|
بينما
كنت أمسك بالريموت كونترول لأرى ما تعرضه المحطات
الفضائية صباح يوم الجمعة استوقفتني قناة إسلامية تعرض برنامجاً خاصاً بالمرأة,
وكعادة تلك القناة فإنه لا وجود للمذيعات بل كلّ مقدّمي البرامج رجال؛ وعلى الرغم
من
تفضيلي أن تكون امرأة هي من تقدم برنامجاً للمرأة حيث إن القنوات الأخرى ذات
الطابع الإسلامي لا تتحرّج من ذلك وعلى الرغم من كون الحلقة معادة, فقد شدّني إلى
الحوار اختلاف الضيفتين في البرنامج - طبعاً ضيفتان على الهاتف وليس في الأستوديو
-
فإحداهما سيدة عربية وتتحدث من بلدها بينما الضيفة الأخرى سعودية وتتحدث من داخل
المملكة؛ وقد سبق لي التعرف على تلك السيدة العربية في مؤتمر خارج المملكة ضمّ
لفيفاً من المستشارين الاجتماعيين والتربويين الذين يعملون في مواقع إسلامية على
الإنترنت سواء كانوا موظفين فيها أو متعاونين مثلي ومثلها, وقد أبدت تلك السيدة
إعجابها بالحلول التي أقترحها للمشكلات المعروضة عليّ وشاركها في ذلك زوجها الذي
أصرّ على أن يوصلني إلى مكان إقامتي برفقة زوجته, فوافقت وشكرتهما على لطفهما؛ ولكن
لفت نظري أن تلك السيدة التي تنادي بالمبادئ والأخلاق الفاضلة قد اكتفت بتغطية
شعرها وارتدت بنطالا وقميصاً قصيراً, فخمّنت أنها حديثة عهد بالحجاب وهي لذلك لا
تدرك مغزاه في ضرورة كونه سابغاً ساتراً للمفاتن الأنثوية, ومع قناعتي بأن لباس
التقوى خير والتقوى لا يعلمها إلا الله المطلِّع على القلوب, لكن اعتقادي أن حجاب
المرأة أمر إلهي وينبغي أن تمتثل له كل من تحاول التصدي للمشكلات الاجتماعية بحلول
ذات صبغة إسلامية, عدا أنه يتناغم مع فطرة الأنثى في الحياء ويهذّب فطرة الذكر في
الجرأة ويساعده على غض البصر؛ كل ذلك دعاني لتنبيهها برفقٍ إلى الخلل بين مظهرها
ومخبرها, دون إصرار مني على الدخول في نقاش معها حول التفاصيل وذلك لأنها المرة
الأولى التي أراها بها ولا أرغب في تقديم نفسي لأحد كوصية على أفعاله, خاصة أنه ليس
لدي أدنى فكرة عن ظروفها سواء في عملها أو مع زوجها إلى آخر ذلك من الأسباب التي لا
تخفى على الخبير بأحوال المجتمعات العربية الأخرى وتباين تقاليدها بين الحجاب
والسفور.
قصدت من هذا السرد أن أربطه بالحوار الذي كان يدور حول
اختلاف التربية
بين الجنسين, والحقّ يقال إن المحاور كان يقظاً إلى
درجة لافتة, فقد فطن إلى بعض
التناقض والغموض في حديث تلك السيدة العربية التي كانت
تحاول أن تنطلق من قيمٍ
شرعية محددة لكن منطلقاتها سرعان ما تتوه منها في زحمة
العادات التغريبية المنتشرة
في بلدها, فبرأيها أن هناك فرقاً جسدياً ونفسياً بين
الذكر والأنثى, لكن هذا الفرق
يجب ألا يتبعه فرق في التربية, وهنا فاجأها المحاور
بسؤال ذكي: إذا كنا نعلم أن ثمة
فروقاً فطرية بين الجنسين فما فائدة هذه المعرفة إذا
كنا لن نستعملها؟ وقد أسعدني
فعلا بسؤاله بنفس القدر الذي ساءني جواب تلك السيدة إذ
تبدّى فيه الحيرة والارتباك
بقولها: لأن موضوع البرنامج هو الفروق بين الجنسين!
وأنقذها المحاور من هروبها
الضعيف من السؤال بتوجيهه إلى السيدة السعودية التي
أبدت ثقة عالية بالنفس وترابطاً
بالأفكار وفهماً أكبر للشرع, وبالتحديد تفريقه عن
العادات والتقاليد دون أي مساس
بثوابت الدين؛ وعندما أعاد المحاور طرح السؤال على
السيدة العربية لعلّها تكون قد
استجمعت أفكارها ولتطرح منظورها التربوي كان جوابها أن
هذا الفرق في التربية بين
الجنسين يجب ألا يظهر في السلوك ولكن لا مانع من ظهوره
في الأسلوب! وإشارة التعجب
التي وضعتُها هي لأنه لا يوجد أي فرق بين السلوك
والأسلوب لأنهما مترادفان وأحدهما
مظهر من مظاهر الآخر؛ وباختصار فإن سبب أخطاء تلك
السيدة - مع احترامي لها ولجهدها-
هو محاولتها إجراء تسوية بين تعاليم الدين وبين
التقاليد الغربية التي تسود مجتمعها
فتطمس الفرق بين الذكر والأنثى, عكس الأخت السعودية
التي رفضت كل التقاليد المتشددة
التي ترفع قيمة الذكر على الأنثى؛ ومع أن الحوار تطرّق
إلى محاور شتى تاريخية
واجتماعية ودينية فإن غياب بعض المحاور الأخرى كمحور
الفروق الجنسية الذي يستدعي
اختلافاً في جزئية تربوية هامة, لم يبدّد ضباب
الإشكالية التربوية, فهل ثمة فروق
حقيقية بين الذكر والأنثى؟ وهل وجودها يستدعي أي فروق
في الأنماط التربوية أم
لا؟
ذكرت شيئاً عن هذه الفروق في كتابي "ألف باء الحب
والجنس" الذي أخشى أن
القراء قد ملّوا من تكرار إشارتي إليه, لكنها ليست
مقصودة بذاتها بل كي يعرف القارئ
الذي اقتنى الكتاب أني لا أسعى إلى التكرار إلا لضرورة
معينة وللتنبيه على هذا
الأمر الهام؛ ولا يخفى على أحد الفروق الجسدية بين
الجنسين, وهي صميمية ونابعة عن
اختلاف الصبغيات الجنسية - الكروموزومات - وإذا كان
لها الدور الأكبر في الاختلاف
قبل البلوغ فإن اختلاف الهرمونات بعد البلوغ له الدور
الأكبر في التميز الجنسي
والنفسي, لذلك فمن المهم جداً إعطاء الطفل - أو الطفلة
- هويته الجنسية بمجرد
إدراكه للفرق بين الولد والبنت وذلك يحدث بحدود
الثالثة من العمر, والتقصير في هذا
الأمر له عواقبه الوخيمة مستقبلا إذ قد تكون سبباً لأي
مثلية جنسية في المستقبل,
وهذه الهوية الجنسية لم تتم الإشارة لها في البرنامج
بل حاولت الضيفة العربية
التأكيد على ضرورة تربية الفرد كإنسان فقط دون إشارة
منها إلى ضرورة تمييز الجنس؛
وهذه الضرورة تفرض تنميطاً اجتماعياً ضرورياً, كي يكون
الفرد مقبولا من مجتمعه ولا
يصبح جنساً ثالثاً, فيتحول "ممدوح" إلى "دُوحا" ثم إلى
"ضحى" أو العكس مثلا, وكي
أقرّب الفكرة أضرب أمثلة مما يذكره لي بعض الشباب
والفتيات عن معاناتهم نتيجة
التربية المختلة الناجمة مثلا عن تشجيع الطفل الذكر
على وضع المكياج أو لبس
الفساتين كوالدته أو أخته الكبيرة, وقد عرفت شاباً
يسير كعارضات الأزياء نتيجة
تعويده على الرقص الشرقي وهو صغير, كما كانت إحدى
زميلاتي تقوم بتصرفات توصف
بانعدام الحياء مع الزميل الرجل رغم أنها محجبة وعندما
سألتها في جلسة صفاء إن كانت
"شوارعية"
وهي صغيرة أجابت بأنها كانت تُعامل مثل إخوتها الصبيان
ولذا اكتسبت عادات
الذكر الفجّة, كالجرأة التي لا يقبلها المجتمع من
الأنثى, وهو الأمر الذي سبّب لها
آلاما نفسية حادة أدت بها إلى الانطواء على نفسها.
