|
يحكي الدكتور عبد الوهاب المسيري في
إحدى
مقالاته قصة طريفة حصلت معه عندما زار موسكو عام 1982م, وأخذ يسير في شوارعها
ويقارن بين المجتمعين الأمريكي والسوفييتي, ولما وصل إلى مسرح البولشوي وقف أمامه
يتأمل ذلك البناء الشامخ, إذ شعر بحركة غريبة حوله فقد أدار الجميع ظهورهم للمسرح
وأخذوا ينظرون إلى شيء ما أمامهم؛ فأخذ يبحث عن سر هذا الاهتمام الجماعي: هل هو
وكيل وزارة يمر بسيارة فارهة؟ أم حادث
سير؟ أم حاو؟ أم قرداتي؟ لكنه لم يتوصل إلى
ما لفت انتباه هذا الجمع, فسأل أحد
القريبين منه عن سر هذه الجلبة فأشار ببنانه إلى
بنت صغيرة تقف على محطة الأتوبيس؛
ولكن الدكتور المسيري لم يجد فيها جمالا أخاذا أو
جاذبية شديدة, ولم تكن ترتدي ثيابا
مكشوفة أو خليعة, فسأل صاحبه مزيداً من التوضيح,
فضحك الأخير من حيرته ووضَّح له أن
الفتاة تلبس بلو جينز أمريكي حقيقي! واستنتج
بعدها الدكتور المسيري أن أمريكا غزت
الاتحاد السوفيتي في عقر داره مما يجعل
انهياره وشيك الحدوث.
ويروي قصة أخرى حدثت معه في
الاسكندرية عندما دخل مدرج
الجامعة ليلقي محاضرة فوجد عددا كبيرا
من البنات جلسن في المقدمة ووضعن قدرا كبيرا
من المكياج ولبسن ثيابا مزركشة
وزاهية, فظن أنه أخطأ المكان لأن منظرهن أوحى له
أنها قاعة للاحتفال, إذ إنه عندما
غادر الاسكندرية لم تكن الفتيات في الجامعة يلبسن
هذه الأزياء ولم يعهد في أمريكا أن
طالبة الجامعة تحضر إليها وكأنها ذاهبة إلى
حفلة, فخرج من القاعة مما حدا بأحد
الطلاب أن يتبعه طالبا منه العودة لأنه لم يخطئ
المكان, ولكن يبدو أن مكان الحفلة
ومكان المحاضرة لم يعد بينهما فرق كبير في عالمنا
العربي!
وفي المقال نفسه يختصر لنا الدكتور
المسيري الفرق بين عامي 1963م و1969م
في أمريكا, ففي الأول أراد أن يحضر
مسرحية لشكسبير فخرج من دون جاكتة ولا ربطة عنق
مما جعل أستاذه يهمس في أذنه أنه لا
بد من أن يفعل لأن شكسبير يستحق هذا, فعاد ولبس
جاكتة وربطة عنق دليل احترامه
لشكسبير؛ أما في عام 1969م فقد أراد الذهاب مع بعض
أصدقائه إلى المسرح فارتدى جاكتة
وربطة عنق, لكن أصدقاءه سخروا منه لأن ارتداء
البدلة وربطة العنق أصبح موضة قديمة
وهي علامة التخشب والجمود.
أدرك الدكتور
المسيري ساعتها أن الجاكيت ليست مجرد
شيء مادي يستر به الإنسان جسمه ويدفئ بدنه،
وإنما هو علامة على شيء ما، لغة
حضارية كاملة. يقول: (ساعتها قررت أن أتحدث لغتي
وألا أتحدث لغة الآخرين وإلا أصبحت
ببغاءً في أسوأ تقدير وقردًا في أحسنه. ساعتها
قررت ألا أتبع الموضة أو آخر صيحة وأن
أُخضع كل شيء للاجتهاد).
ما جعلني أبدأ
بهذه المقدمة الطويلة هو ما يصمّ
الأذن من صيحات متتالية تريد أن تدك آخر حصوننا
الإسلامية, هذه الصيحات تصدر عن بعض
المتغربين كما تصدر عن بعض الذين يسمون أنفسهم
مفكرين إسلاميين, مفادها الهجوم على
حجاب المرأة حتى لو كان لا يخفي وجهها, فهؤلاء
لم تعد مشكلتهم في النقاب وغطاء
الوجه, إنما تعدت صيحاتهم إلى المطالبة بإبداء
الشعر والنحر وما سوى ذلك, وبرأيهم أن
الشعر جمال خلقه الله في المرأة فلماذا
تخفيه عن العيون؟
لا نستطيع بداية تجاوز الحكمة الدينية
الواضحة من الحجاب
-
الذي لا يعني بالتأكيد حجب المرأة عن المشاركة
الاجتماعية - المتمثلة بكمٍّ من
الآيات القرآنية والأحاديث التي لا يعترف بها هؤلاء حق
الاعتراف, فمنهم من يعتقد
بتاريخية القرآن, ومنهم من يستغرق في تأكيد فهمه الخاص
لمعنى الآية: (يا أيها النبي
قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من
جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا
يؤذين, وكان الله غفورا رحيما) محتجا أن السبب وراء
تغطية مفاتن المرأة كان للتفريق
بين الأمة والحرة, وبما أننا لم نعد في عصر الجواري
فمعنى هذا أن حكم الحجاب بات
منفيا من أصله؛ وقد فات على هؤلاء المفكرين
"الإسلاميين!" أن الآية واضحة الدلالة (ذلك أدنى أن
يعرفن فلا يؤذين), والعبرة بعمومية المعنى لا بخصوصية
السبب, أي أن
تعرف المرأة المحتشمة من تلك التي شاءت ألا تحتشم
فجلبت لنفسها العنت من نظرات
الرجال الخبيثة أو كلماتهم المؤذية أو
تصرفاتهم الماكرة.
