الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) قراءة في مدونة الأسرة المغربية
 
 
 

في مقالتي السابقة ذكرت أهمية وضع قانون للأحوال الشخصية في المملكة يصدر عن الشريعة الإسلامية الغراء, على غرار ما قامت به الدول العربية الأخرى منذ فترة طويلة, وإن كانت بعض هذه الدول قد تجاوزت الشريعة في بعض البنود, وقد ضربت المثل في مقالتي "عندما يصبح الميثاق الغليظ مجرد ورقة" تاريخ 5/9/2005 بتحريم تعدد الزوجات وذكرت أن السبب يعود إلى عاملين اثنين: عامل خارجي وعامل ذاتي, وبما أن العامل الذاتي هو الأهم في مناعة الجسد الواحد سواء كان فردا أو أسرة أو مجتمعا, فلا بأس من التركيز عليه مرة أخرى, وهو يتمثل بتخلي الرجل عن العدل بين الزوجات, وقد يترك الزوجة لا معلقة ولا مطلقة من أجل عيون زوجة جديدة, وكثيرا ما تكون الزوجة القديمة قد تحمّلت شظف العيش معه ووضعت معه القرش على القرش لشراء منزل أو لتربية الأطفال وتدريسهم ولم تفكر يوما من الأيام أن تفرِّق بين مالها ومال زوجها ولم يخطر على بالها أنّ زوجها سيحضر لها مكافأة نهاية الخدمة بعد كبر سنها, ضرة في نفس البيت وقد يخرجها من البيت بأية حيلة ويسكن الجديدة فيه أو يؤجر للقديمة شقة نصف عمر ويمنح الجديدة البيت الجديد, وقد يطلِّق القديمة ويتركها بدون نفقة تستجدي القريب والبعيد لتعول أطفالها, إلى غير ذلك من الأمور التي حرّمها الله سبحانه بقوله في الحديث القدسي:(إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا), وحرمها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:(إني أحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة).

تشجع ثقافة المجتمعات العربية الرجل على ظلم المرأة, وقد أوضحت في أكثر من مقالة أن الثقافة شيء والدين شيء آخر, وقد اختلطت ثقافة مجتمعاتنا بأمور هي بعيدة كل البعد عن شرع الله الذي يراعي المصلحة العامة ولا يحابي فردا على حساب فرد, أما التشجيع على الظلم فيكون بتنشئة الولد على أنه يحق له كل شيء بينما لا يحق للبنت أي شيء, وكثيرا ما تمنع الفتاة من حقها في اختيار الزوج, وقد يعضلها ولي أمرها من الزواج, كما أن العبارة القرآنية:(للذكر مثل حظ الأنثيين) قد انسحبت على كثير من أمور حياتنا مع أن المقصود منها ليس إلا الاختلاف في ميراث الذكر عن أخته, وقد تصل حدة هذا الاختلاف في بعض البيئات إلى إنكار كل حق للمرأة حتى ميراثها الشرعي, وقد يقوم الوالد بتقسيم ماله بين أولاده الذكور قبل موته ويحرم بناته منه كي لا يذهب ماله للغريب, والمقصود بالغريب زوج البنت وأولادها, وهذا الظلم قد يدفع البنت إلى قطع الرحم وعدم زيارة والديها والامتناع عن صلة إخوتها, ولذلك فقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على العدل بين الأولاد والبنات في العطية بل لقد روي عن ابن عباس مرفوعاً:(سوّوا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء).

هذا الظلم الواقع على المرأة في البلاد العربية دفع بعض المشرعين فيها إلى تعديل قوانين الأحوال الشخصية لتحفظ حقوق المرأة, وقد اطلعت مؤخرا على مدونة الأسرة في المغرب التي أثارت ضجة كبيرة إبان صدورها نتيجة لتحديث بعض البنود مما قد يُرى فيه تجاوز للشريعة؛ لكن - والحق يقال إن المدونة تقدمية إلى حد كبير, إذ تعتمد على المذهب المالكي وهو السائد في بلاد المغرب العربي, ومن المعلوم أن الإمام مالك رحمه الله أقرب أئمة المذاهب للعهدين النبوي والراشدي, لذلك فإن مذهبه أيسر المذاهب وأصلحها فيما له علاقة بقضايا المرأة والأسرة.

يتألف النص الكامل للمدونة من 100 صفحة تحوي بنودا في منتهى الدقة والحذاقة والترتيب فمن باب تمهيدي يحوي أحكاما عامة إلى الكتاب الأول عن الزواج حيث يبدأ بالخطبة والأهلية والولاية والصداق ثم موانع الزواج المؤبدة والمؤقتة ثم الشروط الإرادية لعقد الزواج وآثارها ثم أنواع الزواج بين الصحيح والباطل أو الفاسد وما يترتب على كل منها, وأخيرا الإجراءات الإدارية والشكلية لإبرام عقد الزواج؛ أما الكتاب الثاني فيدور حول انحلال ميثاق الزوجية ويشمل: الوفاة والفسخ والطلاق والتطليق والطلاق بالاتفاق أو بالخلع كما يأتي على آثار هذا الانحلال والتي تشمل العدة سواء كانت عدة الوفاة أو الطلاق أو عدة الحامل ثم إجراءات ومضمون الإشهاد على الطلاق؛ ويضم الكتاب الثالث بنودا حول الولادة من بنوة ونسب وحضانة ومستحقوها وشروط استحقاق الحضانة وأسباب سقوطها وزيارة المحضون, ثم أحكام النفقة سواء للأقارب أو للزوجة أو للأولاد؛ ويشمل الكتاب الرابع بنودا حول الأهلية وأسباب الحجر وكذلك حول النيابة الشرعية ومسؤوليات النائب الشرعي كالولي والوصي ودور الرقابة القضائية؛ وأما الكتاب الخامس فهو عن الوصية من حيث شروطها وإجراءات تنفيذها؛ ويأتي الكتاب السادس ليتضمن أحكام الميراث من حيث أسبابه وشروطه وموانعه وطرائق الإرث وأصحاب الفروض وغير ذلك من تصفية التركة وقسمتها؛ ويحوي الكتاب السابع أحكاما انتقالية وختامية؛ وأهم ما يلفت الانتباه في المدونة هي ما يلي:

أولا: تبنّي صياغة حديثة بدل المفاهيم التي تمس كرامة وإنسانية المرأة, وجعل مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين وذلك باعتبار (النساء شقائق الرجال في الأحكام).

ثانيا: جعل الولاية حقا للمرأة الرشيدة, تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها, اعتمادا على أحد تفاسير الآية الكريمة القاضية بعدم إجبار المرأة على الزواج بغير من ارتضته بالمعروف:((ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)) وللمرأة بمحض إرادتها أن تفوّض ذلك لأبيها أو لأحد أقربائها.

ثالثا: مساواة المرأة بالرجل بالنسبة لسن الزواج, بتوحيده في ثمان عشرة سنة, مع تخويل القاضي إمكانية تخفيضه في الحالات المبررة, وكذلك مساواة البنت والولد المحضونين في بلوغ سن الخامسة عشرة لاختيار الحاضن.

رابعا: تقييد تعدد الزوجات بتوفير العدل لقول الله تعالى:((فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)) ومن هذا المنطلق فإن القاضي لا يأذن بالتعدد إلا إذا تأكد من إمكانية الزوج في توفير العدل على قدم المساواة مع الزوجة الأولى في جميع جوانب الحياة, وإذا ثبت لديه المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد؛ وللمرأة أن تشترط في العقد على زوجها عدم التزوج عليها باعتبار ذلك حقا لها, وإذا لم يكن هناك شرط وجب استدعاء المرأة الأولى لأخذ موافقتها وإعلامها أن لها حق التطليق للضرر.

خامسا: جعل الطلاق حلا لميثاق الزوجية يمارس من قبل الزوج والزوجة, كل حسب شروطه الشرعية وبمراقبة القضاء, وذلك بتقييد الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق, وبجعل الطلاق بيد المرأة بالتمليك, وفي جميع الحالات يتم التأكد من حصول المرأة على كافة حقوقها قبل الإذن بالطلاق, بحيث لا يتم تسجيل الطلاق قبل دفع المبالغ المستحقة للزوجة والأطفال على الزوج.

سادسا: توسيع حق المرأة في طلب التطليق لإخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج أو للإضرار بالزوجة مثل عدم الإنفاق أو الهجر أو العنف وغيرها من مظاهر الضرر.

سابعا: الحفاظ على حقوق الطفل باعتبار مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تحويلها للأم ثم للأب ثم لأم الأم, مع توفير مسكن لائق للمحضون مع الإسراع بالبت في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد.

ثامنا: حماية حق  الطفل في النسب في حالة عدم توثيق عقد الزوجية لأسباب قاهرة, مع فتح مدة زمنية في خمس سنوات لحل القضايا العالقة في هذا المجال رفعا للمعاناة والحرمان عن الأطفال.

تاسعا: مع الاحتفاظ بقاعدة استقلالية الذمة المالية لكل منهما, تم إقرار مبدأ جواز الاتفاق بين الزوجين في وثيقة مستقلة عن عقد الزوج على وضع إطار لتدبير أموالهما المكتسبة خلال الزواج.

يعتبر بعض الإخوة الإسلاميين جزءا من هذه البنود مخالفاً للشريعة الإسلامية, دون أن يبحثوا في الاختلافات الفقهية بين المذاهب, ودون أن يتطرقوا لمشكلات الأسرة الناجمة عن ظلم الرجل للمرأة, على سبيل المثال لا الحصر: عندما يتعسف ولي أمر المرأة ويزوّجها بغير رغبتها أو يعضلها من حقها في الزواج وما يتبعه من حرمان من حقوق هامة كالأمومة وغيرها, أو عندما يمنع الرجل مطلقته من رؤية أولادها مع أن الحضانة حق لها, كذلك عندما تفقد المرأة كل شيء بالطلاق ولا تجد مأوى لها ولأطفالها إلا الشارع, فما الحل لهذه المشكلات الثلاثة؟

إن ضمان تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة هو تربية الجيل صبيانا وبناتا على متلازمة الحقوق والواجبات, أما عندما يتجاوز ظلم الرجل للمرأة نطاق الأسرة, فتحوي مناهج التعليم - وهي التي يفترض فيها أن تصحّح أخطاء التربية في الأسرة - ما يؤكد على حق الرجل في كل شيء مقابل أن تكون المرأة جارية عند أقدام زوجها, فأين المخرج من هذه الأزمة؟!

الوطن السعودية 3/10/2005

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |