|
(سكت دهراً ونطق كفراً).. هكذا كان لسان حال بعضهم تجاه الاقتراح الذي قدّمه عضو
مجلس الشورى الموقرّ الدكتور محمد آل زلفة, وهم – على تطرّفهم- أحسن حالاً من
الذين طالبوا بكذا وكذا من العقوبات التي لا تستحقّ أن تأخذ أيّ مساحة في هذه
المقالة؛ لأن من يهوى الحياة في كهفه المظلم معذور إن قاوم الشمس, فقوانين المطابقة
في العين تقضي بأن من عاش في الظلام لفترة طويلة سيبهر عينيه الضوءُ الساطع ولن
يتمكّن من رؤية الأشياء التي اعتاد أن يراها في ظلمته؛ وقيادة المرأة السعودية
للسيارة ما هي إلاّ مسألة وقت, مثلها مثل مشاركتها في المجالس البلدية وغيرها
انتخاباً وترشيحاً, وهو ما صرّح به وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة
والإرشاد ضمن أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب وذلك في ردّه على سؤال حول عدم
مشاركة المرأة السعودية في الانتخابات البلدية, فقال (إن الجميع له الحقّ في
التصويت والترشيح)، مبيّناً أن طرح فكرة الانتخابات لأول مرة في المملكة قنّنت
المشاركة كمرحلة أولى وأن المراحل المقبلة للانتخابات البلدية ستكون أوسع (الشرق
الأوسط 28/12/1425).
ما حملته صحيفة الوطن يوم الجمعة الماضي من تصريح عضو
مجلس الشورى الشيخ الدكتور عبد المحسن العبيكان لا
يقلّ أهميةً, فقد أكّد أن رفضه قيادة المرأة للسيارة
في السعودية ليس لأن الأمر محرّم شرعاً وإنما بسبب ما
يترتّب عليه من مفاسد حيث إن المجتمع ليس مهيّئاً
لذلك؛ والسؤال الموجّه للشيخ العبيكان وأمثاله من أهل
الحلّ والعقد المستنيرين: ما هو المخطّط كي يصبح
المجتمع مهيئاً لذلك؟ وهكذا فإن هذه السؤال موجّه فقط
- في هذه القضية كقضايا المرأة الأخرى - لأصحاب العقول
الباهرة وذوي المواهب النادرة الذين يدركون عمق الجروح
والقروح في جسد المجتمع بمجرد لمسها وبمجرد تأملّ وجه
المريض المتألم, وليس لأولئك الذين يدّعون الذكاء
ويرون أن المريض متمارض أصلاً؛ فعدم قيادة المرأة
للسيارة وإهدار 12 مليار ريال سنوياً من جيوب الناس
وخاصة النساء العاملات اللواتي يعتمد المجتمع عليهن في
تعليم بناته وتطبيب نسائه وسِواها من الأعمال المهمّة
التي لا يستطيع الرجل أن يقوم بها, بالإضافة إلى زيادة
طين الاستقدام بلّةً وترسيخ أزمات الثقافة والتربية
وغيرها من العلل الناخرة في جسم المجتمع؛ كل ذلك ليس
شأناً ذا بال حسب وجهة نظر بعض المحسوبين على التربية
والتعليم والتثقيف, وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ
على أن بعضنا يعيش في كهوف حجرية وبعضنا الآخر يعيش في
أبراج عاجية!
في مقالتي "سؤال استفهامي: هل المرأة جوهرة أم كائن
فضائي؟" بتاريخ 9/10/2004 تبنّيت نفس رأي الشيخ
العبيكان من أن المجتمع غير مؤهَّب لقيادة المرأة
للسيارة, لكن طالما تطرّقت إلى الأسباب في مقالاتي
الأخرى, ولم أذكر مناهج التعليم وما ترسِّخه في نفس
المتعلِّم من نظرة دونية إلى المرأة, اللهم إلا في
مقالتي "دموع المرأة بين الواقع والانترنت" بتاريخ
19/6/2004 حيث استشهدت بمداخلة الإعلامي يحيى الأمير
في مؤتمر الحوار الوطني في يونيو الماضي الذي ذكر
عبارة موجودة في منهج الحديث والثقافة الإسلامية للصف
الثاني الثانوي تتحدث عن طرائق التعامل مع المرأة
وتطالب بـ(الغيرة عليها والأخذ على يدها وصيانتها)؛
وكان شرح العبارة ضمن المنهج نفسه:(المرأة كائن ضعيف
فإذا تركت دون توجيه وأخذ على يدها فسدت وأفسدت). وفي
مقالتي "رفقا بالقوارير.. وبالدين" بتاريخ 23/4/2005
ذكرت عبارة "المنهج الخفي", أي أني لم أُقارب المناهج
التعليمية, ومع ذلك ذهبت إحدى القارئات أني أعيب على
مناهج التعليم, وفهم قارئ آخر أني قصدت المعلمين بهذه
الكلمة, فإن تكن الأخت القارئة قد علّقت فحلّقت, أقصد
حلّقت في تأويلها الخيالي, فقد أوغل الأخ القارئ
بعيداً في التفسير الخاطئ لأن المنهج الخفي هو كل ما
يتعلّمه الطالب في المدرسة غير ما هو مدوَّن في الكتب
وقد يكون المعلمون أو الطلاب الآخرون أو غيرهم مصدره؛
وعلى كل حال فالتفسير المزاجي لنصوص الوحي المقدس أكثر
من أن يعدّ ويحصى, فكيف لا يفسَّر كلامي - أنا العبدة
الفقيرة - مزاجياً ؟ أما الكاتبة بدرية البشر في صحيفة
الشرق الأوسط فقد استشهدت بكلامي مشكورةً ولكنها رفضتْ
تعليم الأولاد والبنات كيف يصحِّحون أخطاء المعلمين
والمعلمات لأن هذا يكلّفهم ما لا يطيقون؛ ورغم أني
أتمنى أن يتعلّم الجيل كلّه عدم السكوت على الخطأ وعدم
الخوف من أن يقول ما يعتقده حقاً, لكني – ومع احترامي
للكاتبة البشر – رميتُ إلى أبعد من ذلك وهو الردّ على
من يحتجّون بحديث فاطمة أن المرأة لا ترى الرجال ولا
يروها, وعلى من يعتقدون بما قاله عمر أن المرأة مجرد
لعبة جنسية إلى غير ذلك من الآراء التي فنّدتُ صحتها
وبيّنت خطأ من أرجعها إلى فاطمة وعمر رضوان الله
عليهما.
أما اليوم فلا بد أن أشير إلى أهمية مناهج التعليم في
تكوين الصورة السليمة عن الأنثى لدى المتلقي, ولذا
سأنتقد شيئاً بسيطاً من مناهج التعليم, ولا أقول (شيئا
بسيطا) خجلاً أو وجلاً, لكن لأن النقد الذي يجب أن
يوجَّه لمناهج التعليم العربية عامة والسعودية خاصة
يحتاج كتباً لا مقالة, وليست مناهج التعليم من المقدّس
الممنوع الاقتراب منه, فهي جهد بشري أولاً وأخيراً,
بما فيها مناهج التعليم الدينية التي تعتمد على مصادر
فقهية قديمة كانت مناسبةً لعصر مضى, ومن الواضح لكل ذي
عين بصيرة أن أحد أهم أسباب تخلفنا في عالمنا العربي
والإسلامي هو عدم تجديد الخطاب الديني وعدم الاجتهاد
في الفقه الإسلامي, وقد نبّهت في مقالتي السابقة إلى
تقديس البشري حيث يَعُدّ بعضهم كلام الفقيه أو الشيخ
مساوياً لكلام الله عز وجل وكلام رسوله عليه الصلاة
والسلام, واعتبرت ذلك ضرباً من الشرك الأكبر؛ وبمناسبة
الحديث عن مناهج التعليم وصورة المرأة فيها أذكر أن
بعض الصحف المحلية نقلت ما دار في جلسات مؤتمر عقد
بمدينة الرياض حول هذا الأمر وقد كان لبعض المحاضرين
والمحاضرات مشاركاتهم الطيبة في استنكار الصورة
المقدمة عن الأنثى ودورها الذي يقتصر على الطبخ والكنس
والخدمة في البيت.
ما أريد أن أشير إليه موجود ضمن منهج
الصف الثالث الثانوي كتاب الحديث حول التفريق بين
الذكر والأنثى في العقيقة, فقد أورد واضع المنهاج أنه
يعقّ عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة, ثم أتى ببعض
الأحاديث التي تسند ما أورده, وذكر رأي أحد
الفقهاء:(التفضيل تابع لشرف الذكر, وما ميزه الله به
على الأنثى, ولما كانت النعمة به أتم والسرور والفرحة
به أكمل كان الشكر بمثله أكثر) انتهى الاقتباس. ما
نعلمه عن الإمام الشافعي أنه قال:(إذا صحّ الحديث فهو
مذهبي), وهناك أحاديث بنفس القوة تدلّ على أن النبي
عقّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً, وما نعرفه عن
الإمام مالك – وهو المؤسس الأول لعلوم الفقه وأخذ عنه
كل الأئمة الآخرين- أنه استند في رأيه إلى فعل عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما الذي كان يعقّ عن الغلمان
والجواري من ولده شاة شاة, ومن المعلوم أن عبد الله بن
عمر كان من أحرص الصحابة على اتباع سنة النبي عليه
الصلاة والسلام؛ والسؤال الآن: ما الداعي أيها الإخوة
المسؤولون عن صناعة عقول هذا الجيل أن تزيدوا هوة
التمييز بين الذكر والأنثى وهو الأمر الذي ينفذ منه من
يصوّبون سهامهم إلى ديننا؟ حقيقة التمييز موجودة ولا
نخجل منها لأنها تساير الفطرة وتؤدي إلى تنظيم الأسر
والمجتمع, لذلك كان التمييز في أمور خاصة كالإرث
والقوامة مثلاً لغاية التوازن في الأسرة بين الرجل
المنفق والمرأة غير المكلّفة بالإنفاق, أما في العقيقة
فلا يُتبيّن سبب التمييز ولم يَرد نص – آية أو حديث -
يَرجُح النصوص الأخرى التي تساوي بين الذكر والأنثى في
العقيقة؛ ومن وجهة نظري ليست العقيقة إلا تعبيراً عن
الفرح بقدوم المولود أو المولودة ومحلاً لشكر الله على
ذلك, فكلّ من الذكر والأنثى عطية ونعمة من الله
سبحانه.
أشارت الكاتبة فاطمة الفقيه في مقال
لها إلى ضرورة تعليم التلميذ كل الآراء الفقهية لا
الاقتصار على رأي واحد, وهو أمر جيد لزيادة اطلاع
الطالب لكن عقول الطلاب ليست بنفس القدرة على
الاستيعاب والحفظ, فَلِمَ لا نركّز على الثوابت
الدينية الواضحة في القرآن والسنة الصحيحة دون إدخال
الطلاب في دوّامات الاختلافات الفقهية والتي هي غالباً
أكبر من عمرهم وإمكانياتهم العقلية؟ ولم لا نذكر لهم
مساواة النبي عليه الصلاة والسلام بين أحفاده وحفيداته
بحديثين في صحيح البخاري:(كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بالناس وهو حامل
أمامة بنت زينب فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها)
و (ارتحلني
ابني – أي الحسن أو الحسين عندما علا ظهر النبي وهو
ساجد - فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)؟ ولم لا نعلِّمهم أن اختصاص بنات الرسول عليه
الصلاة والسلام بذريته إشادة بالمرأة في مجتمع كان
يئدها حيةً:{وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً
وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به,
أيُمسكه على هون أم يدسّه في التراب, ألا ساء ما
يحكمون}؟
الوطن السعودية 30/5/2005 |