|
نعتْ المملكة الغالية فقيدها البار الفهد رحمه الله, ورغم أن الحادث كان جللاً فإن
تولّي الملك عبد الله بن عبد العزيز لمقاليد الحكم فيها كان كافياً لها كي تلملم
أحزانها بسرعة, فالملك الجديد له بصماته الواضحة في التطور البنّاء من خلال
البوابات التقدمية الكثيرة أهمها: الانفتاح على الآخر المختلف عبر إنشاء مركز الملك
عبد العزيز للحوار الوطني, والاهتمام بالفئات المسحوقة والمظلومة, ودراسة مشكلات
المرأة وكيفية تمكينها من حقوقها للمساهمة في رقيّها ومجتمعها, وأخيراً وليس آخراً
تعهده بالقضاء على التشدد من جذوره.
التشدد نبتة شائكة تتفرع في عدة مستويات لا يمكن حصرها
في مقالة واحدة, ولكن المرأة هي الضحية الأولى لهذا
التشدد إذ ما تزال النظرة الدونية للمرأة هي السائدة
في التربية والثقافة, وقد تمت الإشارة في مقالات سابقة
إلى جذور القصور في مناهج التعليم وفي أساليب التربية
وفي ثقافة المجتمع بشكل عام؛ وتظاهرت آخر تجليات هذا
التشدد في تلك العاصفة التي تلت اقتراح عضو مجلس
الشورى بدراسة قيادة المرأة للسيارة, وما تزال تداعيات
ذلك الاقتراح تتالى بالبيانات المحذّرة ليس من قيادة
المرأة للسيارة فحسب بل من خروج المرأة إلى العمل,
والغريب أن بعض المشاركات في هذه البيانات نساء
عاملات, فإذا كان عمل المرأة مَعيباً إلى هذا الحد فمن
الواجب أن تقبع كل النساء في بيوتهن, وعلى رأسهن أولئك
المطالبات به كي لا يُظنّ أنهن يمارسن الوصاية على
الأخريات لمنعهن من المنافسة على الأعمال الشريفة
والتي تصقل شخصية المرأة وتنمي مقدرات مجتمعها؛ وإذا
كان الفكر المتشدد ما زال يسري في عقول بعض الرجال
والنساء فلا بد من تجفيف منابعه بمنع نشر الكتيّبات
والمطويات التي تنتقص من قدر المرأة ومنها كتيب محمد
قطب المشهور بعنوان: (قضية المرأة) الذي يحذر فيه من
تكرار تجربة المرأة المصرية في السعودية, بعد أن غاب
عنه أن التجارب تبقى محصورة في سياقها التاريخي
والاجتماعي؛ والدليل على ذلك أن المملكة حماها الله من
التغريب الثقافي الذي أتى إلى البلاد العربية الأخرى
مع الاستعمار, وحسب الحلقة الأخيرة لمحمد حسنين هيكل
فقد بلغ عدد البغايا 12 ألفاً في مصر بالأربعينيات من
القرن الميلادي الماضي ويبدو أن الهيكل يحترم هذه
المهنة إلى الحد الذي جعله يشير إليهن أكثر من مرة
بلقب السيدات, ولا عجبَ فما يؤديه ليس إلا "ستربتيز"
أرذل العمر وقد كفتنا القديرة جهيّر المساعد عناء الرد
عليه.
