الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) المرأة السعودية بين الجديد وطلب المزيد
 
 
 

حمل الأسبوع الماضي بعض الأخبار ذات العلاقة بالمرأة تفرح القلب وتبهج الخاطر, أولها: اشتراك النساء في الترشيح للغرفة التجارية الصناعية بمدينة جدة, ولكن بعض محتويات الخبر لم تكن مستساغة, إذ ذكرت الصحف تهرّب بعض سيدات الأعمال من ترشيح أنفسهن خشية ما يمكن تسميته بالتهديدات التي تلقّيْنها على البريد الالكتروني أو على الهاتف المحمول, إضافة لانتظار بعضهن لما تسفر عنه الأيام القادمة بمراقبة تجربة الأخريات الشجاعات, ومع ذلك فإن هؤلاء الأخيرات وإن كن أكثر جرأة لكنهن لم يكنّ أقل غيرة حسب تصريح إحداهن, وبما أن الخبر ساق أيضاً استنكار بعضهن لهذا التصريح فلم يعد ممكناً الوثوق بأحد القولين على حساب الآخر؛ ولعلمنا بأن الغيرة قاتلة عندما تكون على الصعيد العام وهي موجودة في النساء والرجال على حد سواء لكنها في النساء أشد وأشرس, لذا لا مانع من التوضيح بأن الغيرة بين الضرائر مقبولة في البيت لأنها على زوج واحد حيث يسمح للمرأة أن تمارس أحيانا شيئا من الحماقة ونقص العقل - مع التأكيد على أحيانا وليس دائما - لتتفنن في إظهار أنوثتها تنافسا على رضا الزوج؛ لكن هذه الغيرة مرفوضة بين سيدات عاقلات واعيات لمشكلاتهن ومشكلات النساء اللواتي يعتبرنهن قدوات لهن, ويأملن فيهن أن يحدثن تغييرا واضحا في أحوال المرأة والمجتمع الذي يعتمد تطوره على الاقتصاد اعتمادا بيِّنا؛ فهؤلاء السيدات إذا عقدن العزم على التعاون والتكتل, يمكنهن أن ينتشلن كثيرا من الفتيات العاطلات عن العمل من أوحال الفقر والحاجة, كما أنهن يستطعن أن يقنعن المرأة التي تملك فائضاً من المال بالاستثمار وتشغيل اليد العاطلة؛ وبالطبع فلا مانع من التنافس الشريف لأنه يساهم في إظهار الأفضل لكن بشرط ألا يأكل السمك الكبير السمك الصغير كما هو مأزق القطاع الخاص حيث أن المستثمر الأغنى كثيرا ما يوجه ضربات قاضية للمستثمر الأقل غنى, وحيث يعصر صاحبُ العمل العاملَ حتى آخر نقطة - كما صوّر ذات مرة أحد رسامي الكاريكاتير في صفحة محليات بصحيفة الشرق الأوسط - وهذا المأزق هو نتاج أكيد للرأسمالية إذا لم تتدخل الدولة لتخفيف الوطأة ودعم مشاريع المستثمرين الصغار وحفظ حقوق العمال.

