الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل.. وبناتكم أيضاً
 
 
 

لفت الخبر الذي جاء في صفحة المجتمع بعدد الوطن ليوم الاثنين الماضي الأنظار إلى قضية خطيرة تمس سمعة فتيات جامعة أم القرى بسبب هروب بعضهن منها للتجول في المراكز التجارية الكبرى في العاصمة المقدسة, وذلك بغية الانهماك في الأحاديث الصباحية التي يتداولنها إما أثناء تجولهن أو أثناء جلوسهن على طاولات منعزلة في الكافتريات والمطاعم  المتناثرة في هذه المراكز أو في الفنادق الكبرى, وليس لهن من هدف سوى تغيير روتين الجامعة حيث يمضي الوقت بطيئا وعلى إيقاع واحد, وبعد انتهاء جولتهن الصباحية يعدن إلى الجامعة دون أن يدري بخروجهن أحد؛ وعندما سئلت الفتيات عن سبب هذا التصرف كانت أكثر إجاباتهن تصب في منحى أن خروجهن بريء ولا هدف له سوى التسوق وتناول الإفطار والشعور بشيء من الحرية الشخصية؛ ولكن أهم ما جاء في الخبر هو إجماعهن على ضرورة إنشاء مراكز وصالات رياضية في الكليات والجامعات تتوفر فيها مطاعم وجبات خفيفة وكافتريات تستطيع الطالبات قضاء بعض وقت الفراغ فيها بين المحاضرات وممارسة التمارين الرياضية المنشطة بدل خروجهن إلى الأسواق بهذه الطريقة.

بالطبع لا يوجد إنسان ناضج يوافق الطالبة الجامعية على هذا التصرف, لأن المفترض بالفتاة الجامعية أن تعرف أهمية حضورها للمحاضرات وأنها بهذه الفعلة تخون الثقة التي وضعها الأهل فيها وبجامعتها, لكن هل يقع اللوم فقط على الفتيات حقا, أم أن مطالبهن بإنشاء مراكز رياضية حق مشروع لهن خاصة إذا علمنا أن جامعات الجنس الخشن لا تخلو من الترفيه والرياضة؟ فلم يحرم الجنس الناعم من هذا المطلب البسيط؟ ألم يقل الله تعالى:(ولهن مثل الذي عليهن)؟ ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام:(النساء شقائق الرجال)؟ فهل يعقل أن تخصص جامعات الطلاب أماكن للرياضة بينما تمنع الطالبات من ذلك في المرحلة الجامعية وما قبلها؟

"سجى" طالبة تدرس في معهد للتمريض تعاون عدة رجال أعمال من أصحاب مشافي جدة الخاصة على إنشائه تحت إشراف سمو أمير منطقة مكة المكرمة, تحكي لي عن سعادتها الغامرة وزميلاتها لأنهن أخيرا سيتعلمن رياضة الكاراتيه, وهذا سيشجعها على الأقل لفقد عدة كيلوغرامات من وزنها الذي يتجاوز وزنها المثالي بثلاثين كيلو غراما على الأقل, وسجى هي إحدى الفتيات اللواتي يراجعنني في عيادتي منذ 3 سنوات بسبب إصابتها بالروماتيزم المسمى التهاب المفاصل التنكسي والذي عانت منه منذ كان عمرها ستة عشر عاما بسبب قلة الحركة والبدانة, وعندما قمت بالكشف عليها آنذاك وأمسكت ركبتها بيدي وطلبت منها أن تثني ركبتها ثم تمدها سمعت طقة المفصل المميزة لهذا المرض, ولم أصدق حينها أن فتاة بهذا العمر الصغير يمكن أن تصاب بذلك المرض الذي يؤدي إلى تحدد حركة المفاصل إضافة إلى الآلام المبرحة, عدا أن حالة سجى كانت مثيرة للألم النفسي لدي لأنها جاءت العيادة على كرسي متحرك فلم تكن تستطيع السير, وعندما جاءت التحاليل الدموية تؤكد التشخيص حوّلتها إلى الطبيب المختص للعلاج ورويدا رويدا استعادت مفاصلها الليونة لكن ليس إلى الدرجة المطلوبة, علما بأن هذا المرض يصيب النساء أكثر من الرجال والسبب الرئيسي له تقدم العمر وتكرر مرات الحمل, وسجى فتاة لم تتزوج بعد, فمن الحري بنا أن نفكر كيف يمكننا مساعدتها ومثيلاتها لعدم تقدم المرض أو للوقاية من الإصابة به بالنسبة لباقي الفتيات, ولا يكون ذلك إلا بتغيير العادات السيئة التي تنشّأ عليها الفتاة من الأكل والمرعى وقلة الصنعة كما يقول المثل العامي, فكل شيء من حولنا يدعو إلى الإكثار من الطعام في نفس الوقت الذي يدعو إلى الراحة وعدم الحركة, ولا أزال أذكر أخت سجى الصغيرة عندما أخبرتني أن مديرة مدرستها الابتدائية تمنع الفتيات من الجري بالفسحة قائلة لهن:(يا بنات لا تركضن مثل الأولاد), وطريقة التربية التي تنشئ فروقاًَ بين الأولاد والبنات لا وجود لها بالأصل تثير السخرية الممضة, فمن الذي أباح للأولاد الجري ومنعه على البنات؟

في الأسبوع الماضي احتفل العالم بعيد المرأة العالمي, وكان عنوانه "حق المرأة في اتخاذ القرار" ونحن ما زلنا نبحث حق المرأة في ممارسة الرياضة, مع أنه لا يوجد أي نص ديني سواء كان آية أو حديثا يمنع المرأة من ممارسة الرياضة, ومن المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام سابق عائشة فسبقته مرة وسبقها مرة فقال: هذه بتلك, وقد طلب من الصحابة أن يتقدموا عنه ليستطيع أن يسابق زوجته دون أن يراها أحد, كما ذكرت عائشة أنه كان يريها لعب الأحباش في المسجد, واستنبطت منه أم المؤمنين رضي الله عها حكما هاما فقالت:(اقدروا للجارية حديثة السن قدرها), أي لا تمنعوا الفتيات من رؤية النشاطات الرياضية, فلا مانع من رؤية المرأة للرجال وهم يمارسون الرياضة ولا مانع من ممارستها الرياضة حسب المتعارف عليه في كل بيئة, وهذه أحكام شرعية لا تتغير بتغير الزمان والمكان, وما يتغير فقط هو الوسائل والأساليب لتكون مناسبة للزمان وللمكان, وقد شاهدنا أن إيران في العام الماضي فتحت أبوابها للمسابقات الرياضية بين نساء العالم كلهن, مانعة الرجال من الحضور لكنها لم تمنع نقل بعض المباريات إلى المشاهدين عير وسائل الإعلام المصورة, وهذا قد يكون مختلفا عليه بين علماء الدين لدى الفرق المختلفة, أما أن تمنع المرأة من ممارسة الرياضة بشكل عام فهذا ما لا يحق لأحد أن يقرره إلا إذا كان مفتئتا على الله ورسوله.

وأذكر أن مجلة المجلة أجرت تحقيقا حول ممارسة المرأة للرياضة وطُلب مني الإجابة على بعض الأسئلة  لا أرى مانعا من تكرار بعض ما جاء في إجابتي لتعميم الفائدة, ومن تلك الأسئلة سؤال عن فوائد الرياضة من الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية, فمن الناحية الصحية تعرضت أعلاه لحالة سجى كحالة نموذجية لإصابة الفتاة بمرض الروماتيزم إضافة إلى السمنة التي تهيئ للإصابة بأمراض أكثر خطورة كالسكري وارتفاع شحوم الدم والضغط, فالرياضة تساعد على الاحتفاظ بجسد سليم, وكما يقال فإن العقل السليم في الجسم السليم؛ وللرياضة آثار منشطة للنفس وديننا يدعو إلى ترويح القلوب ساعة فساعة, عدا أن المرأة أو الفتاة التي تمارس الرياضة بشكل يومي تكون أقدر على تنظيم وقتها وعلى الاحتفاظ بالأفكار الإيجابية عن ذاتها وعلى ملء أوقات فراغها بالنشاطات المفيدة والهوايات الرياضية وأنها ليست محرومة مما هو مباح لأخيها الشاب, وبالتالي تكون أكثر إقبالا على الحياة مما يجعلها كذلك أكثر قدرة على التأقلم مع الأوضاع الاجتماعية المختلفة, إضافة إلى أن المنافسات الرياضية النزيهة بين الفرق النسائية – والمضبوطة بالشرع طبعا – تثري خبرة المرأة من الناحية الاجتماعية وتزيد من التعارف بينها وبين مثيلاتها من نساء العالم, والتعارف أمر أساسي في الدين لقوله تعالى:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

من الناحية الشرعية فإن الأثر الذي يأمر بتعليم الأولاد السباحة والرماية وركوب الخيل لا يقتصر على الذكور لأن الأوامر والمستحبات الشرعية موجهة إلى الجنسين معاً, وأنا شخصيا أهوى السباحة وقد ساعدتني ممارستها على عدم تقدم إصابتي بالروماتيزم, كما كنت ماهرة جدا بالرماية وما زلت حريصة على مزاولة هذه الهواية المحببة لي في الأماكن المتاحة وذلك اقتداء بالصحابيات رضوان الله عليهن اللواتي كن يرافقن الرجال في الجهاد ويركبن الخيل ويزاولن القتال بأنفسهن والأدلة الشرعية أكثر من أن تعد وتحصى, ويكفي مثالا أم عمارة رضي الله عنها التي دافعت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في موقعة أحد, وصدت عنه طعنة المشرك ابن قميئة فتلقت الطعنة في كتفها, واستمرت على نهجها حتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فقد قاتلت في موقعة اليمامة وقطعت يدها فيها وعادها الخليفة أبو بكر رضي الله عنه في بيتها, والسؤال: كيف يمكن لهذه المرأة أن تكون مجاهدة ومبارزة بالسيف وراكبة للخيل من دون أن تتصف بلياقة عالية؟!

كل ما علينا فعله أن نفرق دائما بين العادات والتقاليد البالية وبين الشريعة والدين الذي هو دين الفطرة الصافية, والسعي بجد نحو التغيير التدريجي الذي يجب أن يدعم بفقه جديد ينطلق من الثوابت الحقيقية ويواكب المتغيرات الآنية, فالمجتمع السعودي مجتمع متدين بالفطرة لذلك فإن كل صوت لا يخاطب هذه الفطرة مرفوض بالنسبة له,  ومن الخطأ إجبار الناس على تغيير عاداتهم وتقاليدهم دون تأهيبهم لذلك, والتأهيب لن يكون إلا عبر آليات ووسائل تخدم الاتجاه المتدين للمجتمع ولا تصادمه بتاتا مثل المحاضرات التوعوية والندوات الإعلامية والحوارات البناءة.

الوطن السعودية 13/3/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |