|
كنت من أوائل الذين كتبوا في صفحات الرأي منبهين إلى الخطأ الذي ارتكبه رئيس
الوزراء الدانمركي بعدم إدانته للسخرية من رسول الله عليه الصلاة والسلام والتي قام
بها بعض رسامي الكاريكاتير الدانمركيين, ويعود فضل السبق الذي أحرزتُه – بعد الله
سبحانه – إلى جريدة الوطن لأنها أول من نشر الخبر بالتفصيل منذ شهرين تقريباً مما
دعاني إلى كتابة مقالي "لماذا الهجوم على الإسلام ورسوله؟" والذي نشر بتاريخ
5/12/2005؛ ومع أن الوطن تابعت تداعيات الخبر, وتتابعت معها مقالات بعض الكتاب
والكاتبات حول نفس الموضوع, فإن بعض الذين استلّوا أقلامهم للدفاع عن الرسول عليه
الصلاة والسلام ما زالوا يدعون الوطن بـ "الوثن" ويتهمونها بأنها تغريبية وأن أغلب
كتابها علمانيون أو طابور خامس؛ ولكن الهجوم على الوطن وكتابها يهون إذا ما قورن
بما تفوّه به هؤلاء على رموز الوطن نفسه؛ ومع أن بعضهم حاول التلطيف من أسلوبه
لغاية في نفس يعقوب فإنه لم يفوّت الفرصة ليعلن أن وجود النساء في بعض الوفود
الخارجية قد يؤذي مشاعر بعض الشباب "المتحمس" لدرجة قد يقوم بها ببعض ردود الفعل
غير المرغوبة, ويمكن بسهولة لمن يقرأ بعض ما كتب في مواقع الانترنت الأصولية أن
يعلم مدى تربص هؤلاء ليبرروا الأعمال الإرهابية التي تضرّ الوطن ويبرأ منها الدين.
دعونا في البداية نناقش اعتراضاتهم لنرى مدى شرعيتها
وخاصة أنهم ممن يتجلببون بعباءات الشرع, وبالطبع هذا
النقاش ليس ليقتنعوا به, فهم قد آلوا على أنفسهم ألا
يقتنعوا إلا بأفكارهم ما دام الدين - حسب رأيهم-
حكراً عليهم ولا يعلمه إلا الراسخون في العلم من
أمثالهم, لكن غاية النقاش أن يعلم بعض تلامذتهم مدى
ضعف حججهم وضخامة غوغائيتهم؛ وتتمثل هذه الاعتراضات في
تواجد النساء بالوفد وهو ما يعني اختلاطهن بالرجال وفي
كشف وجوههن وفي سفرهن من غير محرم؛ وإذا بدأنا باصطحاب
النساء في السفر فهي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام,
سواء كن أمهات المؤمنين أو غيرهن, ومن المعلوم أن بعض
الصحابيات كن يتطاولن لنيل ذلك الشرف خاصة في الغزوات
ومنها تلك التي حدثت بعد فرض الحجاب كغزوة خيبر وحنين,
وإذا كان الجهاد في العهد النبوي تمثّل بعد استقرار
الدولة المسلمة والتمكين لها في المدينة المنورة
بالجهاد القتالي فإن أحد أهم أركان هذا الجهاد هو
إعداد القوة المادية, وهو الركن المفروض على الأمة
سواء كان التمكين لها أم لغيرها, أي سواء كان الجهاد
القتالي مفروضاً عليها أم لا؛ وفي حال غياب هذا
التمكين – كما هو حال المسلمين اليوم- فإن قوة الإيمان
لوحدها لا تكفي ولا بد من التماس القوة المادية سواء
على الصعيد الداخلي بإعلاء قيم تماسك المجتمع أو على
الصعيد الخارجي بفتح الأبواب الموصدة أمام المسلمين
وهو ما يدخل في إطار السياسة الشرعية التي تصبّ في
المصلحة العامة, وبالتأكيد فإن مصلحة المسلمين عامة -
وليس مصلحة السعوديين فحسب- تكمن في تقديم نموذج مشرق
لإسلام وسطي معتدل يعطي المرأة حقوقها في الأسرة
والمجتمع, ولا يخفى على عاقل أن وجود النساء في ذلك
الوفد المبارك يتضمن إشارةً واضحةً لسياسة المملكة
الإصلاحية في تمسّكها بالأصالة دون أن تعني تخلفاً عن
ركب المعاصرة.
أما مشاركة النساء للرجال في بناء المجتمع فهو أصل
موجود في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة, فالولاية
بين المؤمنين والمؤمنات التي تدلّ عليها الآية
الكريمة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) لا يمكن أن تتحقق
بدون هذا الالتقاء, ومن المعلوم أن ثمة ضوابط تحكم هذه
المشاركة ومنها التزام المرأة باللباس الشرعي المكوَّن
من الخمار الساتر للشعر والنحر, والثوب السابغ للجسد,
وذلك لأن الإسلام يقوم على دعامتين: دعامة من الأخلاق
الفردية كالغض من البصر, ودعامة من الأخلاق الاجتماعية
كالتزام النساء بالاحتشام والعفة؛ وقد ذكرت في مقالات
عديدة أن وجه المرأة ليس فيه فتنة إلا إذا نظر الرجل
بشهوة, والأمر بالغض من البصر قد ورد في القرآن للرجال
والنساء, أما إذا غطت المرأة وجهها وكفيها وتسربلت
بالسواد العريض من قمة رأسها إلى أخمص قدميها, لها,
فعمّ يغض الرجل بصره؟ يجب أن نقول للمصرّين على هذا
الفهم الخاطئ والذين يخشون على أنفسهم حتى من سواد
الثياب: المقصود بالبصر هو الحاسة التي محلّها العين,
وليس تخيلات الرجل وأوهامه وهواجسه بشأن ما غطّته
الثياب السابغة, وذلك لأن الخيالات قد تعنو للمريض
النفسي فيتخيل امرأة داخل ثياب معروضة في واجهة محل
للأزياء, فهل نمنع عرض الأزياء في المحلات بما فيها
العباءات السوداء؟ حاشا القرآن أن يقول كلمةً لا داعي
لها, وحاشا القرآن أن يخطئ لأنه إذا كان المقصود تغطية
الوجه في عبارة (وليضربن على جيوبهن), لوجب أن تستبدل
بعبارة (وليضربن على وجوههن)كما قال الإمام ابن حزم,
ويكفي بالحديث المروي في البخاري:(لا تنتقب المرأة ولا
تلبس القفازين) دلالة على عدم اعتبار الوجه والكفين
عورة داخل الإحرام حتى يكون ذلك عورة خارجه, ولمن قال
بالإسدال فهو مجرد خيار لمن اعتادت في قبيلتها أو
قومها ستر الوجه وليس فرضاً على جميع المسلمات.
وأما الدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند
الأمن ووجود الثقات؛ فهو ما رواه البخاري في صحيحه أن
عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي في آخر حجة حجّها
فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف, فقد اتفق
عمر وعثمان وعبد الرحمن ونساء النبي على ذلك, ولم ينكر
غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك, وهذا يعتبر إجماعاً؛
وكذلك ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم فقد حدثه
النبي عليه الصلاة والسلام عن مستقبل الإسلام
وانتشاره, وارتفاع مناره في الأرض فكان مما قال:(فوالذي
نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى
تخرج الظعينة من الحيرة
حتى تطوف بالبيت في
غير جوار أحد..) ويضيف الدكتور يوسف
القرضاوي قاعدتين جليلتين: الأولى: إن الأصل في أحكام
المعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف
أحكام العبادات فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال,
دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد, كما قرر ذلك
الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له؛ والثانية: إن ما
حُرِّم لذاته لا يباح إلا للضرورة, أما ما حُرم لسد
الذريعة فيباح للحاجة, ولا ريب أن سفر المرأة بغير
محرم مما حُرم سدا للذريعة؛ إضافة إلى أن السفر في
عصرنا لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية محفوفا
بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات والتعرض للصوص
وقطاع الطرق وغيرهم؛ بل أصبح السفر بوساطة وسائل نقل
تجمع العدد الكثير من الناس في العادة, كالبواخر
والطائرات والسيارات الكبيرة أو الصغيرة التي تخرج في
قوافل, وهذا يجعل الثقة موفورة ويطرد من الأنفس الخوف
على المرأة, لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
الغريب في الأمر أن بعض هؤلاء الإخوة المعترضين صفقوا
للدكتورة ريم الطويرقي التي ظهرت في فرنسا بنقابها,
ولكنهم تغاضوا عن كشفها ليديها, فما السبب؟ وعلى أي نص
استندوا بأن الوجه له حكم غير حكم اليدين؟ بالطبع لا
يمكن أن نجد جواباً لديهم خاصة أن التذبذب في أمر
الحجاب موجود لديهم ولدى غيرهم, على سبيل المثال أبدى
أحد الكتاب وجهة نظره باقتناعه بأن الوجه والكفين ليسا
بعورة في إحدى مقالاته, لكن لما ظهرت صورة الطويرقي
قارنها- في مقالة أخرى - مع الجالسة إلى جانبها فاعتبر
الطويرقي رافعة رأسها شامخة في حين أن من بجانبها
منكوسة الرأس, علماً بأن التي بجانبها التزمت بالحجاب
الذي كان يدعو له في المقالة الأولى؛ وربما غاب عنه
وعن غيره أن هذه السيدة ليست سوى الدكتورة سهير يوسف
القرضاوي.
هذا التذبذب أو هذا الجهل – سَمِّه ما شئت – هو أحد
أسباب تخلفنا ولكن السبب الرئيسي الذي لا يجعلنا نرتقي
لدرجة شرف الدفاع عن أكرم الخلق هو أننا تركنا سنته في
حسن الظن بالمؤمنين والابتعاد عن التنابذ والتفرق
والتبديع والتفسيق والتكفير فوصفنا المختلفين معنا
بالمارقين من الدين أو الرويبضة أو منكوسي الرؤوس,
واعتبر كل منا جماعته أو طائفته أو فرقته هي الجماعة
السنية والفرقة الناجية والطائفة المنصورة, مع أن حديث
اختلاف الأمة إلى بضع وسبعين فرقة حديث فيه كلام؛ ومع
أن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يبرأ ممن
فرقوا دينهم شيعاً فقال جلّ من قائل:(
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ
شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ
أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا
كَانُواْ يَفْعَلُونَ).
الوطن السعودية30/1/2006 |