لا شك أن الله سيحمي المملكة أيضاً من كلّ كيد ما دامت
تتمسك بالدين الحنيف ليكون دستورها وفخرها وحاميها
وسؤددها. وما دامت واجبات الفرد في الإسلام - رجلا كان
أو امرأة - تنبع من عبوديته لله سبحانه وإقراره بدين
الإسلام, والمرأة تشارك الرجل في مهمّة الاستخلاف وفي
مسؤولية التكليف, وهي لذلك معادلة له على صعيد المجتمع
في الحقوق كافة - وإن اختلفت عنه في بعض الحقوق ضمن
نطاق الأسرة - ومنها الحقوق السياسية للمرأة التي بحثت
بعضاً منها في مقالات سابقة, كحقها في الانتخاب وحقها
في الترشيح للمجالس البلدية والشورية مع الاستدلال
بكلام بعض علماء الدين ومنهم معالي وزير الأوقاف
الإسلامية والدعوة والإرشاد, ومن المفيد إتمام ذلك
بالتطرق لموضوع بيعة النساء مع إقبال الناس على مبايعة
الملك عبد الله أدام الله بقاءه ونصره ونصر به؛ وذلك
لأن البيعة بالمفهوم الإسلامي واجبة على الفرد رجلا
كان أو امرأة, ففي الحديث:((من
مات وليس في عنقه بيعة
مات ميتة جاهلية)).
ربّ سائل يتساءل: وهل البيعة الآن هي كالبيعة التي تمت
في العهد النبوي؟ والجواب: بما أن الدولة السعودية
قامت على الدين في أساسها, فلا يمكن فصل الدين عن
الدولة ولا عزل الدين عن المجتمع, والدعوات العلمانية
التي تتعالى في الدول العربية الأخرى لفصل الدين عن
الدولة لا تناسب المملكة ذات الخصوصية الدينية
الممثّلة بالأماكن الإسلامية المقدسة والمتظاهرة أيضاً
بالتدين الفطري العميق؛ وهذه النظرة للعلاقة بين ما هو
دين وما هو سياسة لم تعد غريبة حتى على الفكر الغربي
فقد ذهب (توينبي) إلى القول بأن العلاقة بين الجانبين
السياسي والديني من نظام الدولة الإسلامية ليست علاقة
مصطنعة تعوق سير الدولة وتقدمها, إذ يلتئم الجانبان في
وحدة أصيلة وأساسية. ولقد كان الرسول عليه الصلاة
والسلام في مكة نبياً مبعوثاً ورسولاً مبلِّغاً عن
الله فقط, أما في المدينة فقد أسس دولته بحيث أصبح
قائداً دينياً وسياسياً راعياً لمصالح الأمة, فالبيعة
في بداية ظهور الدين اختلفت عن البيعة فيما بعد,
والشاهد على ذلك الاختلاف في بيعتي العقبة: فبيعة
العقبة الأولى سميت بيعة النساء لأنه لم يكن فيها بيعة
على النصرة والجهاد بعكس بيعة العقبة الثانية, ولا
يعني هذا الكلام أن بيعة النساء لم تكن بيعة على
الجهاد, والدليل على ذلك حضور امرأتين مع سبعين رجلاً
من الأوس والخزرج في بيعة العقبة الثانية, إحداهما
نسيبة بنت كعب أم عمارة التي وفت للرسول عليه الصلاة
والسلام وثبتت يوم انهزم عنه غالبية الرجال في موقعة
أحد, وقال عنها:((ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا
أراها تقاتل دوني))؛ وإنما سميت البيعة الأولى بيعة
النساء لخلوّها من شرط النصرة استشهاداً بما جاء في
آخر سورة الممتحنة من مبايعة النساء لرسول الله ولم
يذكر فيها الجهاد, وما ذاك إلا لأن الجهاد المفروض على
المرأة لخّصه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله
للنساء:(فيما استطعتن وأطقتن) لأن جهاد المرأة الأول
هو في بيتها وأسرتها دون أن يكون ذلك مبرراً لعدم
اهتمامها بما يجري حولها من أمور خطيرة تستلزم تكاتف
جهود الرجال والنساء للنهضة بالمجتمع والأمة.
إذا كانت الممارسات السياسية من وجهة النظر الغربية هي
حق للمواطن, فهي في المنظور الإسلامي واجب, وقد يكون
فرض عين أو فرض كفاية؛ ولهذا لا يجوز التنازل عنه عند
المسلم, بخلاف الغربي الذي يمكنه أن يتنازل عن حقه.
وفي الإسلام تكون الواجبات السياسية تضامنية في
المجتمع, بحيث أن من لا يقوم بتلك الواجبات الكفائية
يشارك في تعيين أولئك النفر الذين تصدوا لأدائها.
