الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) المرأة وجدلية الحقوق والحجاب
 
 
 

لطالما تساءلت عن إمكانية التوصّل إلى نموذج نسائي يمكن طرحه أمام المجتمع بحيث نجد امرأةً نالت حقوقها كاملة دون أن تتخلّى عن حجابها, فلا أجد هذا النموذج في أي بلد عربي, اللّهم إلا بعض الاستثناءات القليلة النادرة, وأما في البلاد الإسلامية غير العربية فهذا النموذج موجود وواضح في كثير منها, ويكفي على سبيل المثال السيدة ابتكار معصومي التي أصبحت رغم عباءتها السوداء مساعدة لرئيس الجمهورية الإيراني السابق.

أهم عامل في ندرة هذا النموذج العربي هو الجدلية بين الحجاب الذي هو واجب المرأة تجاه المجتمع إذ يخفي مفاتنها الأنثوية, وبين حقوقها التي يفترض أن يؤمّنها لها هذا المجتمع, وسبب هذا الجدل أننا ما زلنا في بعض البلاد العربية نفهم تحرير المرأة, والمقصود به حصولها على حقوقها ومشاركتها الاجتماعية والسياسية, على أنه مطلب يناهض التزامها الديني أو لا يتسقّ مع أنوثتها وعاطفتها, بينما نعتقد في بعض البلاد العربية الأخرى أن  تمسّك المرأة بالحجاب هو أمر يتنافى مع انطلاقها وتفوّقها ومشاركتها؛ ولا أعلم أي الاتجاهين هو السابق للآخر وأيهما فعلٌ وأيهما ردّ فعل, لكنّ ما أعلمه أن كلا الرأيين خاطئ, وأنهما لا يساهمان في النهوض بالمرأة والمجتمع.

تصريح معالي وزير العدل السعودي حول عدم أهلية المرأة لتوّلي منصب القضاء بحكم عاطفتها الغلّابة يصب في الاتجاه الأول, وقد كفاني الكاتب الدكتور محمد الهرفي في مقالته الأخيرة في صحيفة الوطن "يا وزير العدل نريد قاضية وكاتبة عدل" الاستعانة بالآراء الفقهية المخالفة لرأي وزير العدل الذي نحترمه ونقدّر تفهّمه لتقاليد المجتمع السعودي الذي قد لا يتقبّل حالياً وجود امرأة قاضية, لكن مراعاة التقاليد شيء ومراعاة تدرُّج التغيير شيء آخر, فتصريح وزير العدل لا يتفق مع الخطى الإصلاحية التي تسير عليها المملكة برعاية خادم الحرمين الشريفين من حيث تمكين المرأة من الأعمال ودخولها في كافة المعتركات السياسية كما رأينا مؤخراً من ترشّح النساء لعضوية غرفة التجارة والصناعة في جدة حيث فازت سيدتان أو في الشرقية حيث فازت ثالثة, وهذه المكانة ليست إلا نوعاً من الولاية وهي قريبة من منصب القضاء؛ وبما أن الخلاف في الرأي لا يذهب للودّ قضية ولا يقلّل من الاحترام, فمن الواجب أن نحاول توضيح معنى الولاية ومتى تكون الأنوثة عائقاً أمامها.

إن حق الفرد في الإسلام بوجهه الآخر ليس إلا واجباً عليه, ويبدو هذا المعنى أوضح ما يكون في الحقوق السياسية التي قد تكون ممارستها فرض عين أو فرض كفاية, وفي كلا الحالين فإن الحقوق المذكورة - والتي هي واجبات - ترتبط بقدرة المسلم أو المسلمة, فالقدرة على فعل الشيء أساس التكليف؛ ومن هنا فإن الواجبات السياسية للمرأة ترتبط بمقدرتها وكفاءتها, ولا تعفيها أنوثتها من ذلك الواجب لأنها مخاطبة من المولى عز وجل شأنها شأن الرجل, ولا يصحّ القول بأنها قد استثنيت إذا لم يكن هناك دليل على الاستثناء أو قرينة عليه.

يرى كثير من علماء الدين المعاصرين أننا إذا استثنينا رئاسة الدولة فإن سائر الرتب والمناصب السياسية الأخرى تعدّ في الشريعة الإسلامية مجالات متسعة لكلّ من الرجل والمرأة؛ وإذا تجاوزنا رتبة الخلافة أو الرئاسة فإننا لا نجد مدخلاً لخصوصية الذكورة والأنوثة في الأمر, والأساس هو المساواة وما ورد من استثناءات لا ينقض القاعدة العامة, ولا يغيّر من الوحدة بين الذكر والأنثى والمساواة بينهما فذلك هو الأصل؛ والإمام ابن حزم يقول:(لما كان رسول الله مبعوثاً مستوياً وكان خطاب الله تعالى وخطاب نبيّه عليه الصلاة والسلام للرجال والنساء خطاباً واحداً لم يجز أن يخصّ بشيء من ذلك الرجال دون النساء إلا بنصّ جليّ أو بإجماع لأن ذلك تخصيص الظاهر وهذا غير جائز).

يشرح الدكتور مصطفى السباعي –رحمه الله- في كتابه "المرأة بين الفقه والقانون" حديث:(ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) بأن الولاية غير الجائزة للمرأة هي الولاية العامة العليا, لأنه ورد حين بلغ الرسول عليه الصلاة والسلام أن الفرس ولّوا للرئاسة عليهم إحدى بنات كسرى بعد موته, ولأن الولاية بإطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالإجماع, بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية, وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم, وأن تكون شاهدة, والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك, ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات, والقضاء ولاية؛ فنصّ الحديث -كما يفهمه السباعي- صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا, ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسؤولية. أما الشيخ محمد الغزالي –رحمه الله- فقد ألقى نظرة مختلفة على هذا الحديث في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"وكان من كلماته الأشدّ مضاء:(أما مصائب العرب التي لحقت بهم يوم قادت «جولدا مائير» قومها فحدّث ولا حرج، قد نحتاج إلى جيل آخر لمحوها! إن القصة ليست قصة أنوثة وذكورة! إنها قصة أخلاق ومواهب نفسية..) ثم تساءل: (ما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!!), وأنا بدوري أتساءل: لو كان أمامنا خيار وحيد بين رجل كفرعون وامرأة كزوجته للتعيين لمنصب القضاء فأيهما نختار؟

إذا بحثنا عن الحقيقة في قضية ارتباط الأنوثة والعاطفة فسنجد أنها غير قابلة للتعميم, ولقد شرحت في مقالات سابقة أن نقص العقل لدى المرأة هو أمر نسبي وليس مطلقاً, وذلك لأنه مرتبط بقوامة الرجل في الأسرة, وهو الزوج تحديداً كما تبيّن آية القوامة في سورة النساء,  إذ لابد من وجود العاطفة لدى الأنثى كي لا تكون الحياة الزوجية محكومة بالعقل وجموده دون أن توازنه العاطفة وجمالها, كما أن هذه العاطفة التي تميز الأنثى مناسبة لممارسة نشاطها الأمومي, وهي المهمة الأكثر نبلاً في حياة كل امرأة, لكنها ليست المهمة الوحيدة وإلا فإن اقتصار عطاء المرأة على زوجها وأولادها هو ضربٌ من الأنانية كما أنه مخالف لقول الله تعالى:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر), إضافة إلى أن بعض النساء لم يجدن نصفهن الآخر أو ليس لديهن أولاد أو مطلّقات أو أرامل, وهذه الشرائح بمجموعها تشكّل نصف النساء في أي مجتمع أو أكثر, فما المانع أن تشغل المرأة وقتها بما يفيدها ويرقى بمجتمعها؟ وما المانع بالنسبة للمتفوقات من النساء اللواتي يستطعن الموازنة بين البيت والمسؤوليات خارجه أن يحظين بوضع متقدم ما دامت مؤهلاتهن النفسية أو خبراتهن أو شهاداتهن العلمية تهيئهن لتبوّء أعلى المناصب, لاسيّما وأن هذا ليس من حقهن فقط بل هو واجبهن تجاه المجتمع كم تقدّم؟

الشاهد على هذا التفوق قول السيدة مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة التي أنقذت بلدها من انهيار اقتصادي محقق:(إنني وأنا أحكم بريطانيا العظمى أكون فخورة حين أدخل داري وأنا محض امرأة، يشرفني القيام بواجبي في إسعاد سيد الدار زوجي), علماً بأن هذا الاستعداد المتفوق قد يعود للوراثة إذ توجد بعض النساء ورثن من آبائهن صفات تُنسب للذكورة كالحزم والتروي قبل إطلاق الأحكام والبعد عن الانفعال, كما أن هناك بعض الرجال قد ورثوا من أمهاتهم صفات تُنسب للأنوثة كالحساسية المفرطة والعاطفة المتأججة؛ ولا ننسى دور التربية في تكريس التوازن بين العقل والعاطفة لدى الطفل والطفلة منذ نعومة أظفارهما, وإذا كان ضرورياً المحافظة على الفروق الفطرية بين الجنسين أثناء العملية التربوية, فإن من المهم أيضاً ألا تُعلي التربية شأن جنس على حساب جنس آخر؛ وأخيراً فإن هذه الأنوثة أو العاطفة تقل مع تقدّم المرأة في العمر.

إن من أبرز الوظائف السياسية الوزارات والقضاء وما في حكمهما, وقد ولى عمر بن الخطاب الشَّفَاء بنت عبد الله على حسبة السوق, والحسبة قد تحمل الصفة القضائية والتنفيذية معاً كما هي تجسيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أعطى عمر بن الخطاب سمراء بنت نهيك الأسدية التي تولّت المنصب نفسه على سوق مكة سوطاً تضرب به من يغشّ في البيع أو الكيل. وأخرج الطبراني عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم قال:(رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي عليه الصلاة والسلام عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدّب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر).

أما الاتجاه الثاني والذي يرفض حجاب المرأة فقد مثلّه مؤخراً وزير الشؤون الدينية التونسي الذي صرّح بأن حجاب المرأة طائفي ونشاز ودخيل, وقد رددت سابقاً على من قال بمثل ذلك في أكثر من مكان ومنهم جمال البنا الذي سخر من الرأي القائل بأن الحجاب أمر معلوم من الدين بالضرورة, وكان من جوابي: إذا لم يكن كذلك - حسب اعتقاده - فهو معلوم من الفطرة بالضرورة لأن الله سبحانه هو الذي خلق الذكر والأنثى وعلم ما يصلحهما وما يصلح مجتمعهما؛ وأما شيخ الأزهر فقد كان ردّه مختلفاً على من أنكر الحجاب إذ حكم بكفره رغم أن شيخ الأزهر أبعد ما تكون سجاياه عن التشدّد والتكفير, فهل هذا الحكم ينطبق على السياسي أو الوزير كما ينطبق على المثقف أو الفقير؟

الوطن السعودية 2/1/2006

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |