنت أتمنى لو أن الزميل الدخيل أمسك بجزء اللاإشهار وهو الذي يخسف بالمسيار الأرض, وبكل حجج الفقهاء الذين أجازوه, لقول الرسول عليه الصلاة والسلام:(أشيدوا النكاح واضربوا عليه بالدف) وحديث آخر يؤكد على ضرورة إعلان مظاهر الفرح:(إنه نكاح لا سفاح), فهذا يدل على أن عدم إشهار الزواج الذي أصبح سمة من سمات المسيار يوقع الزوجان اللذان يريدان قضاء وطرهما بالحلال في شبهة الزنا؛ كما كنت أتمنى لو أن المجمع الفقهي استبدل بعبارة (خلاف الأولى) عبارة (أنه زواج تبيحه الضرورة فقط), والضرورات تقدَّر بقدرها, ولا يمكن معرفتها إلا عن طريق مجالس للأسرة تلحق بالمحاكم؛ على سبيل المثال رجل لا يجد مع زوجته أي وسيلة للحوار والتخاطب ولن تتفهم هذه الزوجة أسبابه بالزواج عليها وهو لا يرغب بطلاقها أو هو غير قادر على اتخاذ قرار الطلاق لسبب ما, غالبا ما يكون خوفه على الأولاد أن يذهبوا بين الأرجل - كما يقال –أو رجل أحب امرأة وبالطبع فلا يعرف الشوق إلا من يكابده, ولا الحب إلا من عانى منه, فهو (مما لا يُملك) كما قال الفاروق رضي الله عنه, وقد يتساءل بعض القراء: لماذا يحب من كان متزوجاً ولديه امرأة؟ و الجواب: لأن إرضاء الشعور بالرغبة غير إشباع الشوق للرفقة, فكم نسبة انتشار الحب بين الزوجين في أسرنا؟ بل كم نسبة الزواج عن اختيار واعٍ في مجتمعاتنا؟ وبالنسبة للمرأة التي تقبل بهذا النوع من الزواج دون إشهار فهناك سبب هام وهو خوفها من طليقها أن يأخذ فلذة أكبادها منها, إضافة إلى سبب آخر وهو وقوعها في حب الرجل الذي يهيئ له عدم الإشهار إنعاش قلبه الذي دخل في العناية المركزة منذ زمن طويل دون أن تحاول الزوجة الأولى إنعاشه بكلمة أو ببسمة, وبالطبع فأنا أتحدث من مشاهداتي اليومية الواقعية, ولا أرغب بالتنظير وبالرؤى المثالية!

المشكلة أن الرجل كما قال بلزاك:(لا يعرف الحب بأكثر مما يعرف الدب الرقص), وبلزاك رجل, فهو خبير بالرجال وبتفننهم للإيقاع بالطريدة بإسماع كلمات الحب والإطراء والهيام والغرام, ثم عندما يصل الرجل إلى ما يريد يكتشف أن عش الزوجية الأول على وشك الخراب إذا علمت الزوجة الأولى, وبما أن الزواج تم بطريقة "تيك أواي" فلماذا لا يكون الطلاق كذلك؟ تحل المشكلة بسهولة بإرسال ورقة الطلاق بالبريد الالكتروني, وقد أباحها بعض الفقهاء منذ دخول النت إلى مجتمعاتنا النائمة – معذرة النامية – حيث أن هذه المجتمعات لا تخلو من فقيه يبيع الفتوى والضمير بريال أو جنيه, أما الحقيقة فهي أن الطلاق الالكتروني ينزع الحكمة من الطلاق كما فرضه الله واضحاً في القرآن بعدم خروج المرأة من بيتها, يقول الله تعالى:( يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً), ومن الواضح أن المقصود بالعبارة الأخيرة في الآية هو أن يراجعها زوجها خلال فترة العدة ما دام يراها أمامه, أما وهو قد طلقها "عن بعد" فسننتظر الدورة القادمة للمجمع الفقهي ليناقش هذا النوع من الطلاق, إلى غيره من أنواع الطلاق الظالمة للمرأة كأن يطلقها زوجها وهي حائض أو في طهر جامعها فيه إلى سوى ذلك من أشكال الطلاق البدعي أو التعسفي والتي رأى بعض الفقهاء الأقدمين أنها تقع ولكن الرجل يأثم, وكأن المرأة ليس لها أي رأي في الأمر فما هي إلا فردة حذاء يلبسها الرجل متى شاء ويخلعها متى شاء, وكأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل بغضب لمن حلف بالطلاق:(أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!) وكأنه لم يردّ زوجة ابن عمر إليه لأنه طلقها وهي حائض, وكأن خولة بنت ثعلبة لم تجأر للرسول بشكواها من ظلم زوجها الذي ظاهرها قائلا:(أنتِ حرام علي كظهر أمي), فلما صمت الرسول دون حلٍ يرضيها جاءها الحل من السماء, وأعادها رب السماء إلى زوجها, فهل لنسائنا المظلومات مثل حظك يا خولة؟!

الوطن السعودية 1/5/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |