الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) إلى متى تدفع حواء وحدها ثمن الخطيئة؟
 
 
 

تناقلت وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي ومنها صحيفة الشرق الأوسط في العدد 9710 خبر مختاران ماي، السيدة الباكستانية التي كانت ضحية اغتصاب جماعي هزّ الضمير الانساني بعد أن كُشف عنه،, خاصة عندما مضت ماي بقضيتها قُدماً لتأخذ العدالة مجراها ونالت اهتمام كافة المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان والنساء بالذات؛ فبعد إرث طويل من التكتم على مثل هذه الجرائم في باكستان، انفلتت مختاران ماي، 33 عاما الآن، من إسار الصمت والتناسي الخادع لترفع قضية اغتصابها إلى مقدمة أجندة مجتمعها ودواوينه الحقوقية. وأمرت المحكمة العليا في باكستان بإعادة اعتقال 13 رجلاً اتُّهموا بالاشتراك في عملية اغتصاب تعرضت لها ماي في يوليو عام 2002 التي قالت على رؤوس الأشهاد، على غير عادة من يتعرضن في بلادها لهذه المحنة, إن الرجال اغتصبوها على التوالي بناء على أوامر مجلس شيوخ القرية لأن شقيقها كان على علاقة غرامية مع فتاة من قبيلة ذات مكانة أعلى.

ليست السيدة ماي هي الوحيدة في البلاد العربية والإسلامية  التي تبوء بالإثم وتنفرد به في القبيلة أو العشيرة أو المجتمع كلّه سواء كانت مذنبةً أم لا؛ وقد نشرت صحيفة الوطن بتاريخ 28/6/2005 خبراً مشابهاً عن امرأة سعودية تقبع في سجن منطقة عسير منذ 6 سنوات عندما كان عمرها عشرين عاماً بانتظار حكم الإعدام, وقد كانت قد تزوجت وأحبت بيتها وزوجها وأولادها لكن الرجل الذي جمعته بها علاقة بريئة قبل زواجها كان يطاردها بالتهديد والوعيد وإفشاء سر ماضيها, وقد توسلّت إليه أن يتركها تعيش حياتها لكن دون جدوى, ففكّرت بالتخلص من ماضيها باستدراجه إلى منزلها في غيبة زوجها ثم قتلته بالسلاح المتوفر "بندقية صيد العصافير"؛ وفي السجن يشهد كلّ من تعامل معها بأخلاقها الحسنة وحفظها للقرآن وتعليمه للسجينات وهي من جهتها عميقة الإيمان بالله إذ تأمل أن تنال العفو من أهل الدم ابتغاء مرضاته.

نحن بدورنا نأمل ألا تهزّ هذه القصة الضمير الحي فحسب بل أن تهزّ جمعية حقوق الإنسان السعودية لفعل شيء لإنقاذ هذه السيدة التي يبدو أن من حقّها أن تعود لبيتها وزوجها وأولادها, خاصة أنها أظهرت ندمها وتوبتها, وذكرت أنها لم تتخيل يوماً من الأيام أنها ستكون قاتلة, فلماذا تُسأل هذه السيدة عن هذا الذنب ولا تُسأل الثقافة التي أنجبتها وأنجبت من قتلته أيضاً؟

لا معنى لاهتمامنا بمدى براءة العلاقة بين هذه السيدة وبين من قتلته, وأغلب الظن أنها علاقة بريئة فعلاً, ولنا إن شئنا أن نفترض أنها غير ذلك, لكن هل نحن حقاً مسلمون إذا تعاملنا مع القضية بتبسيط تام كأنها قضية قتل فقط دون النظر إليها من جميع الزوايا؟

نحن أمام فتاة كان بينها وبين شاب علاقة بريئة - أو حتى آثمة - وانتهت هذه العلاقة ومضى كل منهما في حال سبيله وتزوجت تلك الفتاة وأصبح لديها زوج تحبه وأولاد ترعاهم, ولكنها كأي أنثى في مجتمعنا العربي المسلم المأزوم المنفصم على نفسه المتنكِّر لِقيَمِه كانت تخشى أن يقحم الماضي رأسه داخل حياتها الزوجية فيكشف لزوجها ما أخفته عنه, وهو ما حصل فعلاً إذ ارتأى ذلك الشاب أن يعكِّر صفو حياة من تركته - أو من تركها لا فرق - لأنه ذكرٌ وغير مسؤول أمام المجتمع, أما هي فقد خُلقت أنثى أي متلطخةً بالإثم منذ بداية الخلق, أوَ ليست هي ابنة حواء التي أغوت آدم وأطعمته التفاحة فأخرجته من الجنة؟ ومع أن القرآن أوضح لنا أن الخطأ وقع من آدم وحواء معاً, بل إن بعض الآيات عَزَت الذنب لآدم وحده:{وعصى آدم ربه فغوى} فإن ثقافتنا تعجّ بالمعتقد التوراتي الوارد في الإصحاح الثالث من سفر التكوين وفيه قول على لسان آدم يدافع به عن نفسه:(المرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلتُ)؛ لذلك على كل بنات حواء أن يدفعن ثمن أخطاء كل أبناء آدم لأن الذكر بريء ما لم تدخل حياته أنثى؛ وهذا عبد الله ثابت الشاعر والكاتب يلخّص هذه النظرية بقوله:(أمي تَنْحتُ تمثالي عشرين سنة, وامرأة أخرى تهدمه في ثانية),ومن حقّه علينا أن نشكره لأنه أرجع فضل تكوينه إلى امرأة ولكننا يجب أن ننبّهه أن تهدّم التمثال في ثانية إما سببه عدم إتقان النحّات لعمله جيداً أو أن طينة التمثال فيها بعض الموروث الذكوري الذي يلقي مسؤولية الهدم على المرأة وحدها, وإلا فإنه يحقّ لنا السؤال: كيف تمتلك هذه الضعيفة قدرة الهدم في ضربة واحدة؟!

لا أقصد هنا نقد مقولة عبد الله ثابت فهي لا شكّ عبارة تهويمية إبداعية لكنها دالّة أيضاً على رسوخ ثقافتنا في تبرئة الرجل وتأثيم المرأة, وهي ثقافة (الرجل لا يعيبه إلا جيبه) وثقافة الفهم الخاطئ لقول من لا ينطق عن الهوى:(إنكّن لأنتن صُويحبات يوسف) ولتصحيح هذا الفهم يجب أن ندرك أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام قالها بعد محاولة عائشة رضي الله عنها ثنيه- وهو مريض - عن عزمه على تولية والدها أبي بكر إمامة الناس في الصلاة, فلمّا لم تفلح أوحت إلى حفصة رضي الله عنها أن تتدخّل, فوصفهما الرسول بتلك العبارة التي ذهبت مثلاً؛ ولا يحقّ لأحد أن يعترض على التمثّل بكلام خير الخلق, ولكن من حقنا الاعتراض على الاستشهاد ببعض الأحاديث وإخفاء أو إهمال بعضها الآخر, ومن الأحاديث التي لا يعرفها كثيرون أن امرأةً وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت برجل مرّ عليها وفرّ صاحبها ثم مرّ عليها قوم ذو عدّة فاستغاثت بهم فأدركوا الذي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: إنما أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر؛ فأتوا به رسول الله عليه الصلاة والسلام فأخبرته أنه وقع عليها وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتدّ, فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركوني هؤلاء فأخذوني؛ قالت: كذب هو الذي وقع علي, فقال رسول الله:(اذهبوا به فارجموه) فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني أنا الذي فعلت بها الفعل, فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقع عليها والذي أجابها والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر الله لك وقال للذي أجابها قولاً حسناً, فقال عمر رضي الله عنه: ارجم الذي اعترف بالزنا, قال رسول الله:(لا لأنه قد تاب إلى الله توبةً لو تابها أهل المدينة لقبل منهم) (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج2/ص601/ح900)

هذا الحديث يظهر لنا أن زمن النبوة لم يكن زمن المدينة الفاضلة كما يظنّ بعضنا, بل كانت تحدث فيه كبائر أحياناً؛ لكن أهمّ ما نستنبطه من هذا الحديث بالنسبة لموضوعنا أن المرأة لم تتحمّل وزر جريمة الاغتصاب بل استغاثت أولاً ولم تشعر بالعار مما حصل معها ثانياً ورفعت شكواها إلى أعلى سلطة في الدولة ثالثاً؛ والآن لنا أن نقارن هذا بما حصل مع المرأة الباكستانية التي تحمّلت عنف ومرارة ومهانة الاغتصاب 3 أعوام كاملة, ومنهن من تحمل عارها إلى الأبد, ولنا أن نتخيّل لو أن السيدة السعودية كانت على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما الذي كان سيحصل لو أنها تعرّفت على شاب قبل زواجها؟

الاحتمال الأول: إذا كانت العلاقة بينهما علاقة حب بريئة, وعضلها ولي أمرها عن الزواج به لأنه ليس كفؤاً لها أو لأنه لا يملك مهراً يضفي الغنى على والدها أو لأنه ليس من قبيلتها أو لأي سبب آخر فلها أن ترفض الزواج بغير من تحب, وهذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما من أن رجلاً جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله في حجري يتيمة وهي تُنكح إلي, وقد خطبها موسر ومعدم, ونحن نحب الموسر وهي تحب المعدم, فقال عليه الصلاة والسلام:(لم يُر للمتحابين مثل النكاح)؛ والاحتمال الثاني: أن يكون ما بينهما علاقة سرية وأشد حميمية ثم لم يتزوجا لأي سبب كان, فهل كان الرجل في العهد النبوي يستطيع أن يهدّد المرأة إذا لم تستجب لمطالبه بكشف ما كان بينهما من أسرار؟ بالطبع لا لأنه يعرف أن الحكم الواقع عليها – بالجلد أو بالرجم – سيقع عليه أيضاً, فكلاهما مسؤول أمام الله عن أفعاله, ولم نسمع عن واقعة مثل واقعة السيدة السعودية إلا عندما آثرت البلاد العربية أن تتدثّر بعاداتها الجاهلية وفضّل ثلّة من الفقهاء المشرِّعين أن يفهموا الدين حسب نظرتهم الضيقة للمرأة من أنها سبب كل آفة ومصدر كل بلية؛ ومن ذا الذي ينكر أن للفقه التأثير الأكبر على ثقافة المجتمعات الإسلامية؟

الحديث السابق عن اغتصاب امرأة في العهد النبوي ورد في بعض كتب الحديث تحت باب "سقوط الحدود بالتوبة" وفيه رحمة رسول الله بمن أتى حدّاً كقوله عن ماعز رضي الله عنه:(ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ يا هذا لو سترته بثوبك كان خيرا لك) وقاسه بعضهم على حدّ المحارب الذي يسقط إن تاب قبل أن يُقدر عليه؛ وهذه السيدة السعودية ارتكبت فعلتها تحت ضغط تهديدات المقتول وتابت إلى ربها, أفليس هذا كفيلاً بالنظر إلى قضيتها بعين الرحمة, خاصة من أجل أطفالها؟ وهل يتكرّم أهل المقتول بالعفو عنها أو بالتراضي مع أهلها لا سيّما إذا تدخّل أهل الخير وأصحاب السموّ؟ والسؤال الخاتم: ألم يأنِ للمجتمعات المسلمة أن تراجع ثقافتها تجاه المرأة كي لا تبقى هذه المجتمعات صورة "نيجاتيف" بشعة ومخيفة عن المجتمع المسلم الحقيقي؟

الوطن السعودية 4/7/2005

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |