الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) ياء المؤنثة المخاطبة أم ياء التمييز؟
 
 
 

أستاذتي العزيزة ليلى الأحدب

أنا طالبة جامعية ومن أكثر المعجبين بمقالاتك التي تطل علينا كل بداية أسبوع

لا أود أن أكثر من المديح إذ أنتي لستي في حاجة شهادة من واحدة مثلي!

بصراحة لدي مشكلة وودت لو أن تساعديني في إيجاد حل لها وهي باختصار

أني أواجه تحطيم لآمالي وطموحاتي وأحلامي وكبت لكل آرائي وتهميش لي دوما وعدم الاهتمام بي من قبل أسرتي الذين هم جزء من مجتمعي (.......)

ليس لشيء سوى أني فتاة

أرجوك إن استطعتي أن تساعديني فردي علي على البريد الالكتروني هذا

وإن لم تفهمي شيء من ما قلت فإن من أسهل الأشياء عزيزتي أن تتجاهلي هذه الرسالة

وإن وجدتي أني أكثرت الثرثرة بلا جدوى فلا بأس أن تتجاهليني أنت أيضا

ولا تخشي أن يؤثر ذلك علي فقد اعتدت على التهميش

وسأظل مع هذا أتابع كل آرائك المتزنة كل أسبوع

ابنتك

هذه رسالة وصلتني منذ شهر تقريباً, واحتفظت بها دون عنوان مرسلتها على أن أجيبها في اليوم التالي لكني حذفت رسالتها من صندوقي الالكتروني بغير قصد, لذلك أعتذر لها عن عدم الردّ على بريدها الالكتروني كما طلبت, وأرجو أنّ نشر رسالتها لن يزعجها خاصةً أنها لا تحوي ما يدلّ على شخصيتها, وليست الأولى التي تحمل في داخلها معاناةً من هذا النوع ولن تكون الأخيرة في هذا المجتمع الذي وصفَتْه بكلمة حذفتُها اجتناباً للوقوع في فخّ التعميم؛ وإذ أقول أنها ليست الأولى والأخيرة فذلك لأن رسالةً من هذا النوع تصلني بين الحين والآخر, وتجعل قلبي يمتلأ حزناً وينفطر ألماً لحال هؤلاء الفتيات اللواتي يعشن في مجتمع إسلامي, لكنّ وضعهنّ ليس من الإسلام في شيء.

آثرت أن أترك الرسالة هذه المرة كما وردتني, وذلك لأظهر المعاناة على حقيقتها والتي تبدو واضحةً في تقييم هذه الفتاة لنفسها بشكل سلبيٍّ, هذا من جهة, ومن جهة أخرى لأنبّه إلى خطأ إملائي ورد في الرسالة وهو إلحاق ياء المؤنثة المخاطبة بالضمائر المنفصلة أو المتصلة كما في هذه الكلمات: (أنتي , لستي, وجدتي, استطعتي) الواردة في الرسالة, وصاحبتها معذورة لأن هذا الخطأ متواتر بشكل كبير إذ يقع به بعض المعلمات والمعلمين وحتى بعض الكتّاب والمثقفين؛ وكثيراً ما تساءلت بيني وبين نفسي عن سبب تواتر ذلك الخطأ على هذا النحو الكثيف, وقد عزوته إلى ضعف منهاج اللغة العربية, لكني عَدَلت عن هذا الرأي على افتراض أن مناهج الدين تُكمل نقص مناهج اللغة العربية لما تحتويه من دروس الترتيل والتجويد التي تتضمن أنواع المدّ, لكن السؤال الملحّ هو: لماذا تُمدّ حركة الكسرة في الضمائر الخاصة بالمؤنث فتصبح الكسرة ياء المؤنثة المخاطبة؟ لكِ تصبح لكي, ولستِ تصبح لستي, وأنتِ تصبح أنتي, وهكذا, فما السبب؟

كما توصّل أرخميدس – أو أرشميدس - إلى قانون الضغط بعد جلوس طويل في مغطس الحمام, وكما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية بسبب مراقبته الدؤوبة لسقوط الأشياء من الأعلى للأسفل, فقد وجدت أخيراً العامل المحفِز لمدّ الكسرة إلى الياء في ما يتعلق بالمؤنث؛ وهو يتمثّل بأعراف المجتمع التي تتحوّل إلى قوانين سيادية بعد فترة من الزمن دون أن يكون لها أصل شرعي أو حكم ديني؛ فالعرف السائد هو التمييز بين الجنسين, سواءً في الأمور الفطرية المختلفة بينهما أو في الأمور التي يستوي فيها كلاهما, وذلك خشية الوقوع في شبهة الاسترجال؛ فإذا كانت المرأة لديها شيء من العقل, فهي متشبّهة بالرجال, وطبيعة الأنثى – حسب العُرف - أنها ناقصة عقل, لذلك يجب تهميشها وإحباطها وكتم أنفاسها, وهكذا سيضمر عقلها, وتصبح رهينة المحبسين كأبي العلاء المعري الذي كان حبيس بيته وعماه, فتنشأ هذه الأنثى حبيسة الجهل والمنزل؛ وإذا كانت الفتاة تحب ممارسة الرياضة فإن إتاحتها لها في المدارس قد تجعلها تكتسب بنيةً قويةً, فإذا اكتسبتها فسيبقى جسدها محتفظاً بحيويّته ولن تصاب بالروماتيزم والبدانة والسكري والضغط, وهذا أيضاً فيه تشبّه بالرجال لأن الأنثى – حسب العرف أيضاً - يجب أن تكون معلولةً مريضةً ضعيفةً فمن صفاتها الضعف والاعتماد على الذكر, وهو الأمر الذي يمكِّن الرجل أن يُثْبت أنه ما زال شاباً وهو في سن الستين بينما تبدو المرأة هرمةً ولو كانت في العشرين؛ وهكذا تمضي المتوالية.. فإذا كان الحياء أجمل ثوب تتسربل به الأنثى حقيقةً فهذا يَفرض – عرفاً لا شرعاً- أن تستحي من صوتها وشكلها وأفكارها وخواطرها, لأنها سبب كل إثم وخطيئة, فهي التي أخرجت آدم من الجنة, وبسببها قتل قابيل أخاه هابيل, وهي التي كانت زوجة نوح فخانته وزوجة لوط فعادته, وهي التي راودت يوسف عن نفسه, وهي التي ما زالت لعبة الشيطان يُسخّرها كيف يشاء ويغوي بها من العباد من يشاء ويخرب بها من البلاد ما يشاء.. إلخ وللقارئ أن يضيف ما يشاء....

إذن عندما أكتب جملةً أخاطب بها شخصاً ما فإذا كتبت كلمة (لست) دون شكل آخر الكلمة  - وليس الشكل أمراً متعارفاً عليه - فإن القارئ المتماهي في العقل الجماعي لن يميّز إذا كانت (لستَ) أم (لستِ), وحينما أكتب فعل (استطاع) مثلاً أو (وجد) بصيغة المخاطب فكتبت:(أنت استطعت أو أنت وجدت) بدون تشكيل آخرها أيضاً, فلن يَعرف صاحب الذهنية الذائبة في الثقافة الجمعية أهي (أنتَ استطعتَ) أم (أنتِ وجدتِ), والسبب ليس في الكلمة غير المنتهية بالتشكيل, لأن الجملة فيها مخاطب وهو يعلم جنسه بالتأكيد, لكن المشكلة في ثقافة التمييز بين الذكر والأنثى, وأسلوب الخطاب يتبع ثقافة المجتمع, فإذا كانت ثقافة التمييز هي السائدة, فلا بدّ أن يوجَد التمييز فيما لا تمييز فيه, لذلك من المستحسن – لدى صاحب العقل الخاضع لهذه الثقافة - إضافة ياء المؤنثة المخاطبة للتأكيد على النقص والضعف والمكر عند الأنثى وما يقابل هذه الصفات عند الذكر من كمال وقوة ومروءة؛ مع أن الحقيقة موجودة في معنى المثل الإنكليزي:(أن تكون ذكراً لا يعني بالضرورة أن تكون رجلاً), وهي أيضاً كامنة في صلب اللغة العربية لأن المرأة ترتبط بالمروءة أكثر كما يقول المفكر المغربي طه عبد الرحمن الذي يقسم النضج لدى الإنسان إلى المراحل التالية: الرجولة ثم الفتوة ثم المروءة, فأن تبلغ مبلغ الرجال هو أول النضج إذ تشعر بمسؤوليتك الفردية, لكنك عندما تشعر بمسؤوليتك الجماعية فهو دليل دخولك مرحلة الفتوة, وهي تعبير قرآني:(إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) وأصحاب الكهف كانوا رجالاً ناضجين ولم يكونوا فتيةً بالمعنى المادي أو العمري للكلمة, والمرحلة الثالثة هي المروءة وهي الشعور بالواجب والاندفاع لأدائه بما يفرضه الضمير, فإذا تم الاهتمام بتربية الفرد – ذكراً كان أم أنثى - فسيصبح في المستقبل ذا مروءة, وحَسْبَ المفكر المغربي فإن المرأة مؤهبة لهذه المروءة أكثر من الرجل لأنها أنضج منه وجدانياً, أما أنه أوسع منها عقلاً فهو أمر بيّنت في مقالتي (هل النساء ناقصات عقل ودين؟ بتاريخ 3/1/2004) ارتباطه بحالة الزوجين فقط, كي تستطيع الزوجة أن تقتنع بقوامة الزوج عليها, وكي يتمكّن هو من ممارسة هذه القوامة كحقٍّ مكتسب وليس كإتاوة مفروضة – الإتاوة أو "الخوّة" هي المال الذي يأخذه "البلطجي" من بعض الناس كي يحميهم أو كي لا يؤذيهم - وإلا فإن اتصاف الزوجة بعقل راجح أكثر من زوجها يُفقد الحياة الزوجية شيئاً كبيراً من تفرّدها ويزيل من العلاقة الزوجية كثيراً من جمالياتها.

لقد ساوى الله سبحانه بين النساء والرجال في أمور كثيرة, فقال جلّ وعلا:(ولقد كرّمنا بني آدم) ولم يقل: ولقد كرّمنا جنس الرجال فحسبْ, وقال:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ولم يقل: والمؤمنون الرجال فقط بعضهم أولياء بعض, وقال:(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طبية ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ولم يقل: إن الحياة الطيبة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة من نصيب الذكور فقط؛ أما فيما ميّز به بين الجنسين فقد أوضحت سبب التمييز في مقالتي (تحرير المرأة مصطلح غامض أم مفهوم غائب؟ بتاريخ 12/6/2004)؛ وفي نهاية سورة التحريم أورد القرآن وصف امرأتي نوح عليه السلام ولوط عليه السلام كمثالين عن الذين كفروا, ولكنه أورد بعدهما وصف آسيا زوجة فرعون ومريم بنت عمران عليهما السلام كأنموذجين عن الذين آمنوا, وفي اختياره سبحانه وتعالى للنساء هنا دليل على أهليتهن التامة للثواب والعقاب مثلهن مثل الرجال, ولو أوردت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي أعلمها والتي تؤكد على مساواة النساء والرجال في الإنسانية والتكاليف والحقوق العامة للإنسان لاحتجت إلى مقالة كاملة, لكني أعلم أيضاً, وهو ما تحتاج أن تعلمه الابنة المرسلة, أن الحقوق لا تُستجدى ولكن تُنتزع انتزاعاً, فلا يضيع حق وراءه مطالب.

الوطن السعودية 16/5/2005

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |