الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) ثورة الفاحشة.. كيف نخمدها؟
 
 
 

 طلب مني عدد من القراء أن أتناول بعض الأخبار السيئة التي وردت في صحيفة الوطن وغيرها من الصحف المحلية بالتعليق, وهي أخبار يصعب تناولها في صحيفة محلية لكن في نفس الوقت لا يمكن السكوت عليها دون قرع ناقوس الخطر, خاصة مع تكررها أو تظاهرها بشكل جديد؛ وقد اعتدنا منذ فترة أن نقرأ في صفحة المحليات خبراً عن مداهمة الشرطة ورجال الهيئة لوكر من أوكار الدعارة, ويتم القبض فيه على نسوة وافدات من جنسية أفريقية أو آسيوية وأغلبهن مخالفات لقوانين الإقامة؛ حتى أصبحت هذه الأخبار معتادة على صفحات الصحف مما يبعث الأسى في النفس على تدهور الحالة الأخلاقية, لأن الحل الأمني لا يكفي, ولا بد من وقفة حازمة ثقافية اجتماعية تربوية دينية تجاه انتشار هذا النوع من الجنس الرخيص والذي يؤدي إلى عقاب الله سبحانه للمجتمع كله إن تم تجاهله كما ورد في أحاديث صحيحة كثيرة منها قول رسول الله عليه الصلاة والسلام لمن سأله:(أنهلك وفينا الصالحون؟) قال:(نعم إذا كثر الخبث), وربما كان سؤال الصحابة رضوان الله عليهم ناجماً عن قراءتهم للآية الكريمة:(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)؛ كما إن الزنا يمحق الرزق, والبغاء يؤدي إلى انتشار الأمراض الجنسية المهلكة؛ ناهيك عن الاستغناء بالزنا عن الزواج وزيادة نسبة العنوسة وافتقاد الأمن الاجتماعي بحفاظ الأعراض والأنساب إلى غير ذلك من الوبالات النفسية والوباءات الاجتماعية التي ارتبطت بالفاحشة ارتباط السبب بالنتيجة.

المشكلة الأكبر أن الأمر لم يعد يقتصر على النساء الوافدات بل تعداه إلى السعوديات, وإذا كان من الممكن غض البصر عن بعض الممارسات البريئة – نسبيا- الناجمة عن سن المراهقة كالترقيم والمعاكسات الهاتفية والمغازلة في الأسواق رغم فداحتها في مجتمع محافظ فإنه من المأساوي أن تنتشر هذه العادات في أقدس بقاع الأرض: مكة المكرمة والمدينة المنورة كما نقل لنا خبر عن تجمع شباب في مركز تجاري كبير في مكة المكرمة لمعاكسة الفتيات بعد الخروج من امتحانات الفصل الماضي, لكن المأساة الكبرى أن نرى بعض فضائح البلوتوث وقد حوت مقطع فيديو لفتيات سعوديات, وهناك امرأة خليجية تعطيهن دروساً في الدعارة, وقد بدا الخبال على بعضهن بينما قامت إحداهن بتنفيذ التعليمات المعطاة من قبل المرأة الخليجية التي اختفت صورتها فلم يظهر إلا صوتها؛ ومن قرأ قصة "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ وهو يحكي عن بيوت الدعارة في مصر قبل الثورة وبعدها لن يجد فرقا كبيرا في الحالتين, لكن إذا كان الفقر في مصر هو الذي يجعل امرأة تبيع جسدها خلافا للمثل العربي القائل:(تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها), فإن فتيات الفيديو السعوديات لم يبدُ عليهن الفقر, ولكن بدا عليهن قلة التربية وغياب الحياء, فأين آباءهن وأمهاتهن؟