هذا التنميط الاجتماعي هو
الذي أهملته المجتمعات الغربية لفترة ثم انتبهت إلى
خطئها, فحاولت أن تتدارك ما
يمكن تداركه من أخطاء, والتدارك يكون بتجنب التفريط في
هذه الفروق وتجنب الإفراط
بها؛ وإذا كان التعليم المختلط للصغار محبّذاً كي
يعتاد كل جنس على التعامل مع
الجنس الآخر بتحضّر وتهذيب, فلا بد من فصلهما في دروس
الفن والرياضة, لأن الأنثى
أكثر حساسية وحياء من الذكر, بينما هو أكثر استقلالا
فكرياً وجرأة منها, لذلك فلكل
منهما ما يناسبه من رياضة وما يناسبه من فنون, وهذا
النمط من التربية المشتركة له
إيجابياته الكثيرة في عدم حصول فجوات اجتماعية كبيرة
بين الجنسين وأيضاً عدم نشوء
جنس ثالث, مع ضرورة مراعاة الاستثناءات الموجودة في كل
من الجنسين والتي يرثها أحد
الجنسين من أحد الأبوين بغض النظر عن الأنوثة والذكورة.
من ضمن المتصلين
بالبرنامج كانت إحدى الباحثات التربويات قامت بشرح
وجهة نظرها في أفضلية الذكر على
الأنثى وذلك لفهمها الخاطئ لبعض الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية واستنتجت أنه
ينبغي التأكيد على هذه الفروق فنعوّد الذكر على
المسؤولية ونعوّد الأنثى على
الاتكال عليه، وهذا مفهوم مختلّ للقوامة لأنه يجعل
الإناث معتمدات على الذكور
دائماً بينما ينحصر مفهوم القوامة شرعاً بين الزوج
وزوجته, وهذا المفهوم المختلّ هو
الذي يجعل المرأة أكثر تعرضاً للاكتئاب لأنها عندما
تصاب بخيبة أمل فلا بد أن تبحث
عمن تبوح له بأحزانها عكس الرجل الذي يشغل نفسه
بالرياضة أو العمل أو غيرهما لنسيان
أحزانه, لذلك فمن المهم أن نخفّف هذه الصفة في كل
منهما, فنشجع الطفلة على تخفيف
نزوعها إلى إفراغ الحزن عبر العلاقات بإشغالها بتحقيق
الطموحات أحياناً, ولا نمنع
الطفل من البوح لمن يحبه ويثق به بمشكلاته وأحزانه دون
أن نعتبر ذلك ضعفاً فكلنا
بحاجة في وقت من الأوقات إلى من يسندنا عاطفياً
ومعنوياً؛ ولذا فإن التنميط
الاجتماعي الذي تحدثت عنه لا ينبغي أن يفهم منه تفضيل
جنس على آخر, بل إن الغاية
منه هو أن يلعب كل منهما مهمته المستقبلية المختلفة في
تكوين أسرة, أما في المجتمع
فلكل منهما دوره الذي يحسنه كإنسان مسؤول عن النهوض
والتطور, ومن هنا فلا بد من
إفراغ الوسع في اقتلاع هذه المفاهيم الخاطئة كي لا
ينشأ لدينا جنس مذكّر منفوخ
بعقدة القوة والاستعلاء بينما ينشأ الجنس الآخر
الأنثوي وهو مُفرَّغ من الثقة
والحياء.
الوطن السعودية 23/1/2006 |