|
(فتح باب العمل للنساء والفتيات بائعات في أسواق الملابس النسائية وتحديدا في قسم
الملابس الداخلية في وجود الرجال البائعين في القسم العام من المعرض ذاته مجازفة
بأعراض النساء أو الفتيات اللائي سيقبلن بالعمل في هذه المعارض، ذلك أن وجود الرجال
البائعين في الأقسام الأخرى من المعرض ذاته والسوق ذاته سيجعل هؤلاء الفتيات
والنساء البائعات عرضة للابتزاز والخلوة، وهل غاب عنا أن المعرض سيغلق عند الصلاة،
فأين ستذهب البائعة وقتها؟ ألا يمكن أن يتخفى بائع عن الأنظار حتى إذا أغلق المعرض
للصلاة راود الفتاة عن نفسها؟ وماذا عن فتنة الاختلاط والزمالة والاعتياد بين
العاملين والعاملات مع الوقت؟).
هذا ليس رأيي بالطبع, إنما هو رأي متشدد يتصف صاحبه
بالخيال الواسع, فإذا أغلق المعرض للصلاة فسيقوم الرجل
– الذئب حسب الرأي أعلاه- بالهجوم على الفتاة في السوق
وقت الصلاة, ويراودها عن نفسها, ومع اختيار هذا الأخ
- الذي يُطلِق على نفسه لقب الشيخ مع أنه ليس من
المختصين الشرعيين – لكلمة المراودة فإننا بمجرد
سماعها نتذكر أنها وردت في القرآن معكوسة فامرأة
العزيز هي التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه, وكان
امتحانا صعبا بالنسبة ليوسف لولا أن رأى برهان ربه,
أما بالنسبة للوضع المقلوب الذي يتخيله هذا الأخ فإن
مراودة الرجل للمرأة عن نفسها – بشكل عام - لا يعني
لها شيئا إلا إذا كان لها ثلثا الخاطر كما يقولون, وهو
لا يكون بالنسبة لسيكولوجية المرأة إلا إذا وقعت في
الحب مع غياب الوازع الديني, لذلك علينا أن نطمئن الأخ
بأن سيكولوجية المرأة تختلف عن سيكولوجية الرجل في
موضوع الإغراء؛ ونذكره أن امرأة العزيز لم تفعل هذا
إلا لأن يوسف عليه السلام أوتي شطر الحسن أي أن جمال
العالمين من أول البشر إلى آخرهم في كفة وجمال يوسف في
كفة؛ رغم أن الأخ لا يطرح فكرة الخوف من المرأة بل
خوفه عليها من الذئاب البشرية, فنؤكد له أن حجاب
المرأة المسلمة لم يشرعه الله سبحانه إلا ليقلّل
افتتان الرجل بالمرأة, ولذا فإن شريعة الحجاب تدل على
مشروعية الاختلاط, وإلا فقد بطلت الغاية من الأمر
بالحجاب, فعمّن تحتجب المرأة إذا كانت لن تخالط
الرجال؟!
أما بقية الأسئلة التي يمكن طرحها على هذا الأخ
وأمثاله فهي: لماذا لا تذهب الفتاة إلى الصلاة أيضا؟
أم أن الصلاة مفروضة على الرجال فقط؟! وحتى لو لم تذهب
المرأة للصلاة فهل يعني أنها ستبقى وحيدة؟ وهل خلا سوق
من الأسواق في أي ساعة من ليل أو نهار من الزبائن
النسوة على الأقل حتى في أوقات الصلاة؟ ولماذا لم يخطر
على بال هذا الأخ أن البائعة التي لا تريد أن تصلي
بسبب مانع ما يمكنها أن تغلق باب متجرها عليها وتصلي
داخله أو تشرب كأسا من الشاي ريثما تأتي زميلاتها في
المهنة من الصلاة؟ وهل اقتراح وزارة العمل هو لجعل
امرأة وحيدة بين الرجال, أم أن هذا الأخ وأمثاله إلى
الآن لا يفرقون بين خلوة رجل وامرأة في مكان لا يصل
إليهما أحد, وبين مشاركة المرأة للرجل في مكان عام ضمن
الأدب والاحتشام والمعاملة بالمعروف؟
هذا الرأي المتشدد هو مثال للممانعة التقليدية لخروج
المرأة من بيتها فكيف بخروجها وامتهانها للتجارة
والبيع والشراء؟ وهو بالطبع مخالف للحكم الشرعي الذي
لا يمنع المرأة من ممارسة أي عمل ما دام ذلك بالتراضي
بينها وبين زوجها فقد امتهنت المرأة في العهد النبوي
التجارة والصناعات اليدوية وغيرها, وأما إذا لم تكن
متزوجة فلا يفهم من آية القوامة أنها تخص سوى الحياة
الزوجية التي تقتضي تفضيلا بين الجنسين في المهام
الموكلة إلى كل منهما وذلك بغاية استقرار حياة الأسرة,
أي أن يقوم الرجل بالعمل بغاية الإنفاق بينما تقوم
المرأة بحكم وظيفتها الفطرية بخير مهمة لها وهي
الأمومة, ولكن عندما تكون المرأة فارغة من الزوج أو من
مسؤوليات تجاه أطفال صغار أو تستطيع أن تنظم وقتها بين
عملها وبيتها, فمن ذا الذي يستطيع أن يحرّم عمل المرأة
حتى لو اختلطت طوال اليوم بالرجال ما دام ذلك ضمن أطر
الذوق الأصيل والفطرة السليمة التي تتماشى مع الشرع
الحكيم الواضح تماما في القرآن الكريم والسنة النبوية؟
يقص علينا القرآن الكريم كيف كانت ابنتا النبي شعيب
عليه السلام ترعيان الغنم ولكنهما لا تزاحمان الرجال
ففطرة المرأة في الحياء تمنعها من مزاحمة الرجال لكنها
لا تعيقها عن العمل المنتج, بل إن الحياء لم يمنع إحدى
الفتاتين من الخروج للقاء رجل غريب وعلى انفراد هو
موسى عليه السلام قبل نبوته كما ذكر القرآن:(فجاءته
إحداهما تمشي على استحياء, قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك
أجر ما سقيت لنا), وفي السنة الصحيحة كثير من الأمثلة
على عمل المرأة ليس بالتجارة فحسب بل بالطب والتمريض
وهي المهنة التي تفرض على المرأة ملامسة رجل غريب دون
حائل, وكلنا يذكر رفيدة صاحبة أول مستشفى متنقل في
الإسلام وكيف أمر النبي عليه الصلاة والسلام بعلاج جرح
سعد بن معاذ الذي أصيب في كاحله في غزوة الخندق, فقال:
(اجعلوه في خيمة رفيدة لأعوده من قريب).
من الواجب إذاً الفصل بين الدين والعرف حتى تتمكن
التشريعات الجديدة أن تأخذ مجراها الطبيعي بإتاحة
المجال للمرأة السعودية أن تعمل في جميع الأعمال التي
لا تخالف فطرتها ولا تهين أنوثتها, وما زالت بعض فئات
المجتمع السعودي مترددة في قبول مشاركة المرأة في بيع
المستلزمات النسائية, والسبب هو بعض الآراء المتشددة
كالرأي الذي صدّرت به المقالة والذي يدل على بعد في
الرؤية لا يتجاوز ذروة الأنف لأن هذا الأخ لا يتخيل
الحرج التي تقع به المرأة عندما تطلب بعض حاجاتها
النسائية من رجل, وأبسط الأمثلة الملابس الداخلية
ومقاساتها, إلا إذا كان لدى أصحاب هذه الرؤية قناعة أن
هذه الأشياء من الكماليات التي يمكن أن تستغني عنها
المرأة أو أن عليها أن تطلب من زوجها أن يشتريها لها,
فكيف إذا كانت بدون زوج هل ستطلب ذلك من أخيها مثلا؟!
وإذا كانت بدون عائل أساسا فماذا تفعل؟! حتى الزوج
فإنه قد يقع في حرج من البائع وهو يسأله عن مقاس ملابس
زوجته الداخلية, وبالطبع فإن الرأي القائل بعدم وجود
مشكلة في من يبيع ومن يشتري هذه الأشياء لو كنا في
مجتمع منفتح هو رأي صحيح, لكن المشكلة في التناقض حيث
نحن في مجتمع تضرب الخصوصية في أطنابه, ومن الخصوصية
ما هو إيجابي وبناء, ومنها ما هو سلبي وأكثر نماذج هذه
الخصوصية السلبية أن ينظر كل جنس للجنس الآخر على أنه
محرض للشهوة ومثير للغريزة, وخاصة المرأة فهي لعبة
الشطان يتصرف بها كما يشاء ليغوي بها الرجال الذين
يجلسون في الطرقات والأسواق بكامل الأدب, ولكن عندما
تمر أحبولة الشيطان من أمامهم فسرعان ما يتبخر أدبهم,
وكأن الله فرض على النساء الحجاب دون أن يأمر الرجال
بغض البصر!
أما هذا الحجاب فإذا كان من الواضح أن اختلاف علماء
الدين سابقا في شكله وهل يشمل الوجه والكفين أم لا هو
أمر مقبول لأنه يعود لأعراف كل منطقة, لكنه لا يعود
مقبولا عندما تأتي الآراء المتناقضة من رجل الدين
نفسه, على سبيل المثال: فقيه مصري حليق اللحية وبربطة
عنق, أفتى بضرورة غطاء الوجه للمرأة, وللقارئ أن يتخيل
منظره مع امرأة تمشي بجانبه وهي متلفعة بالسواد دون أن
يبدو منها شيء, فلماذا لا يكلف حضرته نفسه فيغطي رأسه
ولو بعمامة صغيرة أو يرخي شيئا من لحيته في الوقت الذي
لا يسمح لزوجته أن تمارس شيئا من حياتها وحيويتها ولو
بتنفس الهواء بدون حاجز؟ ومثال آخر فقيه سعودي رمى عضو
مجلس الشورى بتهمة العلمانية في قناة فضائية وكاد أن
يخرجه من الملة والدين لأنه يعمل على تغريب المرأة حسب
رأي الفقيه, وأصر على أن حجاب المرأة السعودية هو
النقاب, بينما ظهر على قناة سعودية جالسا أمام مذيعة
كاشفة الوجه وكاملة المكياج, فلما تداخل أحد المتصلين
وأنكر عليه هذا الجلوس احتج الفقيه بأن المذيعة
محجبة!
أذكر منذ عام تقريبا صحفية غربية أجرت حوارا معي, ومن
ضمن الأسئلة التي وجهتها لي سؤال عن سبب ممانعة هؤلاء
المتشددين لخروج المرأة للعمل؟ وأردفت: هل يخافون من
المرأة؟ فنفيت ذلك في معرض دفاعي عن وجهة نظر تخالف
وجهة نظري وذلك لأني كنت أعتقد أنهم فعلا يخشون على
المرأة السعودية أن تعيد أخطاء أختها العربية التي
سبقتها في الخروج للعمل دون أن تضمن لنفسها الحقوق
الكافية التي تجعلها لا تخالف فطرتها الأساسية في
الأمومة ولا تمنعها من منح زوجها حقه في السكن
والاستمتاع, أما بعد قراءة بعض الآراء المتشددة, فلعلي
لا أخطئ إن قلت أن الصحفية الغربية كانت على حق في
استنتاجها!
على كل حال فإن الدليل الواضح على أن هذه الآراء
المتشددة إلى زوال هو نسبة إقبال الفتيات على العمل,
وقد تم افتتاح معاهد لتمكين الفتيات من دراسة التمريض
كي يتم الاستغناء عن التمريض الأجنبي, وخاصة أن هناك
100 ألف وظيفة تنتظر هؤلاء الفتيات بعد تخرجهن.
الوطن السعودية
3/4/2006 |