ومن واجبات الفرد المسلم قيامه بالبيعة لولي الأمر,
وقد يقال إن هذا الواجب كفائي كأن يقوم به ممثلو الشعب
أو رؤساء القبائل, لكننا في عصر لم يعد معه مقبولاً أن
يبقى صوت المرأة خافتاً غير مسموع, لذا ينبغي أن يكون
تمثيل المرأة نسائي الشكل والمضمون, خاصة ونحن نفخر
بأن الإسلام أعطى المرأة حقوقها غير منقوصة, وهذا لا
ينكره عاقل, لكننا على مستوى التطبيق ما زلنا في
الساحل ولم نخترق عباب اليمّ؛ وقد بايعت المرأة الرسول
عليه الصلاة والسلام منذ خمسة عشر قرناً, وفي أكثر من
موضع, ويغيّب بعض الدارسين تلازم المعنيين الديني
والسياسي للبيعة إذ يفسرونها انطلاقاً من أمزجتهم
الخاصة وليس انطلاقاً من فهم صحيح للعبارة الواردة في
نهاية المبايعة:(ولا يعصينك في معروف) فهذه لها
مدلولها السياسي لأنها لو كانت مبايعة دينية فقط, فلا
داعي لهذه العبارة لأن النبي لن يدعو إلا إلى معروف,
أما القائد السياسي فقد يدعو لمصلحة الأمة وقد يدعو
لغير ذلك, لذا فإن إغفال المعنى السياسي لبيعة النساء
قد يكون مقصوداً وغايته إبعاد المرأة عن معترك السياسة
حتى لو كان بيعة أو انتخاباً.
ذكر الأستاذ ميرزا الخويلدي في صحيفة الشرق الأوسط
تاريخ 4/8/2005 بعض المواضع في السيرة النبوية التي
بايعت فيها المرأة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي
العقبة والرضوان ويوم الفتح؛ ولكن المرأة كانت موجودة
في كل موقع يؤسس لنصرة دين الله ويساهم في بناء دولته,
والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى, ويكفي أن نذكر أن أول
من آمن هو امرأة وهي خديجة بنت خويلد, وقد سماها بعض
الدارسين وزيرة الإسلام الأولى, وقد بقي الرسول يذكر
فضلها حتى آخر أيامه, وأول شهيد في الإسلام كان امرأة
هي سمية بنت خباط أم عمار بن ياسر ثبتت رغم التعذيب في
حين أن ابنها لم يستطع ذلك مما جعله يرضخ للمشركين حين
طلبوا منه شتم النبي, وإن كان الرسول عليه الصلاة
والسلام قد هوّن عليه ليخفف عنه شعوره بالذنب؛ وكما
شهدت أم عمارة بيعة العقبة شهدت بيعة الرضوان يوم صلح
الحديبية, ومعها جمع النساء اللواتي خرجن كما خرجت بعض
نساء النبي عليه الصلاة والسلام, وكانت بيعة على الموت
كما ذكر بعض الصحابة لأسباب معروفة في السيرة, وسميت
بيعة الرضوان نسبة إلى الآيات في سورة الفتح التي
أنزلت بعدها إذ أثنى الله
على المبايعين في تلك المناسبة بقوله:((إِنَّ
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللهَ)) وبقوله:((لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ))؛ ومن لديه أقل معرفة باللغة
العربية يعلم أن جمع المذكر السالم يشمل الأنثى كما
الذكر, فإذا كان الله قد أدخل النساء في حلقة الرضا
فلمَ يصرّ بعض المتفيقهين على إخراجهن منها؟ وإذا كانت
المرأة حاضرة وبقوة في كل مواقف المبايعة والنصرة
والفداء على عهد النبوة فلم يريدون للمرأة أن تنكفئ
على ذاتها وتجلس في قعر بيتها بعد خمسة عشر قرناً من
ذلك العهد المضيء؟
الوطن السعودية
8/8/2005 |