هذا يجعلنا نذكر الخبر الذي ورد عن سقوط شبكة لاصطياد الفتيات الجامعيات بالمخدرات وتقديمهن لطالبي المتعة الحرام, والشبكة يديرها شاب فلسطيني وتساعده فتاة سعودية بعمر 22 سنة للإيقاع بالفتيات في إدمان المخدرات ثم الدعارة؛ ويبدو أن وجود الشقة – الكمين- في شارع حمد الجاسر في حي الروضة بجدة, وهو شارع يموج بالحركة والناس؛ جعل هذا الوافد ومساعدته يظنان أنهما بعيدان عن الشبهات مع غياب الضمير الاجتماعي والأخلاقي لديهما, والغريب في الأمر أن الناس دافعوا عن الفتاة حين رمت نفسها من الطابق الثالث بعد إحساسها بالكمين المنصوب لها وله, فتلقفها الناس وصدقوا روايتها أنها هاربة من اغتصاب وتعاطفوا معها, وهو الأمر الذي يدل على طيبة بعض السعوديين وشهامتهم وإن كانت في غير محلها؛ والأغرب من ذلك أن هذه الفتاة تملك سيارة مرسيدس شبح استعملت في إيصال الفتيات إلى الوكر, وقد ذكر الخبر أن كل واحدة منهن كانت توهم أهلها بالخروج إلى صديقتها للمذاكرة لمدة ثلاث ساعات أو ما يقارب ذلك. وهنا يعود نفس السؤال: أين آباءهن وأمهاتهن؟ هل يعقل أن تغيب الفتاة للمذاكرة ثلاث ساعات وتعود دون أن تشعر الأم بتغير في شخصيتها نتيجة استعمال مخدر, أو تبدل في نفسيتها نتيجة ممارستها للبغاء مثلا؟ هل يوجد أي بقية من صلة تربط هؤلاء الفتيات بأهلهن؟! لا يمكن أن يصل للإدمان شخص ذو تربة نفسية سوية, ولا يمكن أن تصل فتاة إلى هذا المستوى من الانحدار إذا كانت تعرضت لتربية سليمة, فالذنب ذنب من؟ هذا الرجل بدون ضمير يستغل أجساد الفتيات ليعرضهن سلعا رخيصة على الرجال, ولكن كيف خلا ضمير بقية الرجال – الزبائن- من مراقبة الله أو على الأقل من الشعور بالمسؤولية تجاه بنات لسن عربيات فقط ولا مسلمات فحسب بل سعوديات؟ البارحة كنت في حديث هاتفي مع شاب يعمل في مركز تجاري وهو على خلق ووعي, وكان من ضمن ما أسرّ به إلي مشكلته في غض البصر بعد أن أصبحت العباءات تُظهر أكثر مما تخفي والنقاب يفتن أكثر مما يُحصِن, وذكر لي أن بعض أصدقائه يعرض عليه العلاقات غير الشرعية  كمسكن للشهوة قبل الزواج, فرفض لأنه يعرف أن من زنا يُزنى بأهل بيته ولو بعد حين, فكان صديقه يستمع إليه وكأنه يتكلم من عالم آخر وكأن الكلام عن الضمير والخوف من الله أصبح شيئا غير مرغوب, فهل يعقل أن تنحدر الشهوات بالإنسان إلى هذا الشكل؟

تعود إلى ذاكرتي هنا بعض القصص التي حدثت معي أثناء ممارستي لاختصاص النساء والولادة في مجمّع للعيادات, إذ جاء رجل كبير السن ومعه الخادمة لإجراء فحوصات الإقامة لها, ولما حصل على النتائج سألني عن حبوب لمنع الحمل من أجلها, فسألته إن كان زوجها مرافقاً لها أم لا, فأجاب بالنفي, لكنه عقّب قائلا: (إن لدي أولادا جُهّالا وأخشى أن يدخلوا عليها ليلا, فتحمل من أحدهم) وكان يتكلم وكأن ما يحكيه شيء مقبول ولا عيب فيه, وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام:(إنّ مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت), فليست المشكلة في الزنا برأيه لكن المشكلة أن تحمل الخادمة من أحد أولاده, فما كان مني إلا أن سألته بتهكّم:(وهل دفعت ثمنها لأهلها واشتريتها كجارية فهي ملك يمينك ويحق لها أن تفعل أنت أو أولادك بها ما تشاء, أم أنها جاءت بعقد عمل وأنت تعطيها راتبا شهريا؟) فغمغم قائلا:(أنا أعطيها راتبا شهريا) فعنّفته قائلة:(بدل أن تفكر في هذا الحل لأولادك وأنتم من قاطني جوار البلد الحرام عليك أن تربي أولادك على مخافة الله ورعاية حرمات النساء والضعفاء) فذهب يجر أذيال الخيبة. وقصّ علي طبيب زميل حكاية مراجع ثري متقاعد أفضى للطبيب بقناعته بعدم شرب الخمر لكنه لا يمانع في الزنا لأن الخمر يدخل جسده, أما في الزنا فهناك ما يخرج من جسده, وهو تلبيس إبليس - على رأي ابن الجوزي-  فقد ورد في الحديث الشريف أن أحد الثلاثة الذين يبغضهم الله سبحانه هو الشيخ الزاني؛ وإن من استغل نعمة الجسد والصحة فيما يبغضه الله, فإن يوماً سيأتي عليه وقد انقلبت النعمة إلى نقمة.

الخبر الأسوأ الذي قرأناه هو عن ذلك الأب الأربعيني الذي يصطحب معه ابنته ذات الاثني عشر ربيعا إلى شقق العزاب في المدينة المنورة حيث يقوم بفعل الفاحشة معها, وقد تم القبض عليه متلبسا بالجرم؛ والسؤال أيضا هنا: إذا كان هذا الأب مجرما ميت الضمير, فأين الأم؟ وهل لم يخطر لها أن تسأل ابنتها عن رحلتها مع أبيها وماذا يفعلان؟  هذه الجرائم الأخلاقية الممثلة بزنا المحارم موجودة في كل بلاد العالم وأذكر أني رأيت الفيلم الأمريكي (الكاهن) الذي يحكي عن رجل دين مسيحي شاذ في نفس الوقت الذي يعترف له الناس بذنوبهم ومن بين المعترفين فتاة مراهقة كانت تشكو له من أبيها الذي يمارس الفاحشة معها؛ لكن إذا كان هذا يحصل في أمريكا حيث أعلى نسبة للجرائم في العالم, وحيث يباح الخمر وتباع المخدرات على الأرصفة, فأي تفسير لحدوث مثل هذه الجريمة في مجتمع فطري أصيل كالمجتمع السعودي؟ وأين؟ في المدينة المنورة!!

في تقرير أعدته صحيفة أجنبية عن انتشار مرض الإيدز في المملكة العربية السعودية, ورد ذكر امرأة أفريقية جاءت إلى المملكة عام 1991 وأقامت فيها لعام 1998 حيث عادت إلى بلدها محملة بالثروة التي جمعتها من ممارسة الفاحشة, ولما تبخرت تلك الثروة على يديها ويدي زوجها عادت إلى جدة بتأشيرة عمرة أو حج, وهناك رجعت حليمة إلى عادتها القديمة, فقد كانت تقدم جسدها لبعض الأثرياء الذين يرغبون بالجنس الشاذ, ولكن الله كان لها بالمرصاد بعد أن استغلت تأشيرة زيارة الأماكن المقدسة لتمارس البغاء فأي فعل أكثر جرماً من استخدام دين الله لنشر الفاحشة؟ أصابها مرض الإيدز وتخلى عنها خلاّنها القدامى, بعد أن أصبحت فتحة الشرج تنز مخاطا ودما وقيحا كريه الرائحة, ولم تستطع أن تطلب العلاج من أي مستشفى لأنها بدون إقامة, ولكن كم عدد الرجال الذين نقلت لهم هذه المومس ذلك المرض المفزع؟

2006/2/20

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |