|
بعد حصوله على الشهادة الثانوية بمعدل يتجاوز 86% بقليل قرر (سالم) أن يدرس في كلية
العلوم قسم الأحياء ليتمكن - إن تفوّق في السنة الأولى- أن يتحول لدراسة الفرع الذي
يرغب به وهو الهندسة, ولكن المفاجأة الكبرى كانت في قاعات الحرم الجامعي حيث اكتشف
(سالم) أن المواد العلمية كلها تدرس باللغة الإنكليزية, وكان عليه أن ينتبه للأستاذ
بكلّيته ليستطيع أن يفهم الفكرة الرئيسية من درس الرياضيات, وفي نهاية الدرس طلب
الأستاذ من الطلاب أن يشتروا كتاب الرياضيات
CALCULASمن
المكتبة العلمية, وكانت المفاجأة الأكبر بالنسبة لسالم أن الكتاب يزيد وزنه على كتب
الثانوية العامة مجتمعة تقريبا, ولا يوجد في داخله كلمة واحدة باللغة العربية, فعاد
إلى المنزل على وشك الانهيار لولا أن والدته وعدته أن تساعده ليجتاز هذه المحنة
الأليمة بحكم دراستها السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية.
حالة سالم حالة متكررة بين الشباب والفتيات الذين
يدرسون منهاج التعليم العام, وإنه لأمر غريب ومدعاة
للتساؤل: لماذا يُهمل تدريس اللغة الانكليزية في مراحل
التعليم المختلفة إذا كان كثير من الفروع العلمية في
الجامعة تتطلب دراية فائقة باللغة الانكليزية؟ وأمام
هذا التساؤل لا بد أن يكون لنا عدة وقفات صادقة مع
مناهج التعليم:
منهاج التعليم غير متوازن بين علوم الدنيا وعلوم
الدين, مع أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتوازن بين
الدنيا والآخرة فقال:(وابتغ فيما آتاك الله الدار
الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا), ونتيجة غلبة المواد
الدينية من فقه وحديث وتوحيد وغيرها على المنهاج
العام, فإن المواد الأخرى تكون ضحلة إذ لا تكفي الحصص
المتبقية لتعليم الطلاب تعليما متناسبا مع العصر, ولا
بأس من أن نستصحب المعلومة الهامة التي أوردها الدكتور
علي سعد الموسى في عموده اليومي حول مناهج التعليم
السعودية لمادتي الرياضيات والعلوم وكيف أنهما حصلتا
على الدرجة الثالثة من الآخر بعد الصومال وجيبوتي؛ وقد
جربت شيئا من هذا بنفسي عندما طلبت مني جارتي أن أساعد
ابنتها في الصف الثالث الإعدادي في درس الجذر التربيعي,
فحاولت أن أشرح طريقة الكتاب للفتاة فلم تفهمها خاصة
أنها كطريقة الذي يريد أن يشير إلى أذنه اليمنى فيمد
يده اليسرى أمام صدره ليمسك بها, وعندها شرحت لها كيف
تحصل على الجذر التربيعي بطريقة أفقية وبطريقة عمودية,
ولكن المعلمة لم تعجبها أي طريقة إلا طريقة الكتاب
التي لم تستطع هي نفسها أن توصل كيفيتها للطالبة.
ثم إن المواد الدينية لم توضع بطريقة يتقبلها عقل
الطالب وتستهوي قلبه, فطالب المرحلة الابتدائية الأولى
يجب أن تُقدم إليه المعلومة الدينية بطريقة مختلفة عن
المرحلة الابتدائية الأخيرة, على سبيل المثال أذكر
درساً عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصف الأول
بعنوان (اعرف نبيك) وليس فيه عن النبي سوى نسبه
الشريف, وكان الأفضل أن تحكى للتلميذ الصغير السيرة
النبوية بشكل قصص تتناسب مع نموه العقلي, وفي كتاب
التوحيد للصف الرابع يوجد
درس توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية, وهذه المفاهيم لا
تتفق مع الإيمان الفطري الذي لقّنه الرسول عليه الصلاة
والسلام لأصحابه, وعندما سأل جارية صغيرة: أين الله؟
قالت: هو في السماء, فقال: هي مؤمنة, وطلب من صاحبها
الذي لطمها أن يعتقها؛ وأما علوم الكلام فلم تنشأ إلا
في العهد العباسي وكان لها مبرراتها التاريخية
والسياسية؛ فإدخال المفاهيم المجردة لعقل الطفل يجب أن
يترافق مع القصص, أو على الأقل أن تبسَّط هذه المفاهيم
لدرجة لا يشعر معها التلميذ أنه يحفظ ما لا يفهم, وإلا
فإن هذه الطريقة في حشو عقل الطالب فيها من العنف ما
فيها ولها آثارها السيئة مستقبلا؛ ناهيك عن أن المنهج
الديني غني بالتوحيد والفقه لكنه فقير على المستويين
الاجتماعي والإنساني, وإذا اعتنى بالناحية الاجتماعية
فإن أهم ما يلحّ عليه هذا المنهج هو حجاب المرأة, ومن
أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليرجع إلى مقالة
الكاتب محمد بن علي المحمود في صحيفة الرياض ليوم
الخميس الماضي بعنوان "من حديث المناهج: المرأة
والحجاب" فقد أوضح الكاتب أن واضع المنهج ألغى كل رأي
مخالف في حجاب المرأة وأصر على رأي واحد في عدة دروس
سواء في الصف الثاني الثانوي أو الثالث الثانوي, وحرّم
مشاركتها الاجتماعية بأي شكل من الأشكال, ولا يمكن لأي
أحد أن يطلع على هذه الأفكار التي تقدَّم لأبنائنا
بمسوَّغ شرعي ثم يقرأ عن السعي الحثيث للدولة لتمكين
المرأة من حقوقها وإشراكها في الحياة العامة وعلى جميع
الصعد وعلى أعلى مستوى سياسي كما ورد في تصريحات خادم
الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز
لشبكة abc
نيوز بما فيها قيادة المرأة
للسيارة, إلا أن يتساءل عن سر تناقض المنهج التعليمي -
وهو المسؤول الأول عن تكوين العقل الجمعي - وهذه
التصريحات الملكية الكريمة.
أشار الكاتب المحمود بإصبع الاتهام أيضا إلى منهاج
المواد الأدبية, وإن كان لم يورد أي مثال على ذلك,
ولذا فسأكمل هذه المهمة بشاهد من كتاب القراءة للصف
الثالث الإعدادي والذي يحوي اثني عشر درساً مقسمة على
فصلين دراسيين, ولا يوجد فيه أي شيء يخص المرأة إلا
وصية المرأة الأعرابية لابنتها, بأن تكون أمة لزوجها,
والوصية معروفة, ولا شك أنها مناسبة لعصر الجاهلية قبل
أن يأتي الإسلام ويكرم المرأة ويرفعها إلى مستوى مماثل
من الحقوق والواجبات مع الرجل, ففي الحديث الشريف:(إن
لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا), والغريب في الأمر
أن من وضع هذا الكتاب هن أربع نساء تحت مسمى
"المؤلفات", مع أنهن لم يؤلفن شيئاً وكان يتوجّب عليهن
من باب الإنصاف أن ينسبن أنفسهن إلى الجمع والإعداد لا
إلى الوضع والتأليف, كما كان الأحرى بهن أن يأتين
بأمثلة عن النساء في صدر الإسلام, حيث وصلت النساء إلى
مرتبة لم تحلم بها هذه الأعرابية يوما ما, والكتاب
طبعة جديدة وملونة, ولكن ماذا يفعل التجميل والتلوين
أمام أفكار أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تصلح لزمن
طغت فيه حقوق الإنسان والمرأة خاصة على كل شيء آخر؟
وهكذا فقد غاب عن واضعي المنهجين الديني والأدبي
الأبعاد الأخلاقية والقيمية التي يجب أن نربي عليها
أولادنا, وبالطبع فليست المناهج التعليمية هي المتهمة
الأولى, لأن بذرة التربية الأولى تكون في تربة الأسرة,
ولكن على الأقل فإن مهمة المدرسة وبخاصة مناهج التعليم
أن تسد الخلل الكامن في التربية على صعيد الأسرة.
