الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) هل نشهد تراجعات عن بيان "إرهاب" المرأة؟
 
 
 

لا شك أن الاعتراف بالخطأ فضيلة, وهاهم بعض رموز الجماعات التكفيرية في المملكة العربية السعودية قد بدؤوا بالتراجع عن فتاواهم في تكفير المسلمين, فهل نأمل أن تحمل لنا الأيام القادمة تراجعات أخرى تؤدي إلى ضخ الدم في عروق المجتمعات العربية المسلمة, فتمنح المرأة مكانتها الحقيقية كما كانت في العهد النبوي؟

أنقل هنا على سبيل المثال لا الحصر ذلك البيان حول حقوق المرأة والذي وقعه بعض من يطلق عليهم "رموز" الصحوة, وقد لفت نظري فيه عدة أمور تجعله أقرب أن يكون دعوة للإرهاب الفكري من أن يكون بيانا بحقوق المرأة؛ ومن هذه الأمور محاولة النيل من صحيفة الوطن وعكاظ والرياض, فقد ورد فيه ما يلي: (وإمعانا في المكر وتمويه الحقائق تشويهاً للحق وتزيناً للباطل يقوم دعاة التغريب في وسائل الإعلام بالإشادة والتبجيل بمن يكون لها تميّز في الخروج عن حدودها الفطرية والشرعية ولو بعمل لا يمكن أن تمارسه النساء إلا في صورة شاذة...) ويكمل البيان اتهاماته  ثم يكيلها قائلا: (ولصحيفة عكاظ والوطن والرياض تميز في هذا الباطل).

لن أدافع عن صحيفة الوطن فهي قادرة على الدفاع عن نفسها بما تتفرد به حقيقة, ولا أرى أني أستحق هذا الشرف بعدُ, لكن إحقاقا للحق يجب أن أقول أني لا أنسى فضل الأخ الذي يحرر مقالاتي, وذلك عندما أتجاوز الخط الأحمر المسموح اجتماعيا في مجتمع تقليدي محافظ فيخفف من انطلاق ووقع أفكاري على القارئ علما بأني لا أتجاوز في كتاباتي المباح شرعا, لكن هذا المباح شرعا يختلف عن المسموح به عرفا, ولا أعرف سببا حقيقيا لذلك, اللهم إلا إذا كانت أمزجة بعض الرجال تتدخل في أحكام الدين كما تظهر لنا آراء الموقعين على بيان حقوق المرأة الذي اقتطفت منه الفقرة أعلاه لأعلن بقوة أن وصف صحيفة مثل الوطن أو غيرها من الصحف السعودية بالقول: "لها تميز في هذا الباطل" هو إرهاب فكري يجب أن يرفضه المجتمع السائر إلى تحقيق قيم الحرية وأحقية التعبير عن الرأي وتقبل الرأي الآخر, وقد ذكرت سابقا أن الإرهاب يبدأ بالفكر وينتهي بالسلوك, ومن الأجدر أن نضع السدود في وجه طوفان الإرهاب حتى لو بدا أنه قليل الخطر, فأكبر النار من مستصغر الشرر.

من الفقرات التي تظهر الطابع المزاجي للبيان هذه الفقرة:(المعلوم أن أعظم باب دخل منه على المرأة المسلمة لتغريبها بنزع حجابها وإخراجها عن قرارها والزج بها في بحر الاختلاط، هو التعليم العصري المستمدة خططه وأهدافه وصيغته من منظمة اليونسكو، ومن أفكار تلاميذ الغرب المفتونين بهم المنفّذين لأهداف الكفار من حيث يشعرون أو لا يشعرون, وأبرز ما تم في ذلك دمج تعليم البنات مع تعليم البنين تحت وزارة واحدة وما ينشأ عن ذلك، مما يحقق مكاسب لهواة التغريب)؛ وهنا لا يمكن للمرء أن يخفي استهجانه من اللهجة الحدية والمنفرة – إذا لم توصف بالإرهابية والمدمرة - التي يتعامل بها هؤلاء الموقعون مع مخالفيهم, وأنا شخصيا لا أجد سببا لاعتراضهم على دمج وزارتي تعليم البنين مع تعليم البنات, ولا أدري لماذا يعتبر أنه يحقق مكاسب لهواة التغريب, مع أنه في كل البلاد العربية لا يوجد للتعليم إلا وزارة واحدة؟! كذلك لم أفهم كيف أن التعليم العصري يهدف لنزع حجاب المرأة وتدمير حيائها؟! لم أفهم لأني طبيبة وكاتبة ومع ذلك أنا محجبة وأفتخر بذلك, ولا أظن أن التعليم الذي حزت عليه أو المراكز التي وصلت إليها تقلل من حيائي, وهناك الكثيرات ممن يفضلنني دينا وتقى لا يأخذن بالتعليم العصري فحسب بل يعشن في ظل المجتمعات الغربية ولا يؤثر هذا على حيائهن ولا على إيمانهن, فلمصلحة من هذه الآراء المتشددة؟! لا شك أن حياء المرأة فضيلة كبرى, لكن هل يعني ذلك أن حياءها يتعارض مع تعليمها أو يتنافى مع ثقتها بنفسها؟! وهل يعني أن لا تشارك المرأة أخاها الرجل في بناء المجتمع الإسلامي ما دامت متقيدة بالزي الشرعي وآداب الاختلاط كالغض من البصر أو عدم الخلوة أو الخضوع في القول؟ لماذا لم يمنع الحياء الصحابيات رضوان الله عليهن أن يشاركن الرجال في الدعوة والجهاد؟ هل ننسى فضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة وحفصة وأم سلمة رضوان الله عليهن؟ هل ننسى أسماء ذات النطاقين ودورها في الهجرة؟ هل ننسى صفية بنت عبد المطلب التي قتلت يهوديا في غزوة الأحزاب قصد التجسس على حصون المسلمين؟ هل ننسى نسيبة المازنية التي دافعت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى تلقت في كتفها طعنة كادت أن تنهي حياة أعظم البشر؟ قد يقول القائلون بالحجر على المرأة أن هذا كان قبل فرض الحجاب - علما بأن العلماء أجمعوا على وجوب ستر المرأة لما تستره في صلاتها من جسدها واختلفوا في ما دون ذلك- فبماذا يفسر لنا هؤلاء استمرار الصحابيات كأم سليم وأم عطية والربيع بنت معوذ وغيرهن في الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام في الغزوات؟ وبماذا يفسرون لنا ما ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عندما أجاب على سؤال وجهه له أحد زعماء الخوارج:(كان الرسول عليه الصلاة والسلام يغزو بالنساء, فقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة)؟ فهل كان الخوارج في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أم بعده؟ فلماذا ينكر موقعو البيان المذكور ما أقره الرسول عليه الصلاة والسلام وما أكده الصحابة من بعده؟!

من الجمل الغريبة في ذلك البيان أيضا هذه الجملة: (وقد دل الشرع والعقل والحس على فضل جنس الرجل على جنس المرأة) ويستشهد البيان بالآية : { وليس الذكر كالأنثى }؛   مع أن الأمر لو كان خاضعا فعلا للتفضيل لوجب أن تكون كلمة الأنثى قبل الذكر في هذه العبارة المقدسة التي تقرر حقيقة هامة ألا وهي أن الاختلاف بين الذكر والأنثى فطري, لكنها لا تشهد لأحد الجنسين بالتفوق على الآخر؛ وكذلك يورد البيان آية القوامة كدليل على تفضيل الذكر على الأنثى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ }, وهذا الفهم الخاطئ للآية يجعل الطريق ممهدا أمام دعاة تغريب المرأة ليقنعوها بأن الإسلام دين ظالم لها متجنٍّ عليها إذ ميز الرجل بالقوامة لأنه أفضل منها, والأمر في حقيقته ليس كما يتوهم هؤلاء "الرموز الصحويون" ولا كما يدعي أولئك "الدعاة التغريبيون", فالقوامة يقصد بها الإدارة والإشراف, وسببها حرص الشارع الحكيم أن تكون روح النظام هي السائدة في المجتمع كله, ولا يسود النظام في المجتمع إلا بهيمنة ضوابط المسؤولية فيه, ولن تترجم المسؤولية الفعلية إلا بوجود من تعود إليه مسؤولية الإشراف والإدارة. ويبدو هذا جليا في قول الرسول عليه الصلاة والسلام:( إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ), فكيف يحرص الشرع على أن لا يسير ثلاثة إلى عمل لهم إلا بعد أن يؤمروا عليهم واحدا منهم, ولا يحرص على الأسرة أن لا تمر بها ساعة من زمان إلا ولها أمير يرعى شؤونها ويدير أمورها؟ القوامة في الأسرة قوامة رعاية وإدارة وليست قوامة تسلط وتحكم, ولا يمكن أن تكون بسبب تفضيل جنس الرجل على جنس المرأة لأن في ذلك تناقضا حادا مع آيات صريحة في كتاب الله تؤكد أن الرجال والنساء متساوون في ميزان الله, ومن هذه الآيات قوله تعالى:( من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون), ومنها: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا), ومنها:(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى بعضكم من بعض), ويزيد البيان الإلهي هذه الحقيقة توكيدا بالآية الكريمة:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم, إن الله عليم خبير), فقد أسقط الله فوارق الذكورة والأنوثة واختلاف الأقوام والشعوب, اللهم إلا فارقا واحدا هو التقوى, فكيف يقال بأفضلية الرجل على المرأة؟! وإذا كان أفضل منها وأكمل منها عقلا بالمطلق دون تفريق بين رجل وآخر أو امرأة وأخرى, فلماذا تكون المرأة مكلفة مثل الرجل ونحن نعلم أن العقل هو مناط التكليف؟! ولماذا يكون فرعون في جهنم وزوجته في الجنة؟!

إن التفضيل في الآية هو أفضلية تناسب مصلحة الأسرة مع الوظيفة التي يجب على كل من الرجل والمرأة النهوض بها, فالقيام على شؤون الأسرة وواجب رعايتها وحمايتها والإنفاق عليها هو من أهم الوظائف الاجتماعية وأقدسها, ولكنه لا يختلف عن الواجب الذي لا يقل عنه أهمية وقدسية وهو واجب الحضانة والرضاعة ورعاية الطفولة, وكلنا يعلم أن الرجل هو الأفضل في المهمة الأولى, بينما لا يشق للمرأة غبار في المهمة الثانية.

الوطن السعودية 6/12/2003

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |