الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) هل يحتاج الذكر لولي أمر في زواجه؟
 
 
 

 مما يسرني أن بعض صغار وصغيرات السن يتابعون مقالاتي, وإحدى هؤلاء فتاة في المرحلة الثانوية كتبت لي رسالة تعرض فيها مشكلة صديقتها التي لا يزيد عمرها عن 18 سنة ومعروفة بتفوقها وكذلك امتلاكها لموهبة كتابة الشعر والخواطر, ويريد والدها أن يزوجها برجل عمرها 83 سنة وذلك لأن هذا العجوز قد عرض أن يدفع مهرها مائة وخمسون ألف ريال, وقد وافق والدها على ذلك العرض كي يوفي ديونه والتي تقدر بثمانين ألف ريال ويزوج ابنه بالمبلغ المتبقي, ومنذ ذلك اليوم المشؤوم والفتاة في نحول مستمر وذبول ظاهر فهي لا تتابع دروسها كعهدها ولا تُقبل على صديقاتها كعادتها؛ ومن جميل المصادفات أن صحيفة الوطن عرضت في نفس الفترة تحقيقاً مطوّلاً حول زواج الصغيرات وما ينجم عنه من كوارث إنسانية وأزمات أسرية, وقد لخص عنوان التحقيق بعض هذه القصص فجاء فيه: "الأولى ضحية لزوجة أبيها والثانية مادة لتسديد ديون والدها والثالثة هربت من جحيم العنف" ولم ينس التحقيق أن يورد رأي مأذون الشرعي ذكر أنه لا يوجد قانون يمنع من قيامه بهذا الزواج لذا فهو لا يستطيع إلا أن يلبي رغبة والد الفتاة أو ولي أمرها إذا أراد أن يزوّجها رغم صغر سنها؛ ولكنه أشار إلى العديد من المشكلات التي واجهته مع هذا السن بالتحديد, فكثير منهن يوافقن, وإذا حضر المأذون رفضن, فيرفض إتمام عقد القران, لذا فإن وجود قانون يمنع عقد قران الصغيرات يساهم في التقليل من هذه المشكلات, خاصة وأن هناك أسبابا غير عادلة وراء هذا الزواج وفقدان الكفاءة حيث يكون الذي يريد الزواج قد تجاوز الستين بينما الفتاة لا تتعدى الرابعة عشرة من العمر.

من الناحية الصحية فإن زواج الفتاة قبل سن الخامسة عشرة غير محبذ إطلاقاً, وحملها قبل سن العشرين يعتبر حملا عالي الخطورة لأن تكوينها الجسدي لا يكتمل قبل هذا العمر, ناهيك عن النمو العاطفي والانفعالي الذي لا يساعدها على تحمل مسؤوليات الزواج والأسرة؛ لذا لا بد من شكر ذلك المأذون لوعيه واهتمامه بمصلحة المرأة ومصلحة المجتمع قبل مصلحته الخاصة, وأعتقد أننا نحتاج فقهاء شجعان مثله ومثل الشيخ العبيكان الذي قرأنا له كثيرا من الآراء حول فقه الزواج كان آخرها تحريمه للزواج بنية الطلاق والذي تبيحه بعض الآراء الفقهية, فنرجو أن نقرأ فتوى جماعية تحرم كل أنواع الزواج التي تتخطى مصلحة المرأة وتتجاوز مفهوم الزواج الحقيقي من حيث كونه سكناً ورحمة ومودة, وليس كما يظنه بعض الآباء أنه مجال لفك الدين وإكثار الثروة وفرض السيطرة على البنات, ومن هنا فإن الرأي الفقهي الذي يظن أن سبب وجود ولي الأمر للمرأة هو نقص عقلها وقلة خبرتها ليس صحيحاً في أغلب الأحوال, ومع أن المذهب الحنفي يجيز عقد القران بدون ولي أمر فإن بعض الآراء الفقهية الحديثة تضرب هذا الرأي برؤية مناقضة تماماً, على سبيل المثال ما ورد في الموسوعة الفقهية للدكتور وهبة الزحيلي: (والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شئون الحياة أقدر على مراعاة هذه المقاصد, أما المرأة فخبرتها محدودة وتتأثر بظروف وقتية, فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها).

مع احترام كافة الآراء الفقهية الاجتهادية, لكنها ليست منصفة دائماً للمرأة, ولا أقصد المرأة الغربية التي وصلت إلى المريخ وزحل, بل أعني المرأة المسلمة التي ما زال بعضنا يرميها بالجهل والخبرة المحدودة رغم أنها قد تكون حاصلةً على أرقى الشهادات وتشغل أعلى المناصب؛ وبالطبع فإن ثمة فقهاء آخرين معتدلين عزوا وجود الولاية على الفتاة أنه للحفاظ على حقوقها من مهر وغيره, فدور الولي يتوقف على اختيار المرأة أو الفتاة, وهي التي لها الكلمة الأولى والأخيرة أما الأولياء فهم في المرتبة الثانية, والأحاديث الشريفة تدلّ على ذلك, إذ لم يَرِد في السنة الصحيحة أن رجلاً أكره ابنته على الزواج ممن لا ترغب به, ثم اشتكت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا وخيّرها فأبطل نكاحها إن أرادت, ويكفي شاهداً على ذلك عبارة البكر التي أتت تشكو أباها عندما زوّجها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته, فلما خيّرها الرسول صلى الله عليه وسلم, قالت:(قد أجزتُ ما فعل أبي, ولكن لتعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء), وقد سكت الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينهرها بل على العكس هو الذي كشف لها النقاب عن حقها في فسخ نكاحها, وهكذا يجب أن تعلم النساء – والرجال أيضاً-  أن ليس للآباء من الأمر شيء, وإنما دور الأب يتمثل في حماية مصالح ابنته سواء منها المصالح المادية أم الأدبية؛ ففي وجود الولي حماية لمصالح المرأة وحفاظ على حقوقها المادية من حيث تحديد المهر والنفقات الأخرى, وصيانة معنوية لها كي لا تبدو كمن تبيع نفسها باشتراطها مهرها, ومن هنا فإن الإسلام جمع بين حق المرأة في القبول أو الرفض وبين حق وليها في أمر زواجها, فمنع الأولياء من الاستبداد في تزويج بناتهن أو مولياتهن بغير رضاهن كما كان يحصل في الجاهلية, كما مُنعت المرأة من الزواج بغير كفء يرضاه ولي أمرها, كي لا يصبح زواجها سبباً لوقوع العداوة والبغضاء بين الأسرتين بدل أن يكون وسيلة للتآزر بين العائلتين.

قد تكون الفتاة صغيرة في العمر أو قليلة الخبرة في الحياة, لكنه ليس مبرراً بأية حال لإجبار الفتاة على الزواج بمن لا ترغب, فمن أصعب الأمور وأشدها على نفس الأنثى أن تقدّم نفسها وتبيح جسدها لمن لا تشعر نحوه بأي ميل, اللهم إلا إذا كانت قد رُبِّيت على العبودية والخضوع والطاعة العمياء, على عكس الذكر والذي تغلب عليه الغريزة الجنسية عموماً أو يتحكّم عقله بقلبه فلا يكون الموضوع العاطفي اهتمامه الأول كالأنثى وهذا لا يُثْبته علم النفس المنصف فقط, بل تؤكده الشريعة الإسلامية الغراء التي أباحت للرجل تعدد الزوجات في حين منعت المرأة من ذلك, هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن الحضّ على تحمّل الزوجة وإن كرهها الزوج وارد في حق الرجل فقط بدليل الآية الكريمة:{فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} فإن قيل أن الأحكام الواردة في القرآن تشمل الرجال والنساء, فجوابي: أن هذا الأمر ليس على إطلاقه في الأسرة كما هو في المجتمع, والدليل أن الأحكام الشرعية الأسرية فرَّقت بين ما يخصّ المرأة وما يخصّ الرجل, فللمرأة الناشز طريقة في التأديب غير ما للرجل الناشز إذ المرأة لا تملك ضرب الزوج مثلاً والآية الكريمة تقول:{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير}, فلم ترد أي آية تحض المرأة الكارهة لزوجها على احتماله, لأن الله خلق الذكر والأنثى وهو أعلم أين تختلف فطرتهما وما يصلحهما وهو القائل سبحانه:{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}؛ ثم إذا كان الأمر على إطلاقه وتعميمه بين الرجل والمرأة فلم لا يُعمَّم ضرورة وجود الولي على الذكر والأنثى إذن؟

وسواء أُطلق الأمر أم لم يُطلَق فإن وجهة نظري في موضوع الولي أن الذكر قد يكون صغير السن وقليل الخبرة أيضاً, فلم لا يحتاج ولياً يمنعه من الزواج إن كان سيتزوج بمن لا تكافئه؟ يجيبنا الفقهاء: إن بيده عقدة النكاح ويستطيع أن يطلّق متى شاء, لكن القرآن يبيّن أن عقدة النكاح ليست في يد الزوج دائماً كما في قوله تعالى:{إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} ولا أرى مانعاً من الاستنباط أن عقدة النكاح يجب أن تكون في يد الولي أحياناً أو القاضي بالنسبة للفتى وللفتاة البالغين غير الراشدين الناضجين بعدُ, واللذين يحقّ لهما الزواج لكن فيهما شيئاً من السفه أو نقص العقل, فكما يحقّ للوصي أن يحجر على السفيه لقول الله تعالى:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} فسماها الله (أموالكم) ونسبها إلى الأوصياء أو إلى المجتمع ككل لأن المال قوام الحياة, كذلك فإن الأسرة هي قوام المجتمع, فلا بد أن يكون للولي دور في زواج الفتى أو الفتاة إذا لم يقع اختيار أحدهما على الكفء, وهنا ليس لنا إلا اتباع قول من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام:(فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).

ما رأيته في حياتي من مآسي نتيجة لسوء اختيار الشاب زوجة المستقبل ليس أقلّ مما رأيته من كوارث نتيجة سوء اختيار الفتاة, فقد تغري إحداهن الشاب بمعسول الكلام أو بجمال الوجه والجسد فيقبل عليها راضياً بشروطها, فإذا مرّت الأيام وعرفها على حقيقتها, فقد لا يستطيع طلاقها بعد أن قيّدته بما لا يطيق من الشروط أو بما لا يرغب من الأولاد, فأين المفرّ حينها؟ وإذا عزم الطلاق فمن أين له أن يدفع مؤخر الصداق مثلا؟ ومن لأولاده إن تركهم لطليقته جاعوا وإن تركتهم له ضاعوا؟

الوطن السعودية 6/2/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |