|
من أسف أني سأعيد شيئاً مما كنت قد كتبته حول المرأة في صحيفة الوطن لمدة سنة
كاملة, والسبب ليس حادثة تحرش بعض الشباب بالنساء المارات, فهو أمر منكر, لكن
المنكر الأكبر أن تُسمع بعض الأصوات التي تتلفّع بالدين فتُلقي بالتهمة كلها على
النساء, وكأن الرجل قد خلقه الله مبرّأً من كل عيب, وكأنه ملاك من الملائكة تحوّله
المرأة إلى شيطان بمجرد أن يراها في الطريق حتى لو كانت متسربلة بالسواد من قمة
رأسها إلى أخمص قدميها, فيسارع إلى التحرش بها ويعاكسها بأشد الكلمات سفالة ويمسك
بها ويجذبها إليه ماداً يده إلى الأعضاء السفلية من جسدها كما رأينا في الصور,
وأرجو ألا تحذف الرقابة هذه الكلمات الأخيرة فالجميع رأى ومن لم ير فعليه أن يفتح
عينيه ليقرأ إلا إذا أراد أن يستنّ بالنعامة ويغمض عينيه ويقول: يلعن أبو الحريم.
وهذه الجملة الأخيرة سمعتها عندما كان عمري أربع سنوات
من (الحاجّة قصيرة) حين حلّ ضيفاً على والدي رحمه
الله, وكان أهل الحي يلقبونه (الحاجّة قصيرة) لأنه
خنثى, ومع ذلك يعتبرون وجوده في بيت أحدهم بركة على
أهل البيت, وبما أنه ليس ذكراً فقد سمح والدي لوالدتي
أن تدخل لتسلم عليه, فدخلت والدتي على استحياء ومدّت
يدها لتصافحه, وهي التي لم تصافح رجلاً غير محارمها,
فقال لها الحاجّة قصيرة بصوته المحشرج: اذهبي عني,
يلعن أبو الحريم!
لم أدرك في ذلك العمر لماذا غضب الحاجة قصيرة من أمي
رحمها الله, ولكن حزّ في نفسي أن تخرج بذلك الشكل
المخزي وهي أحب خلق الله لي, ودفعني فضولي إلى معرفة
السبب ففهمت أن (الحاجّة قصيرة) لديه عقدة من النساء
لأنه ليس ذكرا كاملا؛ ومنذ ذلك اليوم تكوّنت في داخلي
نظرة دونية تجاه كل ذكر لا يعرف كيف يعامل "الحريم"؛
فعندما ينسب الذكر أخطاءه إلى المرأة كي يخفي قصوره
الجسدي أو علّته النفسية أو أي خطأ فيه, فلا بد أن نشك
في رجولته, وهكذا الحال بالنسبة لمن أرجع جُرم شبان
جسر النهضة إلى المرأة فقط, فتساءل عن سير الفتاتين
لوحدهما في تلك المنطقة, وشكّ في حجابهما رغم أن الصور
تبدي لكل ذي عينين أنه لم يبدُ منهما إلا السواد, وعزا
فعلهما إلى التبرج, مع أن التبرج هو
التبختر والتكسّر والتغنج, وجاء في
تفسير الطبري
أنه فعل بعض النساء في الجاهلية إذ يلبسن الدرع غير
مخيط الجانبين فنهاهن الله عن ذلك.
التعليق اللائم للمرأة وحدها أعاد إلى ذاكرتي أيضا ما
حصل معي عندما كنت في الرياض إذ كنت أعبر الشارع ممسكة
بيد طفلي ذي السنوات الأربع والذي كنت أصحبه أحياناً
معي إلى المستوصف الذي أعمل به ولا يفصله عن منزلي سوى
بضعة أمتار, فما إن دخلت بيتي حتى سمعت قرعاً على
الباب؛ فنظرت فإذا بذكرٍ في وجهه شعر - المتحرّش
بالفتيات في جسر النهضة كان في وجهه شعر فاللحية علامة
الذكورة وليس الرجولة- فسألته دون أن أفتح الباب: من
تريد؟ فقال بصوت غاضب: أرسلي لي صاحب البيت ليكلّمني,
فقلت له: صاحب البيت غير موجود فماذا تريد؟ فقال بصوت
يعلوه الغضب: أقول لك أرسلي لي صاحب البيت أحسن لك!
فاستنتجت أن هذا الذكر ممن يتعقّبون النساء ليثبتوا
رجولتهم المزعومة من خلال تطبيق الشرع المشوّه على
أيديهم, ففتحت الباب وشرعت صوتي على آخره: ماذا تريد
من صاحب البيت؟ أنا صاحبة البيت! أنا الدكتورة فلانة
وذلك هو المستوصف الذي أعمل به, فماذا تريد؟ لم يتوقّع
ذلك الذكر فيما يبدو أن ترفع "حرمة" صوتها عليه,
فانزوى على أجزائه وهو يقول بصوت خفيض: سامحك الله يا
أختي, أنا فقط أريد صاحب البيت؛ فأجبته: صاحب البيت
يأتي مساء وعليك ألا تطرق أبواب الناس وقت الظهيرة
عندما لا يكون سوى النساء في البيوت! وأغلقت الباب في
وجهه.
حادثة أخرى حصلت أيضاً في نفس الفترة, لكن مع طبيبة
أسنان عربية تعمل في نفس المستوصف وكانت تغطي وجهها
بنقاب سميك, خرجت لتتصل بأهلها من كابينة الهاتف
القريبة, فما إن وصلت إلى الكابينة حتى صرخ فيها أحد
الذكور: احتشمي يا حرمة لا يجوز لبس البرقع؛ فعادت إلى
المستوصف تجرّ أذيال خيبتها, وتسألني: أنا أغطي وجهي
فماذا يريد ذلك الرجل أكثر من ذلك؟ قلت لها: لا تهتمي,
أنت عورة في نظره حتى لو لبست برقعاً ونقاباً وستارة,
وليس لك أن تخرجي من بيتك, أما أن تعالجي أسرته لتعيلي
أسرتك, فهذا كله حرام في حرام!
أما الحادثة الثالثة في نفس الزمان والمكان فكانت
عندما خرجت في سيارة الإسعاف مع ممرضة منقبة لتساعدني
في نقل امرأة جاءها المخاض في المستوصف لأقوم بتوليدها
في المستشفى, فلما وقفت سيارتنا عند إشارة ضوئية قالت
لي: انظري إلى ذلك الأهبل! يمد يده من السيارة بورقة
خمسمائة ريال؛ نظرت ورأيت لكني لم أفهم مغزى ذلك
العمل, فشرحت لي أن سعر الـ..... الواحدة لمدة ليلة
واحدة هي خمسمائة ريال.
إذن بعض الذكور لا يرى في المرأة إلا شيئاً يجب تغطيته
لمنع أي أحد من رؤيته, بينما يرى بعضهم الآخر أنها
سلعة ثمنها لا يتجاوز خمسمائة ريال, وربما ارتفع حاليا
مع زيادة الأسعار, لكنها على كل حال إما شيء أو سلعة,
وهذا الانحراف في النظرة إلى المرأة موجود في كل
البلاد العربية, ولكنّ ما هو غير موجود أن تؤطَّر تلك
النظرة بمفاهيم دينية ضيقة والدين منها براء.
ذكرت الكاتبة إيمان القويفلي في مقالتها يوم الخميس
الماضي أنها كانت تظن أن مجتمعها يظلمها وأن دينها
يحميها, واكتشفتْ أن ظنها قد خاب, ولا أدري إن كان قد
فاتها أن الدين لا يمثّله رجل دين واحد كان الأجدر به
أن لا يخرج بفتوى منفردة, ولا أدري إن كان الخطأ خطؤه
أم خطأ رجال الدين الذي لا يسمعون بعضهم بعضا, فكيف
يريدون للناس الأقل علماً أن يسمعوهم؟ ولقد تحدّث
الشيخ العبيكان لبعض الصحف وطلب أقصى العقوبات لأولئك
الشباب الذين لم يكتفوا بفعلتهم الشنيعة بل وثّقوها
بالبلوتوث ونشروها في المنتديات على الانترنت, ومع
الاحترام للشيخ العبيكان لكني لا أؤيده في ما ذهب
إليه, لأن هؤلاء الشباب هم نتاج ثقافة تنظر إلى المرأة
على أنها إما سلعة أو شيء, وفي التسليع يأتي دور
الإعلام الفاضح في المقدمة ثم دور الأولياء في رفع
المهر, أما ثقافة "التشييئ" فنجد جذورها في التربية
الأسرية وفي مناهج التعليم وفي فتاوى المنسوبين إلى
العلم الشرعي وربما تستمد بقاءها من بعض الأحاديث
الْمُشكلة, مثل الحديث الذي أخرجه البخاري
عن القاسم عن عائشة رضي الله
عنها قالت:(بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار, لقد رأيتني
ورسول الله عليه الصلاة والسلام يصلي وأنا مضطجعة بينه
وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما),
وكان ذلك بسبب سماعها من يحدّث:(يقطع الصلاة: الكلب
والحمار والمرأة), والحديثان موجودان في البخاري,
وكذلك
حديث: إن رجلين دخلا
على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله عليه
الصلاة والسلام كان يقول
إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار,
فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض – أي من شدة
الغضب - فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما
هكذا كان يقول, ولكن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان
يقول:(كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة
والدار والدابة) ثم قرأت عائشة:(ما
أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من
قبل أن نبرأها).
أما من يرى أن من واجب المرأة أن تقبع في بيتها وأن
الرجل قوّام عليها ويجب أن يمنعها من الخروج ومن رؤية
الرجال, فينبغي تذكيره بابنتي شعيب عليه السلام
وخروجهما للرعي وقصة سارة زوجة إبراهيم عليها السلام
وخدمتها لضيوفه, وخروج المرأة في العهد النبوي للعمل
في التجارة (أم قيلة الأنمارية) وخروجها حتى في العدّة
لتجذ نخلها (خالة جابر بن عبد الله) وخصّص البخاري
"باب النجار" ورد فيه حديثان عن امرأة لديها غلام نجار
صنعت للنبي عليه الصلاة والسلام منبراً, وباب "قيام
المرأة على الرجال بالعرس وخدمتهم بالنفس"؛ وأبواب عن
جهاد النساء مع الرجال وغير ذلك كثير, ويستنتج منها
كلها أنه حتى الزوج وهو القوّام الوحيد على المرأة لا
يجوز له أن يمنعها من الخروج إذا استأذنته لعبادة
جماعية أو لفعل معروف أو لصلة رحم أو لأي غرض مباح,
وذلك عملاً بالحديث الذي أخرجه البخاري عن سالم بن عبد
اللهِ عن أبيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:((إذا
استأْذَنتِ امرأةُ أحدِكم فلا يمنعْها))
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدمَ رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ
وبلال, قالت: فدخَلْتُ عليهما فقلتُ:(يا أبتِ كيف
تَجِدُك؟ ويا بلالُ كيفَ تجدُك؟) وقد صنفه البخاري في
باب "عيادة النساء للرجال"؛
وعادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الأنصار,
وأم الدرداء هذه زوجة أبي
الدرداء عويمر, والمسجد مسجد المدينة, ونحسب أن
الخروج لأداء واجب اجتماعي أو القيام بفعل خيري, إن
خلصت النية لله وروعيت الضوابط الشرعية لذلك الخروج,
هو من أقرب القربات إليه سبحانه لأن فيه تواصل
المسلمين وقضاء حاجاتهم.
الوطن السعودية
10/10/2005 |