إن المشكلات الناجمة عن الانحرافات الخلقية موجودة منذ
الأزل, لكن من الواضح أنها في ازدياد وحدّة لم يسبق
لهما مثيل, وقد ذكرت في كتابي (ألف باء الحب والجنس)
الصادر ضمن سلسلة (ما لا نعلمه لأولادنا) أمثلة كثيرة
عن التحرش الجنسي بالناشئين وآثاره عليهم في المدى
القريب والبعيد؛ ومن المعلوم أن ضحايا التحرش هم من
الجنسين وإن كان للإناث النصيب الأكبر, لكن لم يخطر لي
على بال أن المتحرّش يمكن أن يصل إلى حد ثوثيق جريمته
والتباهي بها, ولا يخفى أني أقصد حادثة التحرش
بالفتيات في جسر نفق النهضة بمدينة الرياض - وقبلها
حادثة جوال الباندا- ورغم أني رأيت الكثير في حياتي
فإن مشاهدة الفيلم بكامله أصابتني بصدمة كبيرة, إذ لم
يخيل لي أن تحدث مثل هذه الجريمة في مجتمع محافظ تسير
فيه الفتاة والمرأة دون أن يبدو منهما شيء.
إن دلالات هذا الفعل البشع يجب ألا تغيب عن التربويين
والأخصائيين الاجتماعيين فهذه الحادثة تدق ناقوس الخطر
أن شجرة المجتمع المتدين التي تبدو وارفة الظلال قد
نخرها السوس في أعماقها ووصل إلى جذورها وقد تخر ساقطة
في أي وقت مما ينذر بانفلات أمني خطير فلا يأمن الرجل
أن يسير مع زوجته وبناته, خشية أن يتعرض لهم أحد
السفلة فيضطر في معرض دفاعه عن عرضه إلى جريمة لا
يستطيع فيها أن يثبت إن كان هو الضحية أم المجرم كما
حصل في جرائم مشابهة سابقة. ولو أن حادثة مخلة
بالأعراف السائدة حصلت في أحد البلاد المتقدمة لقامت
الدنيا ولم تقعد فيه بحثا عن السبب, وأغلبنا يذكر
الجريمة التي قام بها اثنين من طلاب المرحلة الثانوية
في إحدى مدارس الولايات المتحدة الأمريكية إبان ولاية
الرئيس السابق بيل كلينتون, حيث قُتل على أيديهما بعض
الطلاب والمعلمين, وشعر المجتمع الأمريكي أن شيئاً ما
يتهدد أمنه من الداخل, ونظر بعين الشك إلى كل ما
يتلقاه الناشئون من تعليم وتثقيف عبر المدارس ووسائل
الإعلام, وكان أهم ما تعرض للتغيير والتجديد هي مناهج
التعليم, ولم تراوغ أمريكا نفسها بالاعتراف بأخطائها
وبقصور مناهجها التعليمية, فهل نعترف نحن يوما بهذا
القصور؟ هل نطلب من المخلصين أن يبحثوا عن العوامل
الأسرية والاجتماعية المؤهبة لتلك الجريمة؟ هل نغضب
إذا صارحنا بعضهم بأن الخطأ يكمن في أساليب التربية
ومناهج التعليم التي تنظر للمرأة على أنها ضعيفة
وفاسدة ومفسدة ولا يتحقق خلاصها من نفسها إلا بالسلبية
وبالطاعة العمياء للرجل؟
الوطن السعودية
17/10/2005 |