من الأخبار الجيدة أيضاً اتجاه وزارة الخارجية لتوظيف النساء في البعثات الدبلوماسية الخارجية, ولا ريب أن هذه الخطوة الرائدة مصحوبة باختيار الكفاءات في النساء اللواتي تتناسب ظروفهن مع العمل في السلك الدبلوماسي كما هو حال أي امرأة ترغب أن تشغل منصبا سياسيا, فهذه الأعمال بحاجة إلى تفرغ كامل لذا فإن النساء الأقدر على شغل تلك المناصب هن اللواتي تخلّصن من أعباء الأمومة وتخفّفن من المسؤوليات تجاه الزوج نظرا لتقدمهن في العمر أو لظروف أخرى؛ وفي هذه الخطوة المسؤولة - سواء من غرفة التجارة بجدة أو من وزراة الخارجية - ردّ عملي على من يعارض اشتغال المرأة في السياسة فلا يوجد ما يمنع المرأة من المشاركة السياسية على صعيد الانتخاب والترشيح كما صرّح وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ضمن أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي أقيم بمدينة الرياض في ذي الحجة عام 1425 وقد نقلنا تصريحه في مقالة سابقة؛ وأما من يعارض مشاركة المرأة السياسية من مبدأ القوامة والفارق الطبيعي بين الذكورة والأنوثة, فقد أوضحنا في أكثر من مقالة أن القوامة للزوج على زوجته في الأسرة لا تعني أن يكون الرجال قوامون على النساء في المجتمع, ونضيف هنا: إن العاطفة لدى الأنثى لا تظهر إلا في حالة الأنوثة الكاملة, وهي تضعف نتيجة للوراثة والبيئة بما تحويه من تربية وتثقيف, دون أن تقصد تلك التربية إلى تشويه فطرة المرأة لتصبح كالرجل؛ عدا عن ذلك فإن التقدم في السن عامل مهم في إنقاص العاطفة عند المرأة وغلبة العقل لديها؛ فعلى الأقل يمكن إشراك النساء اللواتي تجاوزن سن الأربعين في العملية السياسية إذا كانت لديهن الرغبة في ذلك والقدرة عليه؛ وعلى هذا فإن مزاولة أي نشاط سياسي لن تستطيعه إلا أقلية ضئيلة من النساء هي التي تكون لديها الكفاءة لذلك, من حيث الاستعداد الفطري والمقدرة العلمية والسن وفراغ الوقت؛ ومن المعلوم أننا إذا تجاوزنا مهمة الخلافة أو رئاسة الدولة أو ما يقوم مقامها فإننا لا نكاد نجد مدخلا لخصوصية الذكورة والأنوثة في الأمر, وما ورد من استثناءات فهي لا تنقض القاعدة العامة, ولا تغير من الوحدة بين الذكر والأنثى والمساواة بينهما فذلك هو الأصل, والإمام ابن حزم يقول:(لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً مستوياً وكان خطاب الله تعالى وخطاب نبيه للرجال والنساء خطابا واحدا لم يجز أن يخص بشيء من ذلك الرجال دون النساء إلا بنص جلي أو بإجماع لأن ذلك تخصيص الظاهر وهذا غير جائز)؛  وقد يحاول بعض طلبة العلم الشرعي أو من ينتسبون إليه عدم إدخال المرأة في الخطاب القرآني أو الديني إلا بقرينة, وأفضل ردّ عليهم هو ما أورده ابن حزم من أن المرأة لا تخرج من ذلك الخطاب إلا بقرينة؛ وبتمكين المرأة من حقوقها يمكنها القيام بواجباتها تجاه المجتمع.

حمل خبر ثالث السماح للشابات بالدراسة في كلية الحقوق, وخبر كهذا يستحق إفراده في صفحة خاصة وإجراء بعض التحقيقات حوله لمعرفة المعوقات والتحديات أمام هؤلاء الفتيات اللواتي سيتخرجن بعد سنوات أربع, وما هي خطة الدولة لتوظيفهن وهل سيسمح لهن بافتتاح مكاتب خاصة بهن بعد فترة تدريبية معينة وهل سيكون بإمكانهن القيام بالمرافعات في المحاكم, وهل سيترافق كل ذلك مع إصدار قانون للأحوال الشخصية في المملكة نابع من الشريعة الغراء فقد قرأنا منذ فترة طويلة أن وضع قانون كهذا على طاولة البحث والدراسة أصبح أمرا ضروريا, لكن على صعيد الواقع لم نلمس أي نتيجة تذكر؛ لذا يحسن الاطلاع على المدونة الجديدة للأسرة التي صدرت في المغرب منذ عام تقريبا لاقتباس البنود الأكثر اتساقاً مع الشريعة وتماشياً مع المصلحة, وسنتناولها للأهمية في مقالة قادمة إن شاء الله.