وهنا تخرج لنا إحداهن
بفكرة أن من ينادي بتغطية جسد المرأة
هو كمن ينادي بتعريتها, لأنه (يجب أن ينظر إلى
المرأة من حيث إنها إنسان, وليس أنها
جسد يشتهى فحسب) وهذا القول الأخير لا يخالفه
إنسان منصف عاقل؛ لكن ما يجب أن نؤكد
عليه هو أن المرأة وإن كانت تلتقي مع الرجل في
المعاني الإنسانية, لكنها تختلف عنه
في جزئية نفسية هامة تستدعي أن تكون مختلفة عنه
بتغطية ما يستثير الرجال بشكل عام -
ولكل قاعدة عامة استثناء خاص, والاستثناء لا
يبنى عليه - أما المرأة فلن يثيرها
شعر الرجل ولو وصل إلى أخمص قدميه؛ ويجب أن نؤكد
أكثر أن المرأة الطبيعية ـ غير مشوهة
الفطرة ـ لا ترغب بالرجل بسبب عضلاته أو فتوته
فقط بل يهمها أن تكون مميزة لدى هذا
الرجل, أي أن تشعر بقيمتها الشخصية لديه، وبأنه
يحبها, وأنه أهل لأن تشعر معه
بالأمان, وهذا واضح من القول الفطري الصادق الذي ورد
في القرآن على لسان ابنة النبي شعيب
عليه السلام (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
القوي الأمين)؛ وأما ما نراه لدى بعض
النساء الغربيات - أو حتى العربيات المقلدات
لهن - من بحثهن عن المتعة مع أي رجل,
فهذا سببه تشويه لفطرة المرأة الذي أدى إلى أن
تكون طالبة بدلاً من أن تكون مطلوبة,
مما جعلها تنحدر بالتدريج إلى هاوية
الإباحية.
والأكثر أهمية من كل هذا أنه لا بد
لتلاقي الرجل مع المرأة في أي عمل
إنساني أو اجتماعي أو حضاري ألا يشوش
دور المرأة كأنثى على هذا التلاقي, وهذا لا
يكون إلا بفرض الحجاب الشرعي الذي
تبرز مهمته وغايته, بأن يخفي مظاهر الفتنة
المعبرة عن أنوثتها, ومن الطبيعي أن
ما يدخل في معنى إبراز المفاتن أمر نسبي وله
درجات متفاوتة, كما أن ما يدخل في
معنى الافتتان بهذه المفاتن أمر نسبي أيضا, لأن
طبائع الرجال تختلف وظروفهم التي تبعث
على التأثـر وعدمه متنوعة, ونظرا لهذه
الحقيقة التي لا مجال لنكرانها تضع
الشريعة الإسلامية أحكامها لمعالجة الوقائع
والكليات دون النظر إلى الفوارق
النسبية في الجزئيات, وصفة كل القوانين هي الشمول
والعموم, فمن أجل ذلك كان لا بد
للشارع من أن يضع حدا لمعنى الحشمة المقبولة طبق
الغاية التي شرعت من أجلها, ألا وهي
أن تختفي المفاتن الغريزية عن أبصار الناظرين
من الرجال فلا يستثيرهم شيء منها إلى
تحرش أو إيذاء, ولا يبصرون من المرأة إلا ندا
لهم في الخدمة الإنسانية وشريكا لهم
في الجهود الاجتماعية.
ما علاقة كل هذا بما
أوردته عن الدكتور المسيري؟ علاقته أن
الحجاب ليس أمرا إلهيا فحسب, وليس موافقا
لفطرة كل من الرجل والمرأة فقط, ولكنه
ثقافة وهوية وخصوصية, فما يميز مجتمعاتنا
العربية الإسلامية هو ثقافة الحياء
للرجل والمرأة على السواء, وإن كانت أوضح في
المرأة دون أدنى شك.
المفارقة في الأمر أن هؤلاء المثقفين "الإسلاميين!"
يعادون
العري وينادون بالحشمة على طريقتهم, ويريدون أن يقفوا
سدا منيعا في وجه العولمة
الثقافية دون أن يعلموا أن هذه العولمة التي يحاربونها
ما هي إلا امتداد لمرحلة
التغريب التي سبقتها والتي تعرضت فيها الأمة العربية
لهزات في العقيدة وارتكاسات في
الثقافة, لذلك لا بد من التذكير بقول المستشرق جب: (إن
مدارس البنات في الشام هي
بؤبؤ عيني), وإذا كان أعداء الدين والإنسانية يركزون
على رفع القرآن من بين أيدي
المسلمين, فإن همهم أيضا هو نزع الحجاب عن رؤوس النساء
المسلمات, فالقرآن هو أصل
العقيدة الإسلامية, والحجاب هو مرتكز الهوية
الإسلامية, فإذا زال الحجاب انعدمت
الهوية الإسلامية وسهلت السيطرة على العالم العربي
والإسلامي ثقافيا, ويكون ذلك
مدخلا لتغييب العقيدة تدريجيا؛ فحجاب المرأة المسلمة
ليس سترا فحسب... إنما لغة
حضارية كاملة, لذلك أنا كامرأة عربية مسلمة أن أتمسك
بكلام الدكتور المسيري فأقول:(يجب أن أتحدث لغتي وألا
أتحدث لغة الآخرين وإلا أصبحت ببغاءً في أسوأ تقدير
وقردًا
في أحسنه!)
الوطن السعودية
16/10/2003 |