|
كنت أودّ أن أخصّص مقالتي هذه لزلزال باكستان والكوارث الطبيعية الأخرى كما طلب مني
بعض الإخوة الأفاضل, لكني وللمقالة الثالثة على التوالي أستشهد بحادثة جسر نفق
النهضة كزلزال لكيان المجتمع, خاصة بعد قراءتي للخبر الذي ساقته صحيفة الوطن في عدد
الخميس الماضي حول اكتشاف شابين آخرين متورِّطين بالحادثة إضافة للشبان الأربعة
الذين اعترض ثلاثة منهم طريق الفتاتين للتحرش بهما بينما اجتهد الرابع في تصوير
اللقطات المؤسفة؛ وهكذا فقد أضحى عدد الشبان ستة وهو رقم لا يستهان به, وأثناء
التحقيق معهم ذكر أحد الشبان أن الفتاتين لم يظهر منهما ما يدلّ على رفضهن للتحرش
بل كان لهما ثلاثة أرباع الخاطر كما يقال, وإلا فما الذي منعهما من الهرب إلى
الشارع والاستنجاد بأي أحد؟
الحقيقة أن هذا السؤال طرحه عليّ زميل مثقف وناضج
عمراً وفكراً عندما شاهدت الفيلم في كاميرا هاتفه
المحمول: لماذا لم تهرب الفتاتان أو تسرعان في السير؟
وكان جوابي أن المجتمع يربي الفتاة على السلبية
الكاملة فلا تعلم كيف تتصرف في موقف كهذا الموقف,
ووافقتني إحدى زميلاتي وأخبرتني أن ابنتها التي أنهت
الثانوية العامة تعرَّضت لموقف أبسط بكثير حين تركها
والدها في السيارة ليشتري شيئاً ما, وأثناء ذلك فتح
أحد الشبان باب السيارة ورمى للفتاة ببطاقته التي تحوي
أرقام هواتفه, وعندما عاد الأب وجد ابنته في حالة
يُرثى لها من الفزع والهلع.
عدت بدوري إلى كمبيوتري المحمول بعد أن نقلت إليه فيلم
التحرش؛ وكي أدرسه وأفهمه كان لا بدّ لي أن أراه ثلاث
مرات, وبما أن ذلك كان قبل أن آوي إلى فراشي, فقد
عانيت ثلاث ساعات من الأرق مع أني ممن لا يعرفونه بفضل
الله, وذلك لأن الفيلم كان مؤثّراً سواء بالمشاهدة أو
بالسماع, فالحركات التي نفَّذها الشبان بالفتيات في
منتهى الحقارة, ومنها حماس أحدهم وركضه باتجاه إحدى
الفتيات مشمِّرا ثوبه رافعاً إياه بيده ومتحرشاً بها
باليد الأخرى مما يُذكّر بالحركة التي يفعلها لابس
الثوب عندما يتحمّس لركل الكرة بقدمه, والشيء نفسه
ينطبق على الكلمات التي استعملها أحدهم ليشجّع صديقه
على فعل التحرش السافل والتي تُذكِّر بالكلمات التي
يستخدمها أحدهم ليشجّع صديقه على ركل الكرة: شوطها ..
شوطها.. شوطها, ومن رأى الفيلم يفهم ما أقصد والتلميح
يغني عن التصريح.
المنظر قاس جداً على النفس لكن لا بد من تحليله, وقد
بدا لي مع تكرار رؤية الفيلم أن تصرفات الشبان تشي
بمفهومهم المشترك عن الأنثى وأنه لا يتعدّى كونها كرة
يركلها وفريسة ينهشها, ومن جهة الفتاتين فقد بدتا
مستسلمتين أكثر من كونهما سلبيتين, خاصة مع بطئهما في
السير ومع جلوس إحداهما على الرصيف العالي رغم كل ما
جرى لها ورفيقتها؛ ويمكننا أن نحسن الظن بهما بأن
تصرفهما لم يكن استسلاماً بل كان ناجماً عن وقع
المفاجأة؛ ولكن قد يُرَدّ حسن الظن هذا باعتراف أحد
الشبان أثناء التحقيق أن المشهد حصل في بداية النفق,
وبسبب سير الفتاتين البطيء تجرأ الشبان على تكراره في
نهاية النفق ليوثّقوه وينشروه كمادة دسمة في منتديات
الانترنت.
من الكلمات الواردة في التحرش قول أحد الشبان بانهماك
لإحدى الفتيات: "يا مصرية ..... " مع أن لهجة الفتاة
تدلّ على أنها سعودية, وسؤال شاب آخر للفتاة الأخرى:
الأخت سودانية؟ وإذا كانت جملة الشاب الأول توضّح
نظرته الخاطئة والتعميمية لكل المصريات, فإن جملة
الشاب الآخر تدخل ضمن المضحك المبكي, لأن من يريد أن
يتحرّش بواحدة لا يناديها بلقب "الأخت" الذي يدلّ على
الاحترام, وربما كان هذا الشاب مبتدئاً في مدرسة
التحرش؛ وقد يكون لهذه الكلمات:(مصرية.. سودانية)
مدلول سيء يعم كلّ المقيمات لا المصريات فقط, خاصة وأن
المقيمات ليس وراءهن قبيلة تحميهن, ويؤكد هذا الاتجاه
الخبرُ الذي نشرته الوطن عن تعرّض عدة مقيمات إلى سرقة
مجوهراتهن واغتصابهن في حي واحد بمدينة الدمام؛ وإذا
عدنا إلى فيلم التحرش فيمكننا ربطه بما صوّره لنا رسام
الكاريكاتير في الصفحة الأخيرة لأحد أعداد "الوطن" من
نظرة الفتاة للشاب أنه ذئب ونظرته لها أنها دجاجة,
ولكن ربما كان من الصعب على الرسام أن يصوّر لنا نظرة
الشاب عن نفسه, ونظرة الفتاة عن نفسها, وهنا بيت
القصيد في المقالة: هل أساليب التربية لدينا تعتني
بتنشئة الطفل والمراهق على تقييم صحيح لنفسه وتقييم
صحيح للجنس الآخر؟
مع وجود استثناءات من القاعدة فإن الجواب العام على
هذا السؤال: لا بالتأكيد, والتقييم الإيجابي للنفس
يساهم في تكوين احترام الفرد لنفسه وتكريس المراقبة
الذاتية حتى لو غابت العين الاجتماعية, فهل هذا موجود
لدينا في أساليبنا التربوية؟
الحقّ يقال أن الأنماط التربوية الحالية تؤدي إلى
تقييم الناشئ لذاته بشكل خاطئ, فأساليب النقد والسخرية
من القدرات, واعتماد المقارنات بين الأطفال في الذكاء
والجمال, وتفضيل بعضهم على بعض, وخيبة الأمل التي
يعانيها الأطفال من أحد الأبوين أو كلاهما والتي
تستبدل الثناء والتشجيع باللوم والتقريع, أو التدليل
الزائد وعدم الحزم, واختلال توازن الطفل بين الرسائل
المزدوجة التي تصله من الكبار في العائلة, وغير ذلك
كثير مما لا يمكن إحصاؤه في مقالة غير بحثية.
أما عن الرقابة الذاتية فقد نعمل على ترسيخها في نفس
الطفل لكن بشكل منفِّر ومعسِّر ورهيب, عبر التخويف من
عذاب القبر وعذاب الآخرة وتحريم أبسط متع الحياة
ومباهجها, وليس عبر تحبيب الخالق لمخلوقه الصغير,
وبدلاً من أن نحثّه على الطاعة لأن الله يستحق منا شكر
نعمه نخوّفه من المعاصي التي قد لا يستوعبها عقله
البريء, وقد نفتح عينيه على ما لا يناسب عمره ووعيه,
وقد نسيء فهم تصرفاته الطفولية ونزنها بميزان نفوسنا
التي تلطّخت بغرائزنا التي لا يدري كنهها بعدُ,
وكثيراً ما تكون ردود أفعالنا على تصرف بَدَر منه غير
متناسبة مع ذلك التصرف, دون أن يدرك أحدنا كم تؤثّر
ارتكاساتنا في تكوين نفسية أطفالنا وبناء شخصياتهم
وثقتهم بأنفسهم.
كل هذه الأخطاء التربوية موجودة في المجتمعات العربية,
ولكن ما يشكّل خصوصية للمجتمعات الخليجية - بشكل عام -
هو أن مهمة التربية تقوم بها الخادمة في البيت أو
السائق في الشارع؛ إضافة إلى ميزة تكاد تختص بالمجتمع
السعودي وهي وجود فجوة هائلة بين الواقع المعاش وبين
الواقع المرئي في الفضائيات - وعلى الانترنت - إذ يعيش
غالبية الشبان والشابات بين كبت ومنع وحرمان على أرض
الواقع إلى درجة منع الشاب العازب من دخول الأسواق
والحدائق بمفرده أو بصحبة أصدقائه, لأنه ليس أهلا
للثقة بالمنظور العام, فهو ليس أكثر من صياد جاء يبحث
عن طريدة؛ وإلى الحد الذي لا تستطيع معه الفتاة - حتى
البالغة الراشدة - مغادرة عتبة منزلها وحدها حتى لو
كان إلى بقالة على بعد أمتار, ناهيك عن أنها لا ترى
غير محارمها أمام عينيها ولذا فهي لا تحسن التصرف مع
غيرهم سوى بالنفور أو بالخضوع, وكلاهما سلبية مفرطة؛
أما ما يراه الشباب والشابات في الفضائيات فحدِّث ولا
حرج عن مشاهد الغرام ومسلسلات الشوق والأحلام, ولا يجد
بعض المشايخ الحلّ إلا بمنع التلفاز من دخول البيوت,
والغريب أنهم يظهرون في التلفاز ثم يحرِّمون ما
يستخدمون!
حتى القنوات الجادة لم تعد تخلو من إيحاءات مخلّة
بالأخلاق, ويكفي إعلانات العقاقير الجنسية والعطور
وغيرها, بل حتى نشرات الأخبار لم يعد لها معنى إذا لم
تُطعّم بأخبار "روبي" التي رأيتها لأول مرة عندما ختمت
قناة محترمة فقرتها الإخبارية بفيديو كليب مبتذل بحجة
التنويع وتخفيف وقع الأخبار السيئة على المشاهد؛ وقد
يخرج علينا أحد الغيورين مقترحاً وجود الحل في قنوات
المجد وأخواتها بعد أن غاب عنه أن قنوات كهذه تؤطّر
حياتنا بشكل أيديولوجي يخلو من الجمال الحسي والمعنوي
والتنوع المطلوب للحياة, هذا إذا لم تسبب بعض التخلف
في عقول أطفالنا نتيجة بعض المشاهد السخيفة التي
يظنّها مخرج مسلسل "إقبال" وأمثاله في قمة الإضحاك
والتهريج.
إذا كنت قد أشرت في أكثر من مقالة إلى قصور مناهج
التعليم عن تكوين نظرة منصفة باتجاه الأنثى, فإن الخلل
يمتد إلى كثير من الفتاوى التي لم تترك شيئاً إلا
وحرّمته, حتى لبس بنطال الجينز للمرأة أمام زوجها,
والمشكلة أن مصدر الفتوى لم يعد مقتصراً على شيوخ
التلفاز وفقهاء الفضائيات, بل كلٌّ يفتي ويحرّم أكثر
بكثير مما يحلّل, فهذه معلمة تنبّه تلميذات المرحلة
الابتدائية ألا تلبس إحداهن فستاناً بدون أكمام أمام
أبيها كي لا يشتهيها, وذاك معلم يحرّم مسلسل "طاش ما
طاش" على تلاميذه, وثالثة تقترح تشديد قبضة رجال
الهيئة على بوابات الأسواق وفي كل مكان, ومع احترامنا
لجهودهم المبذولة وإقرارنا بأهمية وجود الرقباء
الاجتماعيين, لكنهم ليسوا الله ليطلّعوا على الضمائر,
وإذا فُقدت التقوى وهي الضمير الذاتي والرقيب الذي لا
بديل للمسلم عنه, فإن مزيداً من الرقابة الاجتماعية لا
يعني إلا المزيد من الخلل والمزيد من العتمة.
الوطن السعودية
24/10/2005 |