وعلى كل حال فإنه أمر جيد أن تتحقق طموحات بعض الفتيات في شغل مهنة المحاماة فالمرأة يجب أن تكون الأقدر على الدفاع عن بنات جنسها لأنها أعلم بمعاناتهن وأكثر حساسية تجاه مشكلاتهن, وهذه الخطوة توسع آفاق الأمل أمام الشابات الراغبات في دراسة الإعلام إذ يأملن بافتتاح كلية للإعلام خاصة بالفتيات تخرّج كوادر مؤهلة للعمل في هذا القطاع المهم؛ ومع الاعتراف بقدرات بعض الإعلاميات الموجودات في الساحة المحلية, على سبيل المثال التحقيقات التي تجريها صحيفة الوطن وتشارك فيها الصحفيات - وخاصة ما له علاقة بقضايا المرأة - يمكن وضع كثير منها في خانة السبق الصحفي المتميز, لكن ذلك لا يعني عدم وجود بعض الإعلاميات الأخريات اللواتي تنقصهن الكفاءة والخبرة والعمق فلعل الدراسة تغطي هذا الجانب, فوسائل الإعلام يجب أن تعكس حقيقة المجتمع وتنقد ما فيه من مشكلات, وما تزال وسائل الإعلام المرئية بحاجة إلى محاورات متفوقات في البرامج الاجتماعية لتستضيف الأخصائيين الاجتماعيين والفقهاء المستنيرين والمثقفين المتنورين من أجل التشخيص والعلاج؛ كذلك فإن مهمة الإعلام أن يظهر النماذج المضيئة لنساء سعوديات في جميع المجالات ومنه مجال الإعلام نفسه, فالإعلامية السعودية يجب ألا تقبل أن تكون مجرد نموذج متكرر لبعض الإعلاميات في وسائل الإعلام العربية الأخرى, بل لا بد أن يكون لها تميزها وفرادتها النابعة من خصوصيتها, بحيث لا تشكل هذه الخصوصية مناقضاً للحرية ولا عائقا للإبداع, فالعمل الإبداعي لا يصدر عن مقلِّد ولا مقيَّد, لذا فمن المهم الانطلاق من الخصوصية المتميزة ورفع سقف الحرية في وسائل الإعلام واحترام كل الأصوات الناقدة وبخاصة رأي المرأة وتقدير فكرها.

من أخبار الأسبوع الماضي كذلك لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مع بعض الإعلاميات السعوديات, مما ذكرنا بمقابلة أجرتها صحفيتان فرنسيتان عندما كان في زيارته الأخيرة لفرنسا - قبل تتويجه ملكاً - وقد ورد فيها هذا المقطع: نحن سيدتان صحفيتان وقد وافقتم على استقبالنا، وعلى الرد على أسئلتنا؛ متى ستتمكن نظيراتنا السعوديات من القيام بذلك؟ وكان الجواب: في وقت أقل من ذلك الذي تطلبه ذلك لديكم، أن تقوم امرأة بإجراء لقاء مع رجل؛ بإمكانكما، حتى، أن تقسما المهلة على اثنين. تلاه تعقيب الصحفيتين: إذن، غدا ستتمكن صحفية سعودية من إجراء مقابلة معكم؟ وكان الجواب: السعوديات دخلن منذ فترة ميدان الحياة العملية, إنهن عاملات في المصارف والقطاع العام. ومع الوقت ستتطور عقليتهن وكذلك ذهنية أزواجهن وأبنائهن, وهذا سيتطلب سنوات أقل من أصابع اليد الواحدة.

مع هذه الاقتباس القيّم وبعد فهم معنى الخصوصية فإن عمل المرأة خارج المنزل يحقق فوائده عندما لا يتعارض مع المصلحة العامة للمجتمع ولا يكون ذلك إلا بتمسك المرأة بالحجاب الشرعي الذي يستر مفاتنها دون أن يلغي شخصيتها, فكما هو نظام القوامة في الأسرة هام للحفاظ على استقرار الأسرة كذلك نظام حجاب المرأة في المجتمع ضروري لترسخ الأمن في المجتمع, وبدون القوامة في الأسرة والحجاب في المجتمع تضيع الحقوق وتميع الواجبات.

الوطن السعودية 26/9/2005

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |