|
في رائعته "جناح المرأة المكسور" تبدّت الموهبة القصصية للدكتور عبد الله ناصر
الفوزان, وترافقت نهايتها مع "ثيمة" وعظية عندما انهال صديق صاحب الدجاجة عليه
باللوم لأنه (جاهل فيما يبدو حتى بالمسلّمات... المرأة "مكسورة الجناح" و "صوتها
عورة")؛ وبما أن اهتمامي الأول هو المرأة وقضاياها فإني دائماً بحاجة إلى كتبٍ
عنها, وأهمها تلك الكتب التي تساعد على إثبات ما أعتقده حقاً من أن المرأة في العهد
النبوي لم يكون صوتها عورةً ولم تكن مكسورة الجناح بل إن المجتمع النبوي لم يحلّق
إلا بجناحي الرجل والمرأة معاً؛ وسبب حرصي على الكتب التراثية هو إدراكي أن هذا
المجتمع لم يكن يوماً ولن يكون إلا بالإسلام, وهو ما يعترف به كلّ منصف من أهل
السياسة والثقافة؛ لكن المشكلة أن مكتبة منزلي تنوء بالكتب على اختلاف أطيافها
الدينية منها والدنيوية, لذا فقد عزفتْ الألمعية الدكتورة أميرة كشغري في مقالتها
"لنعترف بمحدودية معرفتنا الإنسانية" على وتر مجروح وهي تبيّن بالأرقام عدد السنين
التي نستغرقها وقدر الريالات التي ننفقها وحجم المكتبات التي تلزمنا لنحيط بجزء من
المعرفة الإنسانية الكلية؛ أما حلّ مشكلتي فقد وجدته في المكتبة الإسلامية بموقع
نداء الإيمان وهو الموقع الخاص بالشيخ صالح الفوزان, وبالطبع فإن ذلك الجهد العظيم
لا يمكن أن يكون وراءه إلا فريق عمل ناجح, وأترك للقارئ متعة تصفح ذلك الموقع وكنزه
التراثي, لأن ما أودّ الحديث عنه هنا هو استطلاع الرأي بالموقع: هل تؤيد فكرة
التعليم المختلط؟ ولدى المتصفح ثلاث خيارات: 1- نعم في حدود الالتزام 2- لا دائما
3 – نعم دائما.
بدايةً أصارح القارئ الكريم أني أخشى أن تنهال
المناصحات على الشيخ الفوزان كي يلغي ذلك الاستطلاع
بمجرد نشر مقالتي, إذ إن الذاكرة تحتفظ بحادثتين,
أولاهما: حادثة الشيخ عائض القرني الطازجة, والذي تمّ
الضغط عليه تحت شعار التسديد والتصويب ليتراجع عن رأيه
حول حجاب المرأة, وإن كنت إلى الآن لا أعلم كيف يمكن
المساواة بين العودة عن الرأي تحت الضغط والإكراه وبين
الرجوع إلى جادة الصواب بالحجة والمنطق لأن الأولى
إجبارية والثانية اختيارية؛ أما الحادثة الثانية
فقديمة وهي مصافحة وزير الأوقاف الإسلامية الشيخ صالح
آل الشيخ للبابا شنودة في مصر, فقد امتلأت مواقع
الانترنت الأصولية يومها بالاستنكار لفعلته, وتدحرجت
كلمة واحدة في قاع تلك المنتديات: ناصحوه! علماً بأن
الرسول عليه الصلاة والسلام - وهو الناصح الأمين - فرش
رداءه لكبير نصارى نجران؛ ولكن خشيتي تلك تتبخر لصالح
أملي أنّ وراء كواليس موقع نداء الإيمان (فتية آمنوا
بربهم وزدناهم هدى) هم الجنود المجهولون القائمون على
الموقع الذين يعلمون أن الثوابت المتجذّرة في قلب
المؤمن لا يمكن أن تهزها الرياح وأن الأشجار التي تحني
هاماتها للعاصفة هي التي تظل راسخةً بعدها, فالإسلام
دين يتصف بالحكمة والمرونة, والأصل في الأشياء الإباحة
وليس الحرمة, والتعليم المختلط لم يأت بالنهي عنه نص
صريح, لذلك فلا مانع إذن من إجراء استفتاء حوله, ولا
مانع أيضاً من مناقشة إيجابياته وسلبياته من مقتضى
المصلحة العامة التي تدور حولها القاعدة
الفقهية:(حيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله).
في إحصائية نشرتها صحيفة الوطن حول رأي الأبناء في أي
المؤسسات التربوية تأثيراً عليهم, أتت الأسرة في
المرتبة الأولى ثم الإعلام في المرتبة الثانية ثم
المدرسة في المرتبة الأخيرة؛ فمما لا جدال فيه أن
الطفل الذكر يكوّن نظرته عن المرأة من خلال تعامل الأب
مع الإناث في العائلة: الأم ثم البنات ثم القريبات,
وقد تناولت دور الأسرة في كثير من مقالاتي عن المرأة,
ولا أظن المدرسة قادرةً على إصلاح الخلل التربوي
الناشئ عن الأسرة إلا لدى بعض التلاميذ من ذوي الإدراك
الجيد أو أصحاب الفطرة السليمة وذلك إذا كان المنهاج
التعليمي منصفاً للمرأة والقدرات التربوية للمعلمين
متفوقة؛ ولكني أحسب أن وضع مهمة التعليم في المرحلة
الابتدائية – أو على الأقل لعمر عشر سنوات- على عاتق
المعلمات الإناث أمر له مردود إيجابي كبير, وقد حدثني
بعض معارفي عن الفارق الذي لمسوه في أولادهم بين
مرحلتي الروضة والمدرسة, فقد كان الأطفال يندفعون
برغبة وشوق للذهاب إلى الروضة ذات المشرفات اللطيفات
ثم تلاشت هذه الرغبة وغاب هذا الاندفاع مع المدرسة ذات
المعلمين الأشداء, والسبب يمكن استمداده من شرع الله
الحكيم فمعلوم أن حضانة الطفل من حق الأم في حال فراق
والديه لأن الأم هي التي تستطيع استيعاب الطفل بحنانها
في هذه المرحلة الحساسة من عمره, والمعلمة مثلها مثل
الأم في ذلك, فهي أقرب لقلب الطفل وأكثر قدرة على شرح
المفاهيم المجردة له عبر القصص, ولا يخفى على أي خبير
تربوي أن إدخال المفاهيم الصعبة إلى عقل الطفل عنوةً
يشكِّل نواة للعنف في نفسه تتظاهر مستقبلاً بتراكمات
وعقد نفسية, لذلك لا بد من وسائل لتسهيل المنهاج
وتيسيره.
عندما تدرّس الطفلَ معلمةٌ تُظهر له محبتها وتعلِّمه
احترامها عبر الترغيب لا الترهيب, فإنه سيُكوّن عن
المرأة نظرةً إيجابيةً, وتزداد هذه النظرة عندما يوجد
بالفصل تلميذات إناث, وهنا أؤكد مرة أخرى على أن يكون
التعليم المختلط ما قبل سن التمييز أي قبل سن العاشرة,
وهو أمر مستمد أيضاً من الشرع فقد أمر الرسول عليه
الصلاة والسلام بالتفريق في المضاجع بعد العاشرة, لأن
الرغبات الجنسية تكون في طور كمون قبلها, فأرجو أن لا
يفهم من هذا المقال أنه دعوة للاختلاط في سن المراهقة,
بل ينبغي التأكيد هنا على أن بعض البلاد الغربية تعيد
النظر في هذا الاختلاط المفتوح بعد أن رأت مساوئه,
وهناك مدارس منفصلة في المرحلة الإعدادية والثانوية
خاصة في البلاد التي توجد فيها جالية عربية ومسلمة
كبيرة؛ ولكن الاختلاط قبل سن التمييز هو بمثابة مران
للطفل على احترام الأنثى وعدم الخشية من لقائها في
المستقبل وعدم استصغارها والتقليل من شأنها خاصة وهو
يراها تتفوق عليه أحياناً؛ والقصد من ذلك تدريب الطفل
على السباحة في هذا البحر متلاطم الأمواج, لأن المملكة
تكاد تكون البلد الوحيد الذي يفصل بين الجنسين فصلاً
تاماً في جميع المراحل التعليمية, فإذا قصد الطالب بعد
انتهاء الثانوية أو الجامعة استكمال دراسته في الخارج
فإنه سيجد عائق الاختلاط أمامه كحائط صدّ يمنعه من
التركيز والتفوق؛ وقد صارحني أحد الإخوة الفضلاء أنه
عندما ذهب للغرب للحصول على شهادة الدكتوراة كان
متزوجاً وفوق الثلاثين من العمر ولديه أولاد, ومع ذلك
وجد نفسه كمن يعيش كابوس رعب لأنه لم يَعْتَدْ في
حياته على التعامل مع امرأة سوى زوجته وأقرب محارمه,
هذا وهو المتزوج ورب العائلة, فلنا أن نتخيل مصير
شبابنا وبناتنا في الغرب إذا اضطروا إلى إكمال
دراساتهم العليا وليس لديهم أي مناعة ذاتية سوى
الإيمان الذي قد يكون حصنهم الوحيد فيلجؤون إلى
الانعزال خشية الوقوع في علاقات محرمة, على عكس من
تدرّب على اللقاءات المختلطة بين الحين والآخر, فسيجد
في إيمانه المدعّم بالتربية والتعقّل ملجأً أفضل
وموئلاً أرحب.
رغم ثَنائي على التعليم المختلط في السن المبكر لا بد
من التنبيه إلى سلبياته وهي أنه قد يؤدي إلى انعدام
الفروق الفطرية بين الذكر والأنثى, فتصبح الطفلة كأنها
صبي, ويتصرف الطفل كالبنت, وبما أن التربية الناجحة هي
التي تؤهب كل جنس – سواء الذكر أو الأنثى- لأدواره
الحياتية العامة دون أن يقلّل من شأن دوره الخاص كأب
أو أم مستقبلاً, فإنه يمكن الفكاك من هذه السلبية إذا
روعي عدم المزج بين التلاميذ والتلميذات داخل قاعة
الدراسة وخارجها, فيجب توجيه كل جنس للّعب مع جنسه في
الفسحة بين الدروس, والأمر نفسه يُقال بالنسبة لدروس
الرياضة والفن, فرياضة الأولاد يجب أن تكون مختلفةً
ومنعزلةً عن رياضة البنات, والفنون النسوية التي يحسن
تعليمها للفتيات هي غير الفنون التي يتعلمها الفتيان,
وحل المعادلة ليس صعباً, إذ يمكن جعل حصتي الرياضة
والفن مشتركتين معاً بحيث ينتهي الأولاد من الرياضة
فيدخلون الفصل عقب خروج البنات اللواتي انتهين من
تعلّم شغل الإبرة مثلا, وهكذا.
إذا كانت المدرسة تساهم في تشكيل عقل الأطفال وتهذيب
نفوسهم, فإن للمسجد دوراً مماثلاً بالنسبة للشباب
والكهول, ومن الواجب ألا تتناقض الرسائل التربوية
الموجهة للأعمار المختلفة كي لا يزداد الفصام
الاجتماعي بين الأجيال؛ وأغلبنا يذكر حوار الشيخ عبد
الله المطلق لصحيفة الوطن
والذي بيّن فيه كثيراً من الحقوق التي منحها الإسلام
للمرأة, لكنه تراجع أمام تعليق الشيخ صالح
الفوزان أن المرأة كلها عورة حتى صوتها, ولكن الشيخ
الفوزان نفسه ظهر في برنامج على الهواء وردّ بكل تواضع
على فتوى امرأة متصلة ولم يخبرها أن صوتها عورة, لذا
يجدر القول أن ثمة لَبس في قضايا المرأة لا يُزال إلا
بواسطة هيئة كبار العلماء, وهذا يتطلب جهداً أكبر
بكثير من مجرّد منع الحجر على المرأة, والله سائل كل
منا عما استرعاه, ومسؤولية علماء الدين أمام الله
كبيرة في نشر العلم, وقد صحّ عن رسول الله عليه الصلاة
والسلام قوله:(أنا أجوَد ولد آدم, وأجوَد من بعدي رجل
عَلِم علماً فنشره, يُبعث يوم القيامة أمّةً وحده).
الوطن السعودية 7/